زهرة السوسن .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

عندما تنساب أشعة الشمس على شعرها الأصفر يزداد بريقًا ووهجًا، فيحيله لخيوط من التبر، وتموجاته تشبه أمواج بحر هادئ يترقرق بعذوبة، ووجهها الخمري تزوره الحمرة من آن لآخر كزيارة الزهور للخريف، وطلاء شفتيها الأنيق يتدرج من البرتقالي حتى الأحمر فيضفي قدرًا من الحيوية والبهجة، بجسدها الممتلئ قليلاً ـ ليس كدمى الباربي البلاستيكية ـ وبتنورتها القصيرة، وسترتها المصنوعة من الأورجنزا الفيروزي اللامع كأوراق زهرة السوسن المخملية.

كل شيء فيها كان ينضح بالحياة، ولكن مظهرها بالطبع لم يكن يتناسب حتمًا ومدرسة حكومية في الثمانينات، ذلك الزمن الرث الذي تلى الغزو الصحراوي فأصبحت هي زهرة سوسن صفراء زاهية جميلة وسط غابة من الأحراش والعشب الميت.. عندها هجمت هيستريا الحجاب ومعه منظومة وعي أفضى إلى الانسحاق والانغلاق.

كان الحجاب حينها لا يعدو كونه كومة متنافرة غير منتظمة من القماش، وكأن أحدهم قد ألقى به على عجل دون أن يعبأ بذوق أو تناسق ـ بعيدًا عن الحجاب المودرن الذي نراه الآن ـ وكانت هي وحدها من تمثل الأناقة والجمال والرقي في عالم من الرداءة والقبح، أملاً في حياة أكثر إشراقًا وانعتاقًا من أسر عالم الفضيلة الشيطانية.

أحقد عليهن هؤلاء اللئيمات اللاتي رأيت نظراتهن اللزجة لأبلة سميرة، بعضًا منها مداهنة مبتذلة، والبعض الآخر ينم عن كراهية وحقد دفين. مرارة عميقة كانت تعتريني حينها، ولكن كان عزائي الوحيد في حب أمي الحقيقي لها، والذي يتسامى عن الفروق الدينية لفضاء التسامح الإنساني.

كانت أبلة سميرة رقيقة مبتسمة الثغر كإشراقة يوم جديد من قلب العتمة، متفائلة ذلك التفاؤل الذي يدهشك ويجعلك تعتقد أنها تعرف شيئًا لا تعرفه أنت، وكأنها تقرأ الطالع لتخبرك بعينيها أن (اطمئن لا شيء يدعو للخوف أو الاضطراب).

كانت عيناها المتهللتان دومًا ما تدفئان قلبي الصغير، وحنانها الآسر وحضنها المحب يجعلني أشعر أنه ما زال لي مكان هناك، حتى ولو صغير، كانت دومًا تثنى على ملابسي وخصوصا الفستان المنقوش بالأصفر والأسود.

حتى جاء يوم ليس ككل الأيام، ولم تعد حياتي بعدها كما كانت. كان فصلي يطل على الفناء، ومكاني في الصف الأول يجعلني أرصد أي تحرك غريب.. لاحظت يومها شيئًا من الاضطراب والحركة غير المعتادة، حتى جاء المدرس وسألناه (هو فيه إيه؟) فأجاب بابتسامة خبيثة علقت بين شفتيه في برود، في جمله قصيرة وكأنها القنبلة التي تنفجر فجأة لتحيل المكان إلى ركام وأشلاء (أبلة سميرة ماتت)، فصرخنا جميعًا وبكينا، فقال بمنتهى الغلظة والتعصب (دي مسيحية وإيه يعني لما تموت) وكأن انتماءها الديني هو ما يحدد هل نحزن عليها أم نعتبرها، بكل تجرد من إنسانية، حيوانًا نفق وفقط.

ابتلعت حينها غيظي وتمنيت أن أستل خنجرًا مسمومًا وأطعنه في قلبه النجس.. للأسف كانت أفكار هذا البائس بدأت في التغلل بدهاء داخل المجتمع، لم يكن وحده من يفكر بهذا الشكل الإقصائي المتخلف.

كنت حينها لا أستطيع أن أصدق أنني لن أراها مرة أخرى، فبالأمس كانت هنا لأجلي.. من لي في هذا المكان التعس.

لن أنسى أنها في مرضها الأخير كانت تريد أن تراني.. كم تمنيت أن أقول لها إنني أحبها، ولكنها أصبحت في مكان يليق بقلبها المحب الذي يسع العالم، وعلى يقين بأنني سألتقيها يومًا ربما ليس ببعيد.

أصبحت أصبغ شفتيّ وأناملي بالأحمر القاني كما كان يحلو لها. أصبحت أبتسم دومًا حتى وإن كنت محمَّلة بأوجاع لا يحتملها سوى قلبي، وأصبحت أحب كل الناس على أرضية من التسامح والدفء الإنساني، ولكن هل لي بقلب كقلبها؟

شاهد أيضاً

كـشْ نَرْدي .. فاتن عبد السلام بلان

  النَّهْرُ يُشَاكسُ بالعَنْدِ يَحْتَالُ عَلى قَلْبٍ عِنْدِي   يا مَوْجَ الحُبِّ اليُغْرقُني مَا كُنْتَ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية