«رسالة حب» شفّافة من الفلسطينية بيسان جهاد عدوان إلى رشيد طه

رشيد طه

* كنتُ أُريد أن أُخبرك أني راجعة.. أني من «هنا» حتى وإن كنت «هناك».

عزيزي رشيد طه..

تأخرت رسالتي لك قرابة العشرين عامًا، حين رافقتني في أول زيارة لي إلى البلاد؛ يومها رافقني صوتك حين غنيت: «يا رايح وين مسافر تروح تعى وتقولي».

في عودتي الأُولى، بعد محاولات عدة للدخول إلى فلسطين دون جدوى، كانت تلك الأُغنية، في انطلاقتها الأُولى، تنتشر في كل الإذاعات العربية، خاصة «راديو مونت كارلو». لا أعرف بالضبط ماذا كانت تعني تلك الإشارة. ورغم أني لم أفهم كلمات الأغنية بشكل جيد، ولأني كنت أُسافر بين حنايا صوتك ـ في رحلتي تلك إلى البلاد التي لم أرها من قبل ـ كنت أعرفها من حكايات جدي وجدتي وأبي وأُمي. طول الطريق من القاهرة ـ غزة، والمسافة من فرنسا ـ الجزائر؛ ثمة أُسطورة ما بيننا: الاغتراب.. المنفى.. الحنين.. البلاد.. الخوف.. المؤقت.. الهامش.. التاريخ.. الجغرافيا.. الذاكرة.. تلك الغرفة الممتلئة بهذا الثقل الذي لا يحتمل جماله.. كنت أُريد أن أُرسل لك عن تلك السويعات التي مررت بها من المنفى/ إلى البلاد، وأنت تسكن ملامحي الصغيرة وأحلامي الكبيرة.. كنت تؤنس خوفي في قاعة «معبر رفح» وتهمس خلال موسيقاك: «شعال شفت البلدان العامرين والبر الغالي.. شعال ضيّعت وشعال تزيد ما زال تخلي.. يا الغايب في بلاد الناس.. إيشحال تعيا ما تجري..».

كنت أُريد أن أُخبرك أني راجعة، بعد كل هذه المنافي التي أُجبرتُ عليها.. كل تلك البلاد العامرة.. كل تلك البيوت التي سكنتها.. كل تلك الشوارع الغريبة التي أحفظها عن ظهر قلب، لكنها أبدًا لم تحتل مكانة البلاد في الذاكرة.

رشيد! لم تكن أغنيتك «يا ريح وين مسافر» مجرد أغنية عابرة؛ كانت إشارة من الله لي عبر صوتك. ذلك اليوم أعلنت فيه عودتي ورغم أنها لم تدم كثيرًا وعدت إلى المنافي والمطارات والمدن الغريبة.. رغم حبي لها. لكن دومًا كنت ترتبط في ذاكرتي التي كونتها عن البلاد والعباد وفلسطين وغزة ويافا والقدس وحيفا وعكا.. التي رحت أحفر شوارعها وممراتها وبيوتها في الروح حتى لا تضيع.. وقتها أخبرتُ كل الأصدقاء: «أنا من هنا.. حتى وإن كنت هناك».

لم أعرف معنى كلمات الأغنية التي أهديتها لي ليلاً عبر «راديو مونت كارلو»، حين دخلت البلاد ليلاً: «أني منك أيتها البلاد».. صرت يوميًا أمشي في الشوارع والحارات حتى تتعرف عليّ البلاد. كنت أُدندن أُغنيتك وكأنها كانت جواز مرور لذاكرة جديدة.. حين كنت أخشى أن تلفظني البلاد وتعتبرني غريبة؛ كنت أُطلق صوتي بأُغنيتك حتى أحفر ملامحي في ذاكرة البلاد. كنا نتبادل كل التفاصيل.. الحب.. الملامح.. التاريخ.. التفاصيل اليومية.. الخوف.. الطمأنينة.. الكلام.. الشعر.. وصوتك الذي يحمل كل هذا الحزن والحب والمنافي والبلاد.

كان أول شيء اشتريته من غزة شريط كاسيت به مجموعة من الموسيقى الجزائرية لمغنين جزائريين. كانت البداية لدخول عالم موسيقاكم. لكن كانت أُغنيتك هي أول شيء أبتدىء فيه يومي وتفاصيلي في غزة، محطتي الأولى.. وحين كنت أشعر بالغضب من قسوتها.. كان صوتك يهدهد روحي ويطمئنني.

لم تعرف يا رشيد أن جهازي العصبي والمناعي لم يتحمل قسوة البلاد، وحين اشتد بي المرض كانت جملة: «تروح تعي وتقولي» تشير لي بالموت في البلاد. أعرف أن معناها غير الذي فهمته آنذاك، لكن دومًا كنت أشعر، وأنا مريضة هناك، ذلك المرض الذي يشبه حزن البلاد وهويتها «المنجلي»، الذي يرافقني حتى عقدي الرابع، ولا أعرف متى سيفاجئني مرة أخرى ويعلن موتي الثاني.. كنت أسمع صوتك وأنا في الغيبوبة بعد نقلي من فلسطين إلى مصر للعلاج من هذا المرض اللعين الذي لا يصيب غير الفلسطينيين تقريبًا، والشوام سكان البحر. «ديك وعد القدرة ولّى زمان وإنت ما تدري.. عليش قلبك حزين وعليش هاك داك الذوالي» ينقذني من الموت.. يخبرني «يا مسافر نعطيك وصيتي هدية عن بكري».

كنت أُقاوم الموت، لا أُريد الموت إلا في البلاد. تلك وصيتي. لا يزال لدي شيء هنا وهناك. وتقول الأُسطورة: «في مكان ما يوجد شيء ما»، جملة لا أعرف من أين حصلت عليها، فهي منذ ذلك الوقت وهي تسكنني كما صوتك.

أمس، حين أفقت من إغماءة ضربت روحي وجسدي، دون سابق إنذار، صحوت على خبر موتك. هل تلك إشارة جديدة ترسل لي بعد عشرين عامًا منذ العودة الأُولى والرحيل مرة أخرى عن البلاد؟! هل تخبرني أن هنا صار هناك.. وهناك أصبح هنا؟! أتعرف أني ـ بعد عشرين عامًا ـ زرت بلادك منذ أيام قليلة؟! هل كنت تنتظر أن أزورك؟! أتعرف أن صوتك كان معي يطل على بلادك حين ركبت المترو من محطة قرب «حسين داي» إلى «بليدة»، وعدت بنفس المترو إلى نفس الشارع. كنت خائفة لوحدي ولم أعرف كثيرًا جغرافيتها. كنت فقط أُريد أن أُبصر بلادك لأُرسل لك بعضًا منها حين دندنت «يا رايح وين مسافر تروح تعي وتقولي.. شعال شفت البلدان العامرين والبر الغالي».

رشيد طه.. منّي، ومن البلاد، لروحك السلام.

رشيد.. أنا هنا لأن «هناك» متوعكة.. «هاك دارني وخدر في الجبين سبحان العالي».

سلام

بيسان

القاهرة ـ غزة ـ الجزائر. 1998-2018

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية