رقصات مرحة لبغال البلدية.. محمد حافظ رجب

محمد حافظ رجب

هو رجل تصدع كل شئ حوله.. هو الآخر تصدع.. يلازم طاقته المفتوحة.. منذ سنوات لا يعرف عددها – آناء الليل والنهار.. بلا نوم بلا طعام.. يسند جداره الموشك على السقوط.. داخل جدران الطاقة.. كى لا تتبعثر أحجاره.. صار بعضًا منه.. يتأمل ما يدور حوله فى غيبوبة الحجر.

قالت له الجدة وقد مزقها القلق:

– حسب المقام.. حسب الفلوس.. يحصل قيام.. يحصل جلوس.

ظل جزءاً من الجدار الموشك على الانهيار.. عيناه تفران منه.. تقفزان إلى أسفل.. تتدحرجان فوق تراب (الصفا) ها هو (الحاج أمين) يجلس فى دكانه البقالة الفقير. بعد خروجه من الخدمة.. صلعته مضيئة.. جاذبة أسراب الذباب والناموس إليها.. خروفان مستكينان بجواره.. هو ثالثهما. صندوق البرسيم بينهم.. كان حوذيًا لعربة قمامة.. يجرها بغل البلدية.. دقق النظر فيه تمطى الحاج بداخله.. تدحرجت بعض الحجارة من هيكله.. أسرع يفك البغل عن العربة: تفضل يا سيدى بغل البلدية المحترم.

زعق البغل:

– تحيا بغال البلدية.. بغل الحاج أمين المغوار.

على الفور.. تناول البغل حزام الحاج.. حزم وسطه وهات يا رقص ووقف غجر غربال بالطبلة والصاجات يحيّون مرح البغل وصاحبه.

أسرعت الجدة تلتقط ابتسامته: تفحصها بدقة.. ارتد إلى الجدار مأواه مسرعاً.. دخل فيه صار بارداً.

تذكرت الجدة مثلاً اشتعل فى فؤادها:

– هنّنونى.. وبننّونى.. وعرفونى طريق اللى ولْدُونى.

تحرك الرجل.. متصدع البنيان إلى الوراء قليلاً ظهر عليه ألم معذب.. تحسس قفاة. وجد شيئاً لزجاً.. تركه.. دخلت الجدة الجدار الذى يقبع فيه.. أمسكت دموعاً تسيل فوق قنوات خديه.. رصدت طريق الماء المنهمر: تسرب من شارع (أخوان الصفا) إلى (ترعة المحمودية).

فارت مياه الترعة.. انسكبت على الجانبين ورائحة شواء تتصاعد منه.. بكت الجدة هى الأخرى.

مات (أحمد البكار) مناضل 56.. أمسك به الملعون.. أفرجوا عن جثمانه لما عرفوا النهاية قريبة.. انتهى النضال.. كما بدأ غريبًا.. انتهى غريبًا.. منشورات الحزب تختفى فى حجرة الجدة.. تدثرها بغطاء ثقيل فى الصباح يحملها إلى بائع خبز خلف زقاق (عينو): “الاتحاد القومى صنيع البرجوازية المصرية”.

تساقطت بعض الحجارة من بنيانه على المارة.. رفعوا عيونهم إليه.. ابتسموا، شئ عادى أن يمطر الجدار بعضًا من أشيائه.

تحرك فى جلسته قليلاً.. الحاج أمين يمتطى بغله.. يخترق به بيوت غربال.. يصيح : “أنا لها.. أنا لها”.. كش من اندفاعك المحموم يا بغل..

كوخ خشبى. بيته فى الزمن الذى ضاع.. قناع فوق وجه المرأة زوجته: “عشانا عليك يا رب”.. الآن ارتفعت فوق الكوخ عمارة.

عيناه تمسكان به.. العمدة مخمور فوق الرصيف مأواه بجوار دكان الحاج أمين فارس بغل البلدية الهمام.

تجشأ العمدة، أثر تجرعه لحفنة سبرتو حارة معربدة، شعر بحرارة مذاقها الكئيب الرجل المتصدع فى حلته:

ويل لك.. أتفعلها فى بُقى.. وأنا لا أجيد فن الدفاع عن النفس الآن.. نهض العمدة مترنحاً من منقوع السبرتو الغارق فيه.. طلب من بائع الفول المدمس (واقف بعربته فى المنتصف يحرس بطون الجياع) رغيفًا محشوًا بالحبات القاهرة.. ترى ما هو مذاق الفول المعجون بماء السبرتو الحار الذى تهواه يا عمدة.. تزعق منتشياً.. تغنى منتشياً.. لا حدود لمسرات عالمك يا وغد.. تهرع الآن ابنة “أحمد سلامة” لص سراديب الجيوب نحو العمدة.. أحضرت كوز ماء.. لترتوى حرائق النار المشتعلة فى أحشائه: أولاد الغرابة نحن: لص الجيوب.. السكير.. المتصدع.

“نعيمة” تقطع عليه مسالك الطرق الحافلة.. إلى أم على أختها ذاهبة. صغيرة سره فى داخله.. ذات مرة فى زمن لا يعرفه عانقها. ضاجعها عارية.. تلوت بين يديه.

رجل فى الجدار المجاور يدق.. تهز الدقات جداره.. يهوى.. يسقط فى القيعان المجهولة.. كف يا أحمق عن عبثك هذا.. يدفعنى إلى النهاية الأخيرة سريعًا.

قالت الجدة بصوت مشروخ: يا ظالمين.. يا ظالمين.. كفوا عن الدق فى جسم الرجل. مات موتته الأخيرة منذ زمن، يطالعنى وجه العمدة، الآن، فى المنتصف.. يدندن لو كان مثله يدندن أمام أى مواجهة لتغير المصير.. صار من الحائط قطعة.. تتساقط ذراته فوق قارعة الطريق عند أول طرقة مطرقة فوق الظل.

ألمح عربة تاكسى تخترق حدود الصفا.. موسم مولد النبى جاء.. عرائس (غربال) فى خدورهن.. منتظرات بقلق عطايا الذكور.

ها هى “نعمية” تظهر عارية عند سور غربال العظيم.. فى أثرها يمر موكب من النساء العاريات يقهقهن بشدة.. اليوم.. يوم العاريات.. كل شئ خلع قناعه وبان.. تقترب “نعيمة” من الحاج أمين. تمسح عنق بغل البلدية.. ينهق فى غبطة.. منتشياً من مسحها الناعم على مساره.. يهمس فى أذنها:

– أعيدى.. أعيدى يا نعيمة.. كررى اللعبة.. المسح فوق العنق غبطة.

تركت “نعيمة” البغل يغلى.. استدارت قذفت ابنها بوعاء الجاز البلاستيك رفض أن يشترى لها وقود الموقد.

كيف قبلت المضاجعة فى السر الغامض وهى تغزو كل مخلوقات النهار.. يدخن العمدة سيجارة. يأكل رماد لهيب النار.. بين كل نفس وآخر يرشف رشفة من الحليب الأحمر الملتهب.

فارس بغله.. يقطع أرغفة الخبز قطعاً.. لتأكل الخراف الشاردة وأهل غربال اليتامى والعزب المجاورة والقرى والمدن وما رواء الأنهار والبحار والمحيطات والأرض وسكانها من الإنس والجن أجمعين.. يضع قطع الخبز فى حجره يشعر البغل بالغيرة.. يزيح أحد الخروفين:

– دعنى ألتقط رزقى معكما.. والاّ إكمنى على المعاش دلوقت؟ يعنى راحت علىّ؟

قالت الجدة:

– ذبح الحاج خروفًا.. كانوا ثلاثة.. ذبح أحدهم ليأكل هو وبغله حتى يشبعا.

محمد رحاب يخرج ثقيلاً متباطئًا.. خنزير برى شكله.. يعرفه كل المعرفة ما فائدة ذلك له الآن.. رأى صورته. فى عين الطاقة المفتوحة.. حالما رآه انحنى، حتى يخرج من نطاق جاذبية شعاع العين، تظاهر بمساعدة فتاة تعبر الطريق بطاولة عيش ملتهب.. أعطاها نصف قرش ومضغ الرغيف بنهم.

إلى دكان الحاج أمين الهدف.. اشترى الأصلع القصير الحرك.. فاتن النساء مدبر المؤامرات.. فتى القعدات فى المقعد.. مخزنجى زخارى أيام زمان اشترى علبة سجائر وعاد إلى شقته.. دون أن ينظر إلى الرابض فوقه يراقبه هو الآخر سام فى هز الجدار الهرم.

العمدة غائب عن المُلْك.. يسبح فى بحر السبرتو: يدندن.. أنا ملك أنا لك ولك على طول.. ملك الفول السودانى والدندنة الشجية.. ما زالت عربات التاكسى تتوافد على غربال تحمل المواسم للمخطوبين والمخطوبات مثقلات البطون فى قادم الأيام والجيّات.

مريم وأختها وأمها فى بلكونة الطابق العالى.. نزلت أخت مريم لتمسك بابن أخيها المشاكس.. انفلت منها. ولّى جاريا.. رجل بدراجة حضر اندفع ليمسك به.. الأطفال يجرون خلف رجل الدراجة.. أمسك بالطفل.. حمله فوق الدراجة.. نزلت أم مريم لتستلم الولد.

قال الطفل:

– أمى.. أمى يا أولاد الكلب.

الليل يدخل.. كئيب هو.. وهو يغطى غربال باشا الحزين.. ألمح الجدة تدخل.. وقفت تصلى: لو عرفته قبل أن أصير لعشت حياة رغدة رغم الكفاف.. لكنى عاندت.. صممت وعاندت.. فكان ما كان.. قابعون فى جحورهم أهل الجوار يدقون.. جثث كثيرة عفنة فى الشوارع لا تجد من يدفنها.. رائحة الموت تفوح من أرض الميعاد.

أشاهد “حسين” بائع الملايات.. يصيح فى وجه أحمد سلامة اللص:

– هو أنا كل ما آجى لك تقول لى بكرة.. بكرة.

قال أحمد سلامة اللص الذى يخترق أسوار الحصون وهو يتدلى من فوق سطح سجن الحضرة حيث يتشمس البردان:

– أنت ح تستعبط علىّ.

هنا محطة الاسترخاء اللذيذ.. يجلس الرجال والنساء مع بغل البلدية الشاب وعربة القمامة ملقاة – زمان- بلا عناية.. تخرج له لسانها:

– ما خلاص اتعدلت.

قال اللص أحمد سلامة لحسين بائع الملايات وهو يقفز من فوق شمس سطح سجن الحضرة:

– انت لو عايز عشرين بريزة أديهم لك علىّ الحرام.

من عبها الخفىّ أخرجت زوجة أحمد البريزة.. أعطتها لحسين.. مخلوقات الجوار يتصاعد الهدير منهم متوحشا.. محمد يزعق.. أمه تزعق.. عبده خطيب البنت سامية يصفق.

هل يمكنه أن يثور الآن.. مثل زمان.. عندما كان.. هو الآن جزء من جدار هرم دق مجنون فوق السقف.. أحفاد الرجال والنساء الغجر يلعبون الكرة. غربال هائجة.. عبده يرابط فى الحجرة المجاورة.. ماذا يريد منها.. يضاجعها بنظراته.. هى جالسة بين لحم أهلها فى الجحر المكنون.. المرأة زينب تشتعل فوزية ابنتها تشتعل.. عيده تشتعل.. النار فى الموقد تشتعل.

كان من الممكن أن أذبح بعضهم.. ليتنى فعلت.. قبل أن أصير.. فات الأوان الآن.

“محاكمة سريعة لسرحان بشارة قاتل كنيدى”.

“التهديد بنسف سرحان فى سجنه”

“سلطات الأمن وضعت 6 حراس مع سرحان فى زنزانته”.

“انتشرت الدوريات المسلحة حول السجن وفى داخله وممراته”.

اضرب.. اضرب يا سرحان.. لا تخف اضرب فى الغانية اللعوب أمريكا تصير جثة متفحمة.

صاحت الجدة:

– حسب المقام.. حسب الفلوس.. يحصل قيام.. يحصل جلوس.

لمَ يأخذون النوم منذ زمن أجهل أبعاده.. لن أغادر المكان إلا بحضور المهندس.. وشق الجدران.

أحفاد الغجرى الكبير سلامة.. يقودون صبيان (الأحد).. المباراة متأججة.. تحركت “نعيمة” فى حدقتى العين.. عارية المضاجعة السرية (التى لم تحدث).. اخترقت الملعب عارية.. كاسحة الأنوثة تقتحم الشباك.

قال غجرى صغير لزميل:

– دى واحدة ست أوعى تتكلم.

قال غجرى صغير آخر:

– بقالنا شهرين ماجناش نلعب هنا.

“الديبة” العانس خرجت تعوى.. عوت عواء مخيفا.

قال غجرى ثالث:

– والله العظيم ما انا جاى ألعب الكرة هنا تانى.

انسحبت فرقة الغجر الصغار.. الجدة نامت وهى فى انتظار.

كيف أغادر المكان.. صرت جزءاً من حائط الترقب.. ألمى يتبعثر فى الظلمات وضوء النهار.. قطع من الحجارة.. أسكبها على العابرين.

لم يعد هناك من أتواصل معه فقدت التواصل مع من سبقنى.. فقدت التواصل مع من جاء بعدى.

صاحت الجدة صيحة هائلة وكرة القدم تجرى فى ساحة أذنى حامية.. متسول يعبر سقف الحجرة.. اختبأ فيه: يا ليلى يا عينى.. يا عينى على البساطة يا عينى ع البساطة.

تراتيل الشمامسة فى البيت المجاور تبدأ.. الأربعاء.. إقامة القداس فى بيت “أم منصور”.. شغال “منصور” فى شركة الغزل والنسيج بالبر الثانى.. وترزى ماهر على ماكينة سنجر فى البيت.

الحاج أمين فى دكانه.. الخروفان راقدان فى غبطة كسول.. بغلة والعربة معلقان فى سقف الدكان.. امرأة غجرية تفلى شعر ابنتها.. تصطاد حشرات القمل المختبئة فى المجاهل.. الحاج أمين يغادر المكان.. غادر بغله والعربة.. السقف دقات طبلة متفجرة.. الغجرية تقتل القمل بأسنانها.

أحسب أن النهاية تقترب.. لا يمكننى رصد حركة الحياة وهى فى عنفوان سيرها.. كأننى المسئول الوحيد عنها.. الطبلة تدق دقاتها المتفجرة.. تكتسح كل ما يقف أمام دقاتها.. بائع يصيح بأربعة أبيض ياقتّه.. الطبلة يدق عليها صبى متوحش.. داخل أذنى الدقات الهادرة تركض كالبغال الجامعة.. ولد يغنى: ادّلع ورسينى على وش الميّه. قطاع الطرق فى الطرقات يسدون عين الشمس.. ويل للجميع منهم.

***

فى الثالثة صباحاً.. استيقظت الجدة بغتة من سباتها العميق.. شدها شئ غامض كل الغموض.. قبض على قلبها: عصره بقوة حتى نزف دماً.. خرجت للرجل المتصدع.. وجدته داخل الجدار شاحباً.. اقتربت منه.. لم يتحرك.. حملقت فى وجهه وجدته قطعة حجر باردة.. هزته ترنح.. هزته مرة ثانية ترنح.. فجأة سقط.. تهاوى فوق الجدار.. غطاه.. صرخت الجدة.

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية