رسول العشق .. نادية شكري

نادية شكري
نادية شكري

 

حين جاء رسول العشق؛ اصطفى قلبي، واصطحبه في خلوة، يطلعه على سر الكشف، ويتمم  معه وصايا الوجد.

وكان قلبي ممسكًا بيديه، طفلاً سعيدًا مدهوشًا، يكاد يتعثر في مشيته، ولم لا، فقلبي طفل غِرًّ بريء، تداعبه خيالات الرؤية، تستبد به الرغبة في الوصول، يستعجل خطى السائر بجواره والممسك بيده في خجل طفولي، ويحيره الترقب.. ترتسم أمامه خيالات مجسدة، يسمع صوت دقاته تئن.. أمِن أمل يحدوه؟ ربما.. أم لشدة الوجد وطول الانتظار؟

يفرِّق في نفسه بين بعض معاني المفردات المعتادة، يختار كلماته بإصرار العاشق، وكأنه يسَّري عن نفسه، طمعًا في أن يقصر طريق الهدى إلى المحبوب.. تشغله كلمة «يرتوي.. ارتواء» ويخلص إلى قناعةٍ: أن البون شاسع بين «أن يشرب» و«أن يرتوي» كما هو أوسع بين الاحتضان والعناق.

هو ينشد تحقيق معجزته في نيل حظه من الارتواء؛ ارتواء الروح.. شهادة ميلاد لبعث جديد، تقويم مغاير لما رأته أو سمعت به، علّها لم تبحث من قبل عن «المخاطرة» لكنها مستعدة الآن، والآن فقط لمواجهة الخطر.

وعندما توقف رسول الحب بجوار البحر؛ ترك يد قلبي الطفل، وأشار له ناحية البحر، انثنى بجسده المهيب كي يقترب من صغيري قال: هنا.. في بلد الموج والرمال.. يوجد مكتوبك الخاص.. اقترب من أكبر الموجات لتسألها، تأكد رغم ملوحة ماء البحر سترتوي بحلاوة مائه.

كان الليل يزحف ببطء، وكأنه مل المجيئ، أو مهموم بشيء ما، لكنه مضطر، ففرَش ظلمته فوق البراح، متلكئًا قابعًا خلف سحابات رمادية، كانت تخفي جزئيًا بعض ضوء القمر، والأرض طوال الوقت تتطلع في عشق مجبول وظاهر، مفتونة أو مجبرة، لا يهم، وحين تستكين الأرض تحت ضوء القمر، أخال أن بينهما حوارًا عاشقًا صموتًا، على أثره ينثر القمر لآلئ نوره الفضي على المكان، كالحرير البراق.

* من مجموعة قصصية حديثة بعنوان (الروح تعزف أحيانًا).

شاهد أيضاً

محمد عادل

شوبان .. محمد عادل

  أستمع أحيانًا إلى موسيقى شوبان وأقول في نفسي: «كيف لرجل لم يشهد بشاعة الطاعون …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية