زهايمر .. رشيد بلفقيه

رشيد بلفقيه

 

هو: أنهي قهوتي وأنهض لأغادر المقهى. أتذكر أنني غادرت قبل قليل، وأن قهوتي قد جفت على أصابعي وأنني… مهلاً، ما دخل أصابعي هنا؟ آه! لا بأس قد تكون بعض القطرات علقت بالملعقة وأنا أحرك السكر، وربما أكون لمست الملعقة عن غير قصد. عن غير قصد؟ ألم أكن قاصدًا فحص ذلك السائل الأسود الذي ملأ كأسي لأعرف ما هو؟ أغمض عينيّ أجهد نفسي لأتذكر أكان ما احتسيته قبل قليل قهوة أم شايًا أم شيئًا آخر؟

آخر مرة شربت فيها مشروبًا غازيًا تعود لأيام خلت.. طلبت من النادل الطيب أن يذكرني كل مرة بما شربته آخر مرة، ولكنه كان ينسى البليد كم هو كثير النسيان، النسيان نعمة لكنه في حالتي صار نعمة فائضة عن الحاجة.. دماغي لا يحتفظ بشيء، صار مثل المصفاة المثقوبة لا يمكن أن يسعفني في شيء.. فكرت أن أبادله بلفافة لكنني لست مدخنًا ـ للأسف ـ لذلك لن تكون اللفافة مفيدة لي في شيء.

أين كنا؟ آه اللفافة؟ ربما أو شيء ما يتعلق بالمصفاة، ما علينا.. أصل إلى عتبة البيت الذي لا يمكن بتاتًا أن أنساه، أطرقه وكآبتي المزمنة كمدعو ثقيل ترافقني، يفتح الجدار لكنني لا أتمكن من  العبور إلى الداخل.. يد قوية توقفني، بلطف توقفني ولكن بحزم.. تبًا هل نسيت شيئًا؟

***

هم: كان يمشي كالمخمور، يقدم رجلاً ويؤخر الأخرى.. يسير دون أن يتقدم كأنه مشدود بخيط يتمدد ويتقلص، نعرفه مند سنوات، لم يكن يومًا هكذا. شب بيننا عاديًا جدًا لا تكاد تلحظه. لكنه فقد شيئًا ما منذ شهور قليلة، صرنا نراه يخرج من باب بيتهم كل صباح ويبقى سجين دائرة يدور ويدور حتى نشفق عليه.. يقدم له عابر سيجارة أو درهمًا.. لا يقول شكرًا لكنه يبتسم في حزن.. لماذا هذا الاهتمام به؟ آه.. أنت من معارفه؟

يقولون غن القضية فيها أنثى، لا نكاد نجزم بصحة هذا الافتراض لأنه لم يكن ممن يرافقون الإناث بالمرة، سألنا عن السبب ولكن لم نجد جوابًا حقيقيًا.

***

هي: كان غبيًا عندما اعتقد أننا بالحب فقط يمكن أن نستمر، كان شبه مخدر بشيء يتعلق بإعجابه بشفتي، لكنني كنت أريده واعيًا، زمن الخدر العذري والأشعار وداكشي ولى ولن يعود.. ربما قد يعود ولكنه لن يكون رائجًا في الطبقة التي نعيش فيها، الشعر لا يدفع ثمن الإيجار، ولا يملأ بطنًا جائعًا، الحفاضات والحليب و… كيف حاله الآن؟ سيكون بخير، ما دام يقرأ ويكتب حتى لو بدا للجميع أنه ليس بخير، أعرفه.. كلماته جيدة ولكنها تبقى مجرد كلمات، هل يمكن أن تخبرني كم الساعة الآن؟ غيروا الساعة البارحة، لا أستطيع ضبط ساعتي بدقة، لديّ التزامات و… كان طيبًا، غبياً؟ لا لم أقل غبيًا.. أوه! قلت غبيًا؟ لا لا لم أكن أقصد تخوننا اللغة دائمًا، الخيانة شيء نسبي مثل اللغة، مثلك ومثلي ومثل كل شيء، يراها البعض خيانة ويصدم ويراها الآخر حلاً ربما… لو عاد الزمن.. لا لا، لا تكن طيبًا أنت أيضًا هو لن يعود.

***

أنا: كنت أسير فكرة أن الماضي قد انمحى واندثرت معه كل معالم حياتي الماضية، كنت منذ عودتي إلى منزل العائلة أقضي اليوم ممددًا أمام التلفاز أتابع الأفلام الأمريكية على الـmbc ، عندما كنت أخرج لاحتساء فنجان كنت أجهد ذاكرتي لاستعادة أجزاء من ما مضى، حدث قديم في ركن معين، علاقة عابرة، مزحة أو ما شابه. عندما رأيته يذرع الزقاق تفجرت في ذاكرتي دفعة واحدة ذكريات المرحلة الثانوية.. اقتربت ومددت يدي مصافحًا، سلّم عليّ بشكل عادي لكنه كان في بعد آخر.. عيناه مركزتان بعيدًا عني.. أعرفه جيدًا، كان مجنونًا جدًا وعاقلاً جدًا في نفس الآن. كان إنسانًا،  أعطيته علبة سجائر وولاعة هما كل ما كان معي، كأنني أسلمه إذنًا بالعودة إلى منزله، تأملني بعمق وبصمت وابتسم في سخرية مخنوقة، كنت سأسأله عن شيء معين، لكنه دس يديه في جيبي سترته وذهب، خلته قد غمغم بكلمات لم أتبينها، لكنه ذهب. هل أعرفها؟ من؟ آه! ربما.

صدق أو لا تصدق.. لا نملك أسئلة كافية نستطيع بها أن نربط ما يحدث بما مضى، لا نملك شيئًا بالمرة، الماضي يذهب بلا رجعة والحاضر متفلت من بين يدينا، الماضي لعنتنا. نختار النسيان أحيانًا لنستمر ويختارنا أحيانًا أخرى لنكون عبرة لمن يفرطون في التعلق بالذاكرة، في الحالتين معًا نعيش جحيمًا، الذاكرة أزمتنا حاضرة وغائبة.

ما مصيره؟ لا علم لي، لا.. لست طيبًا هههه لن أخمن سأترك ذلك للزمن.

***

أنت: كأنني كنت هناك.. سمعت كل شيء لكنني لم أر شيئًا، تبعتهم جميعًا إلى النهاية.. هل حاولوا كتم شيء، هل قالوا كل شيء؟ ربما، هل كان هذا العبث يستحق العناء.

* المغرب.

شاهد أيضاً

رضى كنزاوي

هبوط اضطراري .. رضى كنزاوي

  معنوياتي منهارة كالاتحاد السوفيتي قلبي بارد كأكياس الرمال عند الخنادق الحربية حزني طويل كعارضات …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية