سراب الملاك .. وليد طبابي

سراب الملاك .. وليد طبابي

 

رن منبه ساعته القديمة، كانت العقارب تشير إلى الثالثة صباحًا. أنقذه صوت الساعة من براثن الأفكار التي نهشت عقله منذ جلوسه في هذا المكان. أرسل يده تشق الدخان الذي يملأ المكان. غابت ملامح الغرفة خلف ما نفثه من دخان سجائره، وقعت يداه على ما يريد، عادت الأسئلة والأفكار المبعثرة تعربد في مقلته من جديد، سكب أول كأس من قارورة الفودكا، تذكر الحيرة في عيني صديقه حين كلفه بشرائها من حانة المدينة، كان مشتاقًا إلى شراب لم يذقه من قبل، وعلى عكس البشر، راح يشرب ليتذكر.. لا لينسى.

كان يحتسي شرابه رشفة رشفة بصعوبة، وراح يرغم نفسه لإكمال الكأس تلو الكأس، أحس بقوة رهيبة تدب في جسمه بعد احتساء الكأس التاسع، هو الآن جاهز للتنفيذ. بعد تردّد كبير، قرّر أخيرًا أن يرسمها في لوحته، قرّر أن يطلق لها العنان هذه المرّة بعد أن ظلّت حبيسة قلبه المظلم منذ زمن مضى، هو لم يخبر أحدًا عنها، كان يعيد محاكمتها في اليوم الرابع عشر من الشهر الثاني من كل سنة، لم يكن قاضيًا جائرًا، كان يكتفي بالصراخ داخل نفسه ويحتضنها، ثم يحملها عائدًا بها إلى تلك الزاوية المظلمة منه. هتك حجاب اللوحة بريشته، رسم لها وجهًا جميلاً وعينين أجمل، عينين فقط لا أكثر، جرّدها من كل شيء إلا العينين، فقد اشتاق إلى سحرهما، لكنها تمردت كعادتها وانبثقت رافضة للحدود المرسومة في اللوحة وتمثلت واقفة أمامه، لم يعرف أهذا وهم يصنعه عقله، أم هو تأثير الخمر؟ لم يستطع أن يميزها بعد كل تلك التغيرات ورآها مشوهة ممسوخة، واختار أن يغوص في ذكرياته، ويخرج صورتها التي أحبها عليها أول مره، وقام بترميم ذلك المسخ أمامه بكثير من التبريرات والكثير من ذكرياته الجميلة معها. رغم كل جهوده لم يستطع ترميم ما هدمته عواصف الزمان، من هذه الواقفة أمامي إذن؟ تشكلت الأسئلة في أسراب من السوس تنخر رأسه، فأغرقها بطوفان من الفودكا وحاول الاقتراب:

ـ من تكونين؟

ـ أنا من أحببتها حدّ الجنون.

ـ لا.. مستحيل! حبيبتي ملاكٌ والواقف أمامي شيطان.

ـ ما زلت ملاكًا، وكل ما يشوب صورتي الآن هو من صنيعك، فحاول أن تعيد النظر إلي بقلبك.

قرّر المحاولة علّه يستطيع انتشالها من ذلك الظلام المحيط بها، أطلق العنان لقلب كان سجين ترائب صدره منذ زمن، جعل منه ريشة بيده، إذا بالريشة ترسمها بصورتها الملائكية وتعيد لها جناحيها ونورها الساطع، بنى آفاقًا زرقاء ومدّ لها البحار مدًّا، تقاطرت الألوان والحبّ من ريشته.

ـ ها أنت إذن تتربعين على عرشي المتواضع من جديد.

ـ لست إلا امتدادًا لروحك وانعكاسًا لصورتك.

ـ هل اشتقت إلي كما هو الحال عندي؟

ـ أتوق لمعانقتك والذوبان بداخلك.

ـ حان الوقت إذن لتنصره أرواحنا وتسكن عالم الخلود.

شدّها بريق عينيه التواقتين لها، فداعبت قلبه الصغير بابتسامة. وعلى طريقة قصص الأميرات، ألقت له شعرها الطويل من النافذة التي أمامه. تشبث بكل قواه، بدا عالم الخلود يتراءى له بجنانه وتمازج ألوانه. تشبث أكثر فأكثر حتى خارت قواه. في صباح اليوم الموالي انقشع الدخان المنتشر في الغرفة كاشفًا عن جثة معلقة في حبل مشدود للسقف.

*  تونس.

شاهد أيضاً

ذكريات لا تسع لها روح واحدة .. ملاك جلال

  لقد متُّ قبل أن أصل إلى هذه اللحظة، متُّ كثيرًا مثلاً؛ في آخر ضحكةٍ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية