سراب لا يكف عن التكاثر .. فاطمة عبد الله

فاطمة عبد الله

 

عبر روايته القصيرة “زحف الأرانب” يرتحل بنا الكاتب عصام حسين عبد الرحمن من أمان المتشابه إلى مغامرة المختلف، وكأنه يريد بكتابته هذه أن يشرح الواقع بخيالٍ يوقظ به أحاسيس المجتمع.

يأتي زمن الحكي في الفترة التي ينتظر فيها الطبيب المريض، هشام، استدعاءه لدخول حجرة العمليات، لتُجرى له جراحة في الشريان التاجي، بعد أن كان على شفا حفرة من الموت، في هذا الزمن القصير تتقافز على ذهنه جميلاته النائمات في الذاكرة، فيستدعي كل امرأة يقاوم بحكايتها ما يدرأ به الخوف من الفقد.. فقد حيوية وجودهن في الذاكرة أو فقد حيويته بالمخدر أو الموت، كأن الحب وحده مقاومة.. الحب حياة، أو بالأحرى استولاد حيوات صغيرة تمد قلبه بالحيوية والأمل، فيما يشبه التناص مع ياسوناري كاواباتا في روايته “بيت الجميلات النائمات”، ومع ماركيز في “ذكرى عاهراتي الجميلات”.

جاءت الحبيبات يتقافزن كأرانب، بما تستدعيه تلك الحيوانات المنزلية الرقيقة من دعة ونعومة وبراءة وحركات طفلية، ترد من خلالها الذكرى تلو الأخرى لنساء نمن في ذاكرة طبيب مريض، ومع كل إغماءة وإفاقة تظهر إحداهن كأرنب له ما يميزه من صفاتها وصفات خضاب الأرنب.. فأتت إحداهن على شكل أرنب أسمر، والأخرى على شكل أرنب أبيض تجمّله بقعتان سوداوان، والثالثة على شكل أرنب أبيض بدون علامات.

هنا كان استخدام الكاتب للأرانب موفقًا لتأدية وظيفته الفنية المشيرة لذكرى تثب خارجة من جحر الذاكرة، فتترى بدِعةٍ تثير جمالاً مشوبًا بروح طفولية، وكان وصف عيون هذه الأرانب الأربعة مناسبًا جدًا لخروج كائنات من غبشة الذاكرة، وغبشة الخارِج من غيبوبة تامة، ويمر بما يشبه الغيبوبة السريرية، وكلها حالات تجعل الرؤية أو بالأحرى تجعل الذكريات تتداعى عشوائيًّا في البداية، ثم تنتقي ما تستدعيه كمحاولة للبحث عن أوتاد يتشبث بها مريض، يعرف خطورة حالته، فيعلق على هذه الأوتاد خيط حياته، في محاولة للارتباط والتماسك، وهو حريص على عدم الانفلات لقبضة الموت التي تسحب الروح بمغناطيسية كبيرة.

وكان من الطبيعي أن يستدعي هذا النصفُ واعٍ، النصفُ مغيبٍ، أن يستدعي من ناس الذاكرة كل ما يُحيي الروح وينعش القلب ليسترد به حيوية الجسد، ذلك المركب الذي تقوده الروح ويدفعه نبض القلب.. فكان استدعاء يبدأ من ذكرى اكتسابه اسمًا لحي سابق.. في إشارة ذكية من الكاتب لفكرة مجابهة الموت بحلول الاسم على روح جديدة؛ فمات هشام ابن العامين ليكتسب الوليد الطازج اسمه في الحال، وكأن نتيجة مباراة الأب مع الموت ليست 1/ 0، كما هو متوقع في مثل هذا الظرف، وإنما صيّرها الأب 1 فقط، جسدٌ دُفن بلا اسم وجسدٌ تلّبس الاسم، فكأن لا نقصٌ حدث ولا زيادةٌ طرأت.. فصار “الاسم” مقاومةً لفقد روح، وهِبةً تدفع الحياة في روح جديدة.. وكأنه الاسم فقط من وجهة نظر الأب تعويذة البقاء يطلقها في وجه الموت.

فكان أيضًا في هذا الحدث ما يحيل لفكرة التجسد والحلول أو تناسخ الأرواح، ولعل في ذلك إشارة خفية رماها الكاتب لقارئه خلسة تساعده على تفسير ميل بطل الرواية وراويها/ هشام للتعدد؛ فيشير في أكثر من موضع إلى أن نرجس زوجة عمه كانت بمثابة الأم الحقيقية، في حين أن أمه ما زالت تعيش معهما في بيت واحد، وأنه أحب جميلة وهيام وهند الصمدي وشيرين عادل، ولم يفتأ يذكر أيضًا ثناء وعزيزة أو مارية، وأن صديقه المقرّب مصطفى، لكن الأمر أيضًا لا يخلو من جرجس وعاطف الذي يتوضأ ويستحم باللبن ويعمل في مديرية أمن الإسكندرية!

وكذلك الترديد الدائم للفظ “الروح” والتأكيد على أن هذه الأرواح مكسورة مجروحة، أو مجترحة من روح أخرى كانت موجودة ذات يوم وأصبح جزء منها متوافرًا الآن في هذه الشخصيات (مثله هو وأخوه المتوفَّى، ومثل عزيزة التي كانت ماري)، لذلك كان طائر هشام العجيب يقف على كتفه، يسرع ليجثو على صدر إحداهن ينقر فوق القلب، فهل هذا هو طائر الصدى رمز الروح السابقة؟ أم أنه إشارة الانطلاق للحلول بجسد جديد؟ بالتأكيد الإجابة تكمن في متى كان هذا الطائر حاضرًا في المشهد ومتى غاب عنه.

المدهش أن الكاتب يراوح في استخدامه للأرانب بين أمان المتشابه ومغامرة المختلف؛ فجاء استخدامه لها فيما يتعلق بحبيباته متوافقًا مع المتشابه في ذاكرتنا عن الأرانب وحتى مع الثابت من المعلومات عنها؛ فعيون الأرانب تتعدد ألوانها فمنها الأحمر والأزرق والأسود وغيرها، وكلها ألوان ترتبط بالمادة الملونة في جسم الأرنب والمعروفة بالخضاب؛ فالأرنب ذو الخضاب الأسود يكون شعره أسود وعينه كذلك، بينما الأبيض لا خضاب في جسمه وعينه عديمة اللون، لكن يبدو لونها أحمر نتيجة مرور الدم في أوعية مقلة العين، لذلك كان وصف الكاتب لإحدى حبيباته بالسمراء.. سمراء اللون وسمراء الشعر.

وأما مغامرة المختلف فكانت في تشكُّل الثوّار على اختلاف نوعياتهم بأشكال الأرانب، فكيف لعيْنِ أرنب مغبّشة أن تصبح مرآة مصقولة تمتص أشعة الشمس، وتعكسها في عين من تلتقي نظرته بها تعكسها كطاقة كامنة سحرية تحوله في الحال لأرنب!

وكيف لأرنب وديع مشهور بالجبن وعدم الاستكانة إلا ليدٍ واحدة تراعيه كيف له من القوة أن يتناص بشكل مغاير أيضًا مع “ميدوسا” التي ما إن تلتقي عيناها بنظرة رائيها حتى تحوله إلى تمثال جامد بلا حركة أو حيوية، بينما الأرنب يُكسِب المتحوِّل حيويتَه هو وتقافزه وزحفه إلى منطقة الأهرام أو ميدان التحرير أو حتى حديقة الطبيب المريض؟!

هذا هو الاستخدام الواعي للكاتب الذي آلف فيه بين ما لا يتآلف، وزاوج فيه ما لا يتزاوج، ورتع بقارئه بين أمان المتشابه ومغامرة المختلف؛ يأخذه بيد الخيال لشرح الواقع، ويدعوه في دعة الأرانب إلى تثوير ذاته، ومناقشة خلفية المشاركين في الثورة المصرية الأخيرة، تاركًا أفكاره تتمتع بخصائص أرانب برية تتكاثر دون أن تفقد عذريتها، وتحمل قبل أن تلد جنينها الأول وفقًا لما هو معروف بـ “حملٍ على حمل”، ليتكاثر إنتاج تلك المناقشات في نفس القارئ بأفكار قد تبدو لأول وهلة سرابًا، لكن بمداومة إعمال العقل والتأمل يتكاثر هذا السراب إلى حقائق.

 

زحف الأرانب
زحف الأرانب

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

مقام الالتباس والتجلي في «سيد بغداد» .. فاطمة عبد الله

  في رواية تعد سِفرًا لطائر سمندل يخرج من جحيم الحرب والاحتلال والاغتراب، وعبر مغامرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية