روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

أمل نصر

 

امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي عانى فيها من الاضطرابات النفسية وتسلط أفكار الأب، وإرث طفولة حزينة وموجات من الجنون والاكتئاب، لم ينشله منها سوى زوجته المخلصة، ونصوص التاريخ والأسطورة التي وجد فيها أن عالمه ممكنًا وأنه يستطيع أن ينطلق من أسر سجن العقل بكل حرية وبلا حسابات، من مزامير داوود إلى فارس الظل الحزين دون كيشوت، ومن جوته إلى سيربانتس، ومن دانتي إلى أوفيد، فقد كانت عوالمهم رحبة كما يحب، أحداثها كانت حقلاً يركض في أنحائه بلا قيود، لا معقوليتها وكائناتها الخرافية وشياطينها، وأجواؤها المستحيلة كانت هي مساحاته الحرة المناسبة تمامًا للتعبير.

إنه يمتلك مظهرًا هادئًا يخفي روحًا قلقة ويقول إن شياطينه يعيشون حياة صعبة، ويبدو أنه تعاطف مع شياطينه وأطلقهم يركضون ويلعبون ويتشاجرون في أعماله، فالفن بالنسبة لجاروست كان ممارسة مريحة للجنون؛ فقد صدق أن الهذيان يمنحه الفرصة لأن يُلقى بنفسه في الفراغ بدلاً من أن يخاف منه، وفراغاته المفتوحة كانت معظمها برية تصلح لاستقبال مشاهد من قصصه المصورة، التي تشبه كادرًا سينمائيًا يعرض موقفًا تراجيديًا محتدًا، يبدو أبطاله بالنسبة له كقطعة طين لين يشكلها حسبما يشاء: يطيل أذرعها أو أرجلها، يعملق أطرافها ويطلقها في وجوهنا بشكل كابوسي مخيف، يعيد تفسير الأساطير كما يتراءى له ؛ ففراغ اللوحة التصويرية أتاح له أن يهذي بكل حرية، فلقد ارتاح لإقامته في المصحات النفسية، ووجد أنها تعطيه حرية أكبر، واعتقد أن مغادرتها عقاب وليس تحريرًا.

ولع جاروست بالأسطورة كموطن للغرابة، وأثارت مخيلته تحولات أوفيد وكائناته الممسوخة، وامتلك تصورات عديدة لتقديمها مع غيرها من الأساطير والخرافات الشعبية والنصوص القديمة، جمع ودمج مستويات مختلفة لقراءتها، وهو يرسم حياته ومخاوفه على اللوحة من خلال أساطيره المركبة، ويزرع نفسه كأحد أبطالها كلما أمكنه ذلك.

* مصر.

شاهد أيضاً

لذة السرد في (لعبة الملاك) .. حميد الربيعي

  قراءة في رواية الكاتب الأسباني كارلوس زافون برشلونة، عام ١٩٠٥، يفتتح فيها لأول مرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية