روعة أن تكون مجنونا .. أمل نصر(2-2)

أمل نصر

 

يمارس جاروست لعبة ممتعة في تفسيره التصويري للكلمة، وترجمته الخاصة للرموز ودمجه للمخلوقات، هي لعبة البندول المتأرجح بين الخاص والسياسي والتاريخي والكوني، وهو يعتبر أن الكلمة في الحكي القديم تشبه، إلى حد كبير، الحجر الذي نقدحه فيطلق الشرارت، وأن الرسام هو أيضًا حكواتي، ويرى أن اللوحة الجيدة تضع كل المسئولية على عاتق المتلقي، مستشهدًا بفكرة “موت المؤلف” عند رولان بارت؛ فالقارئ هو الذي يستخلص المعنى من العمل. من هنا لا يقوم جاروست بإنشاء لوحات تجيب على الأسئلة لكنها تثيرها، ويقرر ذلك من خلال مقولته: “المشاهدة هو أن نتعلم كيفية قراءة ما لم يكتب”.

هكذا كان الفنان طوال الوقت، وكأنه في مواجهة مع تدفق الأشكال الشاذة والغريبة والمنفرة أحيانًا، يحاول أن يرسم سريعًا مشاهد من كوابيس ليلاته التعيسة قبل أن تفلت من ذاكرته، يسجلها قبل أن ينساها، يتخلص منها فوق سطح لوحاته ربما يتحرر من عبئها الليلي ومطاراداتها.. إنها هواجس تلاحقه، وتُرهق عقله المتعب؛ فيبثها نحونا لنتشارك الحيرة والجنون.

حضور غامض لحيوانات غريبة وطيور تلتهم بعضها بعضًا، أذرع مبتورة الأكف، أجسام مشوهة وكائنات غريبة، وشخصيات ساخرة وأبطال أساطير قديمة، ديانا وأكيتايون، فاوست وشيطانه، الفنان وكلبه، شخص شديد الضآلة يحارب بسيف هزيل ملكًا ضخمًا متوجًا، وآخر يصنع عالمًا من ألعاب الصغار، ويراقبه على خلفية من لوحة لضفدع أرقط، كائنات مجنحة تحلق معًا في سماء وردية اللون، رجل يحمل حمارًا وحمار يحمل أسفارًا، خنزير يرتع وغزال يراقب رعيته، قرد يشارك رجلًا التفكير، يجلسان على مائدة واحدة يراقبان مجسمًا للكرة الأرضية، وكأنهما يقرران معًا مصير العالم.

تتنافس وفرة الأشكال مع وفرة الألوان، وتخلق العناصر بيئتها المناسبة سواء منظر بري أو سماوي أو صحراوي، أو غرفة مغلقة ذات أثاث كلاسيكي، وعلينا أن نحاول ـ كلٌ بصحبة خياله ـ أن يجد تفسيرًا يصنع حكاية كل لوحة.

إن أعمال جاروست التهمت بشراسة النصوص القديمة، وأطلقتها في مشاهد وشخصيات ومواقف مثيرة للدهشة ومستنفرة للوعي، وكانت محصلة ذلك الجمع الغريب لوحات تبدو وكأنها تدفق لا منطقي لذاكرة تعج بالرموز والعلامات، والحكايات الخرافية والحواديت، والقصص الديني والشعبي، إنها قذيفة ملتهبة يُلقي بها جاروست فيبدد سكون الكون وانتظامه الكاذب، ويطيح بتوقعاتنا الذهنية، ويفكك ما هو مألوف؛ ليضعنا في صيغة تساؤلية، تحاول أن تفض الروابط الثابتة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والمخلوقات والإنسان والكون.

ولا ندري إلى أي عائلة من المصورين ينتمي جاروست، هل نضمه لكآبة رسوم جويا السوداوية، أم إلى أجواء ألجريكو الدرامية وشخوصه بالغة الاستطالة، وأشكاله التحويلية وسماواته الصاخبة، أم إلى وجوه إيجون شيلي العصابية، أم إلى فضاءات جوجان البرية، أم يشارك فان جوخ نزقه وجنونه، أم ينحاز إلى تعبيرية مونش، أم يحلق طائرًا مع شاجال، أم يشاركهم جميعًا في سمتهم الأهم، وهو إعطاء الأولوية للاحتفاظ بذروة الانفعال وطرحه مصوَّرًا؟!

إن جاروست ما زال يؤمن باللوحة القماشية، وبأن المعاصرة في الفن لم تقض عليها، يراها فضاء كافيًا لبث جميع الأحلام التي تراوده، والتي تتسرب من وراء عقله الواعي، فهو يراها دائمًا مفتوحة ومتجددة الهواء، من هنا فهو خارج التيارات والموضات الفنية، وخارج نطاق الممارسات الفنية المهيمنة، يبحث عن الحداثة من خلال المعايير الجمالية؛ فهو كلاسيكي ومعاصر في آن واحد.

وفي النهاية فإن عرض أعمال جاروست وسط فضاء قصر عائشه فهمي ـ ابنة على باشا فهمي كبير ياوران الملك فؤاد الأول ـ بمعماره الخاص على ضفاف النيل، جاء موفقًا للغاية ومكملاً لذلك العبق الغامض في أعمال الفنان، هذا القصر الذي تم تصميمه على الطراز الكلاسيكي عام 1907، على يد المصمم المهندس الإيطالى «أنطونيو لاشاك»  ويتميز بمعماره الفريد وغرفه الأثرية المتنوعة، ومقتنياته الفنية الرائعة، والزخارف الأوروبية التي تغطي جدرانه، وستائره الكتان والحريرية النادرة.. قصر يصلح لأن يكون مرتعًا للحكايات الغامضة، وكأنه قطعة حالمة من الماضي ما زالت حاضرة وسط صخب القاهرة وزحامها.

إن جيرار جاروست هو أحد أهم المصورين الفرنسيين اليوم، واختياره كضيف شرف بينالي القاهرة الثالث عشر هو فرصة جيدة للدخول الممتع لعالم هذا الفنان، ومصافحة شخوصه الغريبة، التي نكاد نسمع همهماتها الآن في قصر عائشة هانم فهمي.

* مصر.

شاهد أيضاً

لذة السرد في (لعبة الملاك) .. حميد الربيعي

  قراءة في رواية الكاتب الأسباني كارلوس زافون برشلونة، عام ١٩٠٥، يفتتح فيها لأول مرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية