سدنة الأبواب الزرق والشمس .. سفيان رجب

 

بكثير من السّخرية، يصف تشارلز ديكنز نهاية الحداثة، يقول: إنّ الحداثة انتهت في 15 يوليو 1972، في تمام الساعة الثّالثة عصرًا واثنين وثلاثين دقيقة، تحديدًا في الساعة والدّقيقة اللتين شهدتا إزالة المشروع السّكني بروت الجوّي، الذي صمّمه ياماساكي بعد قرار من مهندسي مدينة سانت لويس الأمريكية، الذين رأوا عدم صلاحيته، وهذا التعريف السّاخر لنهاية الحداثة يجسّد بداية أو انبعاث الإنسان/ الحاسوب، والإعلان نهائيًا عن انقراض الإنسان البيولوجيّ، فالحداثة التي حاولت أن تعطي للإنسان فرصته في خلافة اللّٰه على الأرض، أي تمثيل دوره دون مركّب نقصٍ، ودون الاعتماد عليه. وجد نفسه يتخبّط بين حربين عالميتين، لذلك كان على إنسان ما بعد الحداثة، هذا الحاسوب المبرمج بالدقيقة والثانية، أن يعود إلى بعض الحيل القديمة، ومن هذه الحيل (النّص) فهو وسيلة فعّالة للتّجريب، واختراع أقنعة جديدة وأكاذيب لائقة، للذي يريد احتكار دور اللّٰه على الأرض وحده.

 

في نهاية الثمانينات من القرن المنقضي، بدأت الأدوار تتوضّح، وبدأنا نعرف حاكم الأرض الجديد، وهو يلقي خطبه الواعدة بالجنّة والسعادة الدنياوية، ويدور على العالم الثالث ليُغيّر فتريناته السياسية. كان الشّاعرُ وقتها مشوّش الحواسّ، لا يعرف هل يكتب نصّه تحت أنصاب زعمائه الغابرين، أم يتحوّل إلى قاذف حصى على الفيترينات البلورية الجديدة؟ وكان جهد السياسيّ ينصبّ في تركه داخل بيضة النّصّ، وهذا ما حدث تقريبا طيلة السنوات العشر الأخيرة من القرن المنقضي. في الشعر التونسيّ مثلاً، نهض أحدُ النّقاد القريبين من السلطة، ووضع قائمة منضبطة للشعراء الجدد تحت لافتة التّسعينييّن، واجتهد في تضليلهم وعزلهم عن بيئتهم الثقافية، وهذا ما خلق منهم أصواتًا ناشزة هي خليط من رومانطيقيين ورمزيّين وسورياليين. لكن لا رؤية ثابتة تحرّكهم.

 

 في أحد الأيام، جمعني لقاء بأحد الشعراء التّسعينيّين، كان يكتب قصيدة مركّبة من ركام السّورياليّين، وأمام حماسه للحداثة الشعرية، ألقيت عليه هذا السؤال الصّاعق: لم تكتبُ الشّعر؟ كنت أعرف صعوبة الإجابة عن مثل هكذا أسئلة مطلقة، لكنه حاول الإجابة على الأقلّ، وكان جوابه يتحدّث عن الأجنحة والتخلّص من الجذور، كانت رفرفة موفّقة منه، لذلك ذهبت إلى المنحى الذي قصده، فسألته: كيف تنظر إلى السماء؟ وكان جوابه محبطًا حقًّا، ولم يتجاوز جواب عجوز أميّة. سألته: هل قرأت بيان السوريالية لإندري بروتون؟ كيف تذهبُ قصيدتك إلى الشمس، بينما أنت تسير تحت ظلال التّماثيل؟

 

أوائل الألفية الثالثة، خرجت أصوات جديدة، بعد أن كسرت قشرة بيضة النّص، كان الرّهان هو أن يجد الشاعرُ ذاته: من هو؟ من أين جاء؟ وإلى أين يريدُ الذّهاب؟ أسئلة مثل هذه يلزمها حفرٌ حقيقيّ في ركام الفكر الإنسانيّ، بالعودة إلى السرديات القديمة المقدّسة منها، والمدنّسة بعفاريت المخيّلة البشريّة، وصولاً إلى تجارب الحداثة: الرواية والفلسفة وقصيدة النثر ونظريات النقد التفكيكيّ.. لا وقت للمجانيّة أمام هجمات التشويه التي يتعرّض لها الإنسان، من ماكينات التدجين والتعليب، ومحاولات محوه نهائيًا من الوجود. والشاعر بكونه الممثّل الوحيد المتبقّي للإنسان هو الأكثر استهدافًا. ورأسه مطلوب مهما كان الثّمن.

 

في السنة الخامسة من الألفية الثالثة، ولا أحدّد ذلك باليوم والساعة والدقيقة والثانية، كما فعل ديكنز، كانت اللّقاءات الأولى قد حدثت بين شعراء الألفية الثالثة، تحديدًا في الملتقيات التي تنظّمها السلطة، والتي كنا نقذف بلّور فيترينتها بالحصى، ونصنع داخل ملتقياتها الرسمية ملتقياتنا الهامشية، وكانت كلمة السّر بيننا هي (الشعر)، كنت غارقًا في مخطوطة كتابي (الحدائق المسيّجة)، وكان زياد عبد القادر يشتغل على مخطوطة كتابه (بهجة اليأس)، وصبري الرّحموني يكتب نصوصه الأولى، والتي ستتشكّل منها فيما بعد مخطوطة كتابه (مغناطيس)، بعد ذلك انضمّ للمجموعة محمد الناصر المولهي، وكان يحمل نصوص كتابه الأول (مثل كلّ شيء تنتهي)، وأنور اليزيدي بمخطوطته (مياه مؤجّلة)، وخالد الهداجي بنصوص كتابه (مجرّد رائحة لا غير)، وصابر العبسي وجميل عمامي وشاكر السياري وأشرف القرقني.

 

كانت اللقاءات هي المحرّك الأول لأسئلة الشعر فينا، وكان هناك حرص على كتابة نصّ أصيل، يهضم الفكر الإنسانيّن ويحاكي تفاصيل الحياة اليوميّة. بعد الثورة فُتحت مجالات أخرى للتواصل، لعلّ أهمها فيسبوك، وخرجت إلى الضوء أصوات جديدة مثل منى الرّزقي، ووليد التليلي، ومحمد العربي، وسماح البوسيفي، ومحمود طارقي، وعبد العزيز الهاشمي، ورفيقة المروانين ومنير العليمي، وفهمي بلطي، وآلاء بو عفيف، وصابر بن محمد، ورؤوف حجاج، وتوفيق مقطوف، وانضمّت كلّها إلى المشروع الشعريّ التونسيّ الجديد.

 

الشّعر في تونس الآن، خرج من بيضة النّصّ، وتخلّص من وهم الحرب الدّنكيشوتية ضدّ القصيدة التقليدية، تخفّف من بدلاته الرّسميّة، وخرج إلى الشارع بالدّجين الممزّق والقمصان الضّيقة، اقترب أكثر من حياة النّاس، ركب الميتروهات والحافلات.. وكتب شعاراته بالجرافيتي على الحيطان.

 

هي مجموعة من الأصوات الشّابّة، التي راهنت على التّجريب، والمغامرة بعيدًا عن المناطق المُكتشفة والأساليب المستهلكة. لم يترك السّابقون للّاحقين سوى مناطق ضيّقة للإبداع، هم يتحرّكون فيها الآن، بل يفتحونها على ممكنات أخرى، مستفيدين من ثقافتهم الواسعة، ومن تمرّدهم على الجاهز والمجترّ.

 

هم سدنةُ الأبواب الزّرق والشّمس والبحر.. إذا أردت أنْ تنظر إلى تونس بقلبك؛ فاقرأ ما يكتبون.

* تونس.

*مقدمة ملفّ عن شعراء الألفية الثالثة.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية