رسالة إلى أمي.. مختار شحاته

مختار شحاته

أمي البعيدة عني بُعد طفلين وحلمٍ..

كيف أنتِ؟ وكيف حال الطفلين؟

عساكِ في خير يا حبيبة، يا بعيدة، أيتها القريبة مني على الدوام..

أعرفُ يا أمي أن الأمور صارت غريبة كما تخافين وكنتِ تحكين لي في أيام الشتاء، وأن صورة الطفلين لا تضبطهما سرعة الإنترنت في القرى الفقيرة، وربما شوَّش ضابط الاتصالات المُكلف بمراقبة هاتف البيت- اتصالهما؛ ظنًّا أني لم أغادر..

هل تصدقين يا أمي أن الملاعين صادقون هذه المرة؟! وأني لم أغادر بيتنا الذي صار على خريطة الهاتف بعيدًا جدًا إلى الحدِّ الذي لا يُمكن لشاشة الآيباد أن تجمعني به!

أخبريني يا أمي عن حال العجائز في شارعنا الذي صار لي دُنيا جديدة حين قررتُ الاعتراف بالفشل في حماية الطفلين من غباء الناس وغضبي..

كيف حال القطة التي كانت تُقاسمنا سمك البحيرة في الغداء؟ وحين كُنا نضجر من موائها تقولي: “الرزق رزق الله يا أولاد!!”…

وكيف حال الخالة التي كُلما سألناها عن صبرها على الفراق؛ تبكي الغائبين والراحلين والقريبين الذين صاروا في حكم الغياب؟

آه يا أمي الحبيبة،

خمسين ألف ليلة وليل لا أراكِ، ولم أمارس المحبة على ركبتيك المهزومتين أمام الزمن، ولم أضع رأسي عليهما، فتعدِّلين وضع جلستك لأجل أن يرتاح عقلي كما كنتِ تقولين وأنتِ في دهشتك الجميلة، وتسألينني، كيف تحمل رأسي كل الكتابة والمجادلات،

ــ “لماذا لا تُقصِّر شَعرك يا ولد؟””.

الناس هُنا يا أمي يولدون في نهايات الأسابيع من جديد، يحبون الحياة إلى الدرجة التي نكره فيها الحياة في بلادنا..

الناس يا أمي هُنا يضحكون،

يحبون،

يعرفون أن السعادة ليست اختراعًا عجيبًا..

يا أمي؛ أُبشِّرك،

ينبتُ لي جناحان أبيضان يختلطان باللون الأخضر للقلوب حولي والجبل..

أتعلمُ الطيران يا حبيبتي من جديد،

ربما قريبًا أتمكن من القفز من أعلى حافة جبل الهزائم الذي كومته أمام ركبتيك حين عُدتُ مهزومًا إليكِ،

قريبًا يا أمي سأقفز غير خائف من الخدوش والرتوش وياقة القميص، وهل يجوز، ولا يصح، وآلاف الأحجار التي تملأ جيبي سأرميها يا أمي..

وأنجو..

غريبٌ علينا أولاد البحر والبحيرة والنيل الحبيب ألا نقفز مغمضين ومنتظرين صوت ارتطامنا بسطح الماء!!

الهواء هُنا يحملنا جميعًا يا أمي، ولا يسألني: “هل تُصلي؟ هل تشرب الخمر؟ هل تحب النساء الجميلات؟ هل تؤمن بالإله؟

لا وجع هُنا غير البُعد، وأخبار الخيانات والتنصل والافتراء، وموت صديق، ومرض آخر، وصوتك الذي غابَ..

وصورة طفلي المملوء بالصمت على الدوام..

أمي؛

كيف مرَّ شتاء العام في قريتنا؟ ككل الأعوام بارد لا دفء في قلبه، ويتهم ليالي الصيف بالخيانة والسهر؟ بالله أخبريني!!

غريبٌ يا أمي شتاء بلادنا؛ يُعلمنا الأنانية والطمع في شعاع الشمس والنور..

هُنا يا أمي تأتي إلى بابنا الشمس كل صباح..

تحدثني،

وتخبرني كيف يمنعها الغيم كلما رحلتْ تطاردُ الليل في المدينة التي عذبتني، وكيف حاولتْ أن تمدَّ شعاعًا إلى الطفلين فتحملهما إلي هُنا، لكن الزوابع شتت شعاع النور..

الشمس يا أمي تلون السحاب هُنا فوق البيوت بألوان قوس قُزح، فأفرحُ وأذكرُ قريتنا القديمة التي شوهتها عصاباتُ الإسمنت وأموال النفط وأطماع من تربوا على ذاك السُخام..

يا حبيبتي..

قُبلتك الأخيرة أحفظها في عُلبة مخملية، تفعل فعل السحر كلما شعرت بالغربة والحنين؛ أفتحها وأترك روحي لقُبلتكِ التي لا تنتهي، وأتناسى دمعتين علقتا رغمًا عنك وعني بها..

يا أمي..

صلي على ولدك في الليل إذا أخبروك أنني ممنوع للأبد، وأن الذين خرجنا نهتف “يسقطون” أسقطونا في جُب الغياب حتى الممات..

يا أمي؛

قبلي لي الصورة المهزوزة كلما يتحسن اتصال الشبكات، ولا تكترثي بصوت أنفاس الرجل الغريب الذي يصحب على الدوام صوتهما حين يسألانك هل عاد يا جدتي؟

دافعي عني كما تفعلين على الدوام، وقولي:

ــ “للغائبين حجة تناسبهم، فتعلموا غفران الغياب”.

يا أمي..

سلام عليكِ كلما رأت عيني جمالاً.

شاهد أيضاً

ميثم راضي

النشيد الوطني .. ميثم راضي

  هولاء الأولاد ماتوا جيدًا.. ماتوا بكل قوتهم وسيستمرون هكذا.. موتى للأبد حتى عندما تأتي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية