سحب سوداء .. عصام حسين

عصام حسين عبد الرحمن

 

كان قرارًا صعبًا أن أقود سيارتي بعد آذان الفجر مباشرة. لم أنم، ظللت طوال الليل في حديث الذكريات:

ـ أنا باموت يا هشام، تعبانة، شكلي باموت خلاص، مش هسامح نفسي لو تعبت نفسك وجيت.

ـ لو مكنتش جنبك دلوقتي يا هند، هاكون جنبك إمتى؟ أنا اللي مش هسامح نفسي لو سيبتك تعبانة ونمت.

ـ طيب بس خليك معايا، وافضل كلمني لحد ما ارتاح، أنا بطمّن أوي وانت بتكلمني.

ـ مضيعيش الوقت، أرجوكي سيبيني ألبس وأجيلك.

ـ قول لي بس آخد إيه، الألم بيقطّع بطني.

أكاد بالفعل أجن، ما هذا الخواء؟ ولماذا تتلاشى الأشياء، الأشجار فقدت قيمتها ومن ثم تلاشت، الطيور هجرت أعشاشها، لم تكن مبهجة لكونها طيورًا حتى لو كانت أشكالها جميلة، البهجة تنبع من الغناء، حبيبتي لم تعد تغني، تتألم فقط وتنهار. امتلأت السماء بسحب سوداء تحجز ضوء النهار المولود توًا. كان عليّ أن أظل مشعلاً كل كشافات الإضاءة لعلها تعوض تعثر ميلاد النهار.

فتحت شنطة سيارتي أبحث عن أي حقن مسكنة وأدوية مهدئة، وسماعتي الطبية وجهاز الضغط وخافض اللسان، وكشاف ينير الحلق ومدخل البلعوم.

الانهيار فظيع، ثمة شيء مفقود، لا أحد يعرف كنهه، لكن الألم شديد جسديًا ومعنويًا.

كأن صندوقًا عتيقًا قد فتح فجأة، خرج أهالي القرية غير عابئين بأجواء الحرب، تجمعوا حول حطام الطائرة الصهيونية الباغية التي سقطت بعد مطاردة عنيفة وشرسة من نسر مصري يحمل في قلبه إرادة فولاذية، كان نصيبي من الحطام قطعة صغيرة من جناح الطائرة، احتفظت بها لنفسي، ثم قدمتها لها في لحظة فرح حقيقية، نقشت عليها (ذكرى سقوط أسطورة جيش  القتلة الصهاينة).

قالت وهي نائمة في حجري، وأنا أمسد شعرها الأملس ثانيًا ظهري قليلاً ليحتضن صدري رأسها، إنه الحب الوحيد في حياتها. تبادلنا الإغفاءات من قلة النوم، وكنت في صحوي، أنقل رأسها بهدوء إلى الوسادة اللينة ثم أنظر من النافذة، الناس يفترشون الشارع بأنين مكتوم، والسائرون منهم كمن يسيرون علي المياه وقليل منهم كمن يغوص في بحر من الرمال، وكنت في غفوتي أرى السحب السوداء لا تتزحزح قيد أنملة من فوقنا.

بدأ الألم يزول تدريجيًا لكنه أبدًا لا يتلاشى، يظل يضرب في الروح ويذهب ويعود لكنه في كل مرة يأتي يتخلص درجة أو درجات من وحشيته.

كررت علي مسمعي ما استنتجته سابقًا (الانهيار يكاد يكون شاملاً جسديًا وروحيًا).

قلت بشخصية الطبيب: عليك أن تبدئي، اقرئي.. أرجوكِ اقرئي وتذكري قبل  أن تأكل السماء البشر.

شاهد أيضاً

رضى كنزاوي

هبوط اضطراري .. رضى كنزاوي

  معنوياتي منهارة كالاتحاد السوفيتي قلبي بارد كأكياس الرمال عند الخنادق الحربية حزني طويل كعارضات …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية