روائيو الجوائز .. إبراهيم الماس

إبراهيم الماس

 

 رواية «سيّدات القمر» لـ جوخة الحارثي

هناك حملةٌ تلبس ثوب الحداثة وتبني نفسها متعكّزة على موضوعاتٍ تمسّ مشاكل الإنسان المعاصر، وتدخل ضمن منهج الفوضى الخلّاقة ولكن بصيغةٍ ثقافيّة؛ فهي تدعو للتخليّ عن الموروث باعتباره هو سببُ التخلّف، مستهدفةً بذلك منظومة القيم وتكرّس بذلك عقدة النقص، الغاية من ذلك ضربُ الوعي والإبقاء عليه في مرحلة «المراهقة».

هذه الظاهرة المختلقة تتبنّاها مؤسّساتٌ ثقافية معروفة ظهرت متزامنة مع ما يسمّى بـ (الربيع العربي).

استطاعت هذه المؤسّسات، بما تمتلكه من مالٍ و نفوذ إعلامي، أن تقدّم لنا روائيين طارئين على الرواية، يفتقرون للموهبة، يكتبون الروايةَ بأدواتِ الصحفيّ.

في الواقع هذه الحملة لا ينخدع بها من كان يقرأ الطيب صالح والطاهر بن جلّون وفؤاد التكرلي ومحمود جنداري، لكنّها تنجح في جلب مريدين لها عن طريق صحفيين منتفعين، و خلق قرّاء على شاكلة هواة المُطربين وعشّاق كرة القدم.

معظمُ الأسماء التي صنعتها الجوائز خلال السنوات الماضية تفتقر للموهبة، لكن جوخة الحارثي ليست من هولاء، وإن كانت هي الأخرى قد حصلت على جوائز، فهي روائية لديها موهبة وثقافة، يتجلى ذلك بوضوح في «سيّدات القمر» الصادرة عن دار الآداب، استطاعت أن تقدّم عملاً جميلاً، عبر مشاهدَ مُتقنة بلغة شفّافة.. لغة سهلة تنزل عند مستوى الأشياء وترفعها لكي تنسج منها صورةً فنيّةً عن ريف «العوافي» وسكّانها وحيواتها وعاداتها، وتتنقّل بخفّةٍ بين الواقع والخيال على طريقة ألف ليلة وليلة، وإن وقعت، وربّما بشكلٍ عفوي، في موضعٍ يناغي الكيفيّة التي تنظر بها المؤسّسات الثقافيّة الغربيّة تجاه الأدب العربي؛ فالرواية مبنيّة على فكرة «قتل الأب» والتخلّص من أعبائه باعتباره هو أساس الخراب، استثمرتها الكاتبة لإيصال فكرة رفض الجيل الجديد للتقاليد البالية بشكلٍ مباشر، ومن ثمّ تقديم خلطة ذكيّة تنتهي برفض الموروث الثقافي والتنصّل عن الهوية، اتخذ هذا الرفض مساراتٍ مُغايرة لما هو أصيل، وهذا ما يفسّر إطلاق «ميا» زوجة عبدالله ولد التاجر سليمان اسم «لندن» على مولودها، وقول الرسام: (أرسم لأتخلص من الحياة في حدود أبي وأصيغها في حدود خيالي أنا).

جوخة الحارثي

 تُبرِزُ الكاتبة هذا التحوّل بين جيلين، وتتناول الفترة الزمنيّة قبل وبعد قرار تحريم تجارة الرق والعبيد وانعكاساتها على المجتمع العُماني، غير أن هذا التحوّل لم يكن أصيلاً كما أسلفت؛ تحوّلٌ مشوّش وغير واضح، فهو لم ينجُ من أدجلة الأدب وعقدة جلد الذاتِ، حتّى ليدخل في ما يشبه دعوةً غير علنيةٍ للتخلي عن الهويّة، يظهر ذلك بشكل رمزي حين تتحدّث حنان مع لندن بكلمات إنجليزية مكتوبة باللغة العربيّة على هذا النحو ( اعملي له ديليت، لت ات جو!) ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الظاهرة بدأت في لبنان ولم تنته عندها، إذ نجد الفتياتِ في الخليج، بسبب الاضطهاد وسلب حريتهن يتعلمن اللغةَ الانجليزية، ويتحدثن بها كنوعٍ من التعويض المعنوي على ما هو مفقود في الحياة، يسددن هذا النقص بوهم تعلّم اللغة الإنجليزية لأنَّها(أهم لغة في العالم. في العالم . في العالم) كما ورد في الرواية، ولأنّها مرتبطة في خيالهن بالحرّية التي تتمتّع بها المرأة الإنجليزية؛ فيبدو هذا الترويج المجاني كأنّه حلّ سحري، ينصح به السيّد بيل عبدالله ولد التاجر سلمان قائلاً: أنت رجل أعمال ولا تعرف اللغة الإنجليزية؟ أي مطعم في مسقط نفسها لا يخدمك بدون لغة) ولأن (الفنادق والمطاعم والمستشفيات في البلاد العربية لا تتحدّث غير الإنجليزية) حسب قول عبدالله الذي يمثّل في الرواية الجيل الجديد الذي يتخلّص من (عقدة الأب) فنجده على عكس شخيصة أبيه الذي يضطهده في طفولته، ويتحوّل هذا الاضطهاد إلى كابوس يتكرّر فيما يشبه اللازمة يتوزّع على أجزاء: (لا تنكسني في البئر يا أبي. أرجوك لا تنكسني). حتّى أنّه حين يحتضر أبوه يجلس قرب سريره ويذكّره بما فعله كنوعٍ من العتب الذي يسبق الخلاص من الأبوّة الثقيلة.

غلاف سيدات القمر

الرواية عميقة وممتعة، نقلت لي سحر ريف «العوافي» عبر لغتها البسيطة والدقيقة، شدّتني حتّى النهاية، وأكملتها على دفعتين، ولا أبالغ إن قلت لم أقرأ لامرأة روايةً بهذا الجَمال.

 وقفتُ عند مشهد العنكبوتة الملقبة بالخيزران، التي تذهب في الفجر لتحتطب في الصحراء؛ فيأتيها المخاض وتضع مولودها هناك، وكذلك لقاء عزّان ونجيّة الملقبة بالقمر.

ولا بدّ من أن أذكر ما ساءني فيها: هو كثرة استخدامها للهجة المحليّة في أغلب الحوارات،  والرواية في النهاية جميلة وجديرة بالقراءة.

* العراق. بنجاوين.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

البنات لسن ألطف الكائنات .. رحاب السماحي

  أخيرًا؛ قيض لي أن أطلق زفرة حارة ممزوجة بألم عميق، استمر معي سني عمري …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية