رومانسية بنكهة أنثوية .. أحمد إبراهيم أحمد

أحمد إبراهيم أحمد

 

فسيفساء (أمل حياتي)

تحاول هذه القراءة اكتشاف الفراغات الرئيسية في النص السردي (أمل حياتي) كما يستلزم المنهج التفكيكي، ولا يستهدف ذلك البحث عن أخطاء، ولكن استعراض الجذور الثقافية للنص، ولم يكن صعبًا اكتشاف أن للنص جذرين أساسيين هما بعد رومانسي، وآخر أنثوي يتكشفان على مدى النص السردي.

ويتجلى الملمح الرومانسي من الصفحات الأوائل في السرد، حيث تمهد الكاتبة للأحداث بحادثة سقوط البطلة من فوق الدرج، ودخولها في غيبوبة، تنتهي بفقد ذاكرتها، لتصنع مبررًا فنيًا لأحداث، يصنعها مزيج من العواطف بشقيها المحبوب والمكروه هي صلب المفهوم الرومانسي في هذا العمل.

(علا صراخ حماتي– طنط سعاد– بهذه الكلمات، ووجدتُ نفسي أطمئنها وهي لا تسمعني، ووجدتُني ملقاةً على الأرض أسفل الدَّرَج وأنا مطلةٌ على نفسي

ما الذي يحدث لي؟

هل أنا أحلم؟

هل هو كابوس؟

أرى بابا حسن ـ والد زوجي ـ يصرخ في زوجته:

ـ انتظري لا تحركيها.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. هي تتنفس ولكنها تنزف من رأسها، ولا أعلم إن كان الجنين تضرر أم لا.. لا بد من طلب الإسعاف).

وقد شكلت الرومانسية حساسية جديدة في الأدب أواخر القرن الثامن عشر في أوروبا، حين نشأت كحركة ثقافية ذات تجليات إبداعية، مثلت ثورة على التقاليد الاجتماعية والسياسية، وتمردًا على الكلاسيكية، مواكبة عصر التنوير، ومستلهمة قيمه، ومعتبرة نفسها إحدى إنجازاته، وتحقيقًا لوعوده.

أعلت الرومانسية شأن العواطف الإنسانية،كتجارب جمالية بما فيها العواطف السلبية كالهلع، والرهبة، والرعب، والألم، والمرض، وأقرت الخيال الفردي كسلطة إبداعية ونقدية،وعبرت عن الاحتمالات الإبداعية المضمرة باكتشافها للذاتيSubjectivity  في التجربة الإبداعية، فازدهر أدب السير الذاتية، وبرزت الأنا نتيجة تغيرات عميقة في علاقات الناس، انعكست على الإبداع الذي اعتبر الحب، ليس عقليًا منطقيًا، ولا نزوة شهوة عارضة، بل إلهامًا مقدسًا، يستهدف تحقيق سعادة واقعية، رغم أن مشاعر الحب تجلب الألم الذي يبتلى به المحبون!

صيغت الرواية القصيرة (أمل حياتي) في هذا الإطار الرومانسي على هيئة فسيفساء من علاقات وحّدتها كثرة أشخاص ـ غالبيتهم إناث ـ بما في ذلك (أمل) بطلة العمل، التي تتمحور حولها أحداث العمل السردي من صفحة العمل الأولى؛ حيث تسقط من على الدرج وهي حامل، وتصاب بارتجاج في المخ، ففقدان للذاكرة، ليقوم السارد العليم بتقصي الأحداث، مرة من داخل الشخصية وهي في غيبوبة، أو من خارجها حين تفيق منها، مستخدمًا الشخصيات المحيطة بها، بدءًا بشقيقتها التوأم، وأمها، وأبيها وبناتها، وزوجها، وكل من له علاقة بها سواء صداقة، أو جيرة، أو حتى معرفة عابرة ـ كأم محمود العاملة المنزلية ـ وتصنع الحادثة وضعًا كارثيًا للبطلة محور العمل؛ مما يجعل تصنيفه كعمل رومانسي سهلاً منذ البداية.

وقد تبدو مبالغة القول إنه لا يمكن أن تُصنع فسيفساء سردية من الشخصيات الكثيرة هذه؛ ما لم تصوغها امرأة، والحقيقة أن هذا العمل يعكس تلك الصفة التي تحدث عنها لويجي برنديللو، في واحدة من قصصه القصيرة، عن الدأب الأنثوي في الترتيب والسرد؛ حيث تصنع الكاتبة من التفاصيل الصغيرة، في حياة البطلة والشخصيات الأخرى، شبكة علاقات تصب في عالم البطلة (الأنثى)، حيث تمثل الكتابة انحيازًا للمرأة وقضاياها؛ لكن ليس بالمعنى النسوي كمفهوم ثقافي سياسي، ولكن بمفهوم إنساني، يركز على خصوصية التكوين النفسي والاجتماعي للمرأة نتيجة لاختلافها البيولوجي عن الرجل.

ويظل من المهم توضيح توجّه الكاتبة في دعم (النوع الاجتماعي) كأنثى وليس كناشطة نسوية؛ مما يستلزم توضيح كيف خطت المرأة اتجاهات خطواتها الأولى نحو حقوقها مع عصر التنوير والثورة الفرنسية، بإعلان وثيقة حقوق المرأة؛ التي تلت إعلان وثيقة حقوق الإنسان، ووثيقة الحقوق المدنية بعدما كانت حكرًا على الرجال.

وقد بدأت الموجة الأولى، للحركات الهادفة لحصول المرأة على حقوقها، في القرن التاسع عشر وبداية العشرين؛ لمحاربة القيم التي تحط من قيمة المرأة، وتحرمها حقوقها السياسية والمدنية كالتعليم، والعمل، والتصويت الانتخابي؛ ثم تشكلت الموجة الثانية من الحركات النسائية، مع تيارات اليسار الجديد، كجزء لا يتجزأ من الأنشطة الاجتماعية الحديثة، تلاها ظهور الموجة الثالثة في أمريكا بالنصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، فالموجة الرابعة التي طالبت الحكومات والفاتيكان القيام ببعض الإصلاحات تحت عنوان (تعميم مشهد التنوع الجنسي) كخطة استراتيجية، تؤكد على الأدوار التي تقوم بها النساء.

وعُرف مفهوم الحركة النسوية بأنه كل نشاط يستهدف إعطاء المرأة حقها في الحياة، أو إعطاء كل امرأة الفرصة لتحقيق أفضل ما تجعلها ملكاتها الطبيعية قادرة على تحقيقه، وحصول النساء على حقوقهن الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، مساويةللرجال، ومحاربة اضطهاد المرأة اجتماعيًا.

ورغم عدم اختلاف الكاتبة مع هذه المفاهيم النسوية، إلا أنها لا تبدي لها انحيازًا، بقدر ما تنحاز لمفهوم الأنوثة؛ حيث تهتم بالتركيز على مجمل السمات البيولوجية، والبدنية، والشكل الخارجي، واللباس، والصفات السيكولوجية عند المرأة، وترفض بعض الافتراضات التي فرضها المجتمع حول مفهوم الأنوثة، كنوع اجتماعي، حتى حل الفرضي محل الواقعي، وترى الأنثى في مركز الحياة والمجتمع، دون تحيز للنوع الاجتماعي، أو التفضيل الجنسي، وتؤيد المساواة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والروحية، والجنسية للمرأة في مجتمع أبوي ذكوري، وهي ترى أن العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة ضرورة إنسانية في إطار الحب والإخلاص الذي تعكسه وحدانية العلاقة.

(ولكن يا أمل، هل كنتُ أنا خير الأزواج لكِ؟ أنا أحببتكِ ولكن…

ـ أحببتني ولكن بقي ظِل نغم حبيبتك الأولى بيننا، ظلت نغم في حياتك. وأنا سعيدةٌ معك وبك يا مراد، ولكن قلبك أحيانًا لا يكون معي.. حتى أشعارك أجد فيها حنينًا لامرأةٍ ما.. أختك حكت لي عن نغم وهذا جعل استنتاجي صحيحًا.. حبك الأول لا زال ينبض بقلبك.. لقد قرأتُها في خاطرتك الأخيرة).

لكن يتسرب فكر أخلاقي دعوي بين ثنايا النص، مما يضع شخصية البطلة/ الكاتبة في حالة ازدواج Paradox بين القناعات العقائدية من جهة والقناعات الثقافية، والانتماء للنوع الاجتماعي من جهة أخرى؛ مما يصنع نقطة ضعف ـ ربما تكون إنسانية ـ لكنها ضعيفة فنيًا.

(فيكتوريا الإنجليزية التي هربَتْ من بيت والدَيها في إنجلترا لتتزوج بمهندسٍ مصريٍّ شابٍ أحبَّها وأحبَّت دينه وأحبَّته).

(ثم قابلْتَ أمل وكانت شخصيةً مناقضةً تمامًا لشخصية نغم، وتَحرَّك القلب تجاهها.. كيف يتحرك القلب تجاه شخصٍ ما وبالقلب شخصٌ آخر؟ مِن أجل هذا حلل الله التعدد للرجال.. مرااد.. مراااد إلى أي منزلقٍ أنت متجهٌ بكل سرعة؟ احترس! إن اقتربْتَ من نغم فقد لا تغفر لك أمل هذا).

(تم إقناع الفتيات أن التعدد موضةٌ قديمةٌ، وقد تغفر الزوجة لزوجها أن يرتكب فاحشةً مع امرأةٍ، ولكن لا يأتيها بزوجةٍ ثانية.

أمل: وهل نحن برأيك كنساءٍ نقوم بتحريم ما شرعه الله تعالى وحلَّله؟

مراد: هو وسعٌ يا أمل، ومن أجل هذا حلل الله الطلاق قائلًا: «إن يتفرقا يُغنِ كلًا من سعته»).

 

يضعنا السرد إذن أمام مثلث تقليدي الزوج، والزوجة، والعشيقة/الزوجة الثانية، في علاقة مرتبكة خاصة أن الطرف الثالث يظهر والزوجة ضعيفة، نتيجة فقدان الذاكرة، تكاد تكون فاقدة الأهلية، ليمضي السرد متتبعًا هذا الواقع المعقد الذي يرى الرجل كذكر النحل مهمته (تخليق النسل).

(أمل: ما رأيك في الزواج منها؟

مراد: مَن؟ أنا؟ أتزوج بمَن؟

أمل: بعُلا.

مراد: هل أنتِ مريضة؟ ما الذي تتحدثين عنه؟

أمل: أنا أحبها وأريد أن تعيش سعيدةً وأن يعوضها الله بزوجٍ طيبٍ وأبناء

مراد: أنا لا أفهمكِ، هل هذه مزحة؟

أمل: بل رجاء).

هذا العمل المجزأ لأجزاء كثيرة، تحمل في أغلبها أسماء بشر لا نرى منهم تفاصيل مادية، بقدر ما نراهم كحالات سلوكية، أو فكرية تنطلق من وجهة نظر البطلة، التي توحي بتبني المؤلفة لها في سرد ينتهي نهاية مفتوحة على احتمالات متنوعة، دون أن تقرر مؤلفته له نهاية محددة؛ ربما لارتباك مشاعرها بين قناعاتها العقائدية، ومشاعرها وأفكارها الأنثوية.. هذا عمل يحتاج دراسة أكثر عمقًا من متخصصين في علم الإنسان، والسلوك، وإن كان يحسب لهذا النص عدم وقوعه في فخ الميلودراما، رغم أن نوع وطبيعة الأحداث السردية تقود لهذا الفخ بمنتهى اليسر والسهولة.

* مصر.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

مقام الالتباس والتجلي في «سيد بغداد» .. فاطمة عبد الله

  في رواية تعد سِفرًا لطائر سمندل يخرج من جحيم الحرب والاحتلال والاغتراب، وعبر مغامرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية