رسائل من العالم الآخر (8 ـ 9) .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

عاشت إنجى فينمور فى عائلة مفككة، حيث تركت والدتها المنزل وكان عليها أن ترعى أختها الصغرى، ووالدها كان مدمنًا على الخمر، وتعرضت إنجى لإساءات نفسية واعتداءات جنسية، وعندما بلغت تسعة عشر عامًا قررت الزواج معتقدة أن الزواج والإنجاب كفيلان بحل مشاكلها النفسية، إلا أن أسرتها الجديدة لم تستطع انتشالها من بؤسها، ففكرت أن الموت سينقلها لعالم أفضل وحاولت الانتحار بقطع معصمها، فضلاً عن تناولها عددًا من العقاقير، واستلقت إنجى على الأريكة تنتظر الموت.. لا تدرى بأنها ستمر بتجربة الاقتراب من الموت.

رأت حياتها تمر من أمامها كشريط، وكانت تشعر أن هناك شخصًا يشاهد لقطات حياتها معها، ثم أحست بالظلام يحيط بها وأنها تسقط فى الهاوية، وشعرت بوجود أرواح أخرى حولها اختاروا إنهاء حياتهم مثلها، وكانوا يتذكرون حياتهم ويعيشون المشاكل التى أدت لانتحارهم مرارًا وتكرارًا.

كانت إنجى ستعيش فى هذا العذاب النفسي إلى ما لا نهاية، إلا أنها سمعت صوتًا يقول لها: هل هذا ما تريدينه حقًا؟ ثم رأت نورًا ضئيلاً بدأ يزداد واقترب منها، فعرفت إنجى أنه هو الله، وشعرت أن الكون يردد اسمه ثم قال لها: ليس لديك الحق فى قتل نفسك لأن نفسك ليست ملكًا لك، ويفترض أن تكون الحياة صعبة.. وشعرت إنجى بحب ينبعث منه، وأحست بالألم بسبب ما فعلته، وتأكدت أنها بحضرة المسيح، ورأت كيف سيتألم أبناؤها إذا أرادت العودة للحياة.

***

كانت مارى شابة رياضية متهورة، امتطت جوادًا جامحًا أسقطها على الأرض فوقعت على رأسها ودخلت فى غيبوبة مع كسر فى الجمجمة.. كما أصيبت بسكتة قلبية، ورغم إصابتها الشديدة عادت لتروى قصتها مع تجربة الاقتراب من الموت.

تقول مارى: وجدت نفسي بدون جسد فى أحد أروقة المستشفى، وكان أعز أصدقائي فى حالة انهيار لما حل بي، فأردت أن أقول له إننى بخير إلا أننى أدركت أنه لا يمكننى التواصل معه.

فى تلك اللحظة رأيت نافذة زجاجية كبيرة فى نهاية الرواق، ووجدت ضوءًا عظيمًا يمر عبرها، وشعرت بالانجذاب لذلك الضوء، وبمجرد أن لمست الضوء دخلت فيه، حيث رأيت سحابة ضوئية ذهبية، ولكنه لم يكن ضوءًا عاديًا، بل كان مصحوبًا بنعومة ودفء وحب؛ ليس الحب الذى نعرفه على الأرض.. كان إحساسًا غامرًا.

وأول شيء خطر ببالى هو أننى فى بيتى، فشعرت أننى عدت إلى حيث كنت دائمًا، وكان إحساسًا رائعًا بسعادة لا يمكن تخيلها.. ثم شاهدت هذه السحابة تتجمع لتشكل دائرة حولى، واتخذت السحابة شكل إنسان وتساءلت هل هو الله؟ فارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة ورحيمة، ودار بيننا حديث طويل، وكان تواصلنا عن طريق الأفكار وليس بالكلمات.

فطلبت منه أن أرى أبي فقال لى لا.. وأرانى جدتى التى لم أكن جيدة فى التعامل معها بالرغم من أنها كانت طيبة وتحبنى كثيرًا.. فأرانى كم عانت جدتى فى حياتها وشعرت أنه يعرف ما عانيته أيضًا فى طفولتى، ولكن رغم كل شيء لا يجب أن نفعل الشر.

ثم أردت التقدم أكثر لمستوى آخر من الضوء، إلا أنه قال لى لا بكل محبة، ولم أكن أرغب فى الرحيل: ستعودين.. لكن ليس الآن، وبعدها شعرت بمعاناة الكون بأكمله، وأيضًا بسعادة الكون، وأحسست بكل الكائنات وبأننى بلغت نوعًا من المعرفة الكلية والعلم غير المحدود، كما لو أننى حصلت على معرفة كل البشر من كافة الأعمار.

***

كان الطيار المتقاعد العميد فهد السعدون محكومًا عليه بالإعدام، وقد مر بتجربة الاقتراب من الموت عام 1965.

يقول: أمضيت سنة فى  السجن الانفرادى، وكان وقتًا صعبًا، فتملكنى اليأس من نجاتى وأقدمت على الانتحار عن طريق تناول العقاقير، بعدها سقطت من الفراش على الأرض، وشاهدت جسدى الأثيرى يرتفع عن جسدى الذى على الأرض، واخترقت السقف وحلقت فوق سماء مدينة بغداد، وصعدت فوق السحب.. لم أكن أشعر بحرارة الشمس، بل أحسست براحة نفسية ووصلت على ارتفاع معين فشاهدت شخصين يرتدي كل منهما عباءة بيضاء تغطيه من رأسه لأخمص قدميه، فبادر أحدهما بسؤالى: لماذا انتحرت؟ فقلت إننى لم أعد أحتمل السجن، وليس لدىّ أمل فى الحياة.. ثم قال أحدهما: نحن قررنا أن نعفى عنك ونعيدك إلى الحياة.. وكان حديثى معهما بالتخاطر الفكرى.

وقال لى هذا الشخص: سأقول لك لماذا أعفينا عنك.. ثم شاهدت طائرتى فوق مضيق بازيان بالمنطقة الشمالية، وأنا قد سبق أن خضت حرب الشمال ضد الأكراد، ولكن القائد أمر بطردى ومعاقبتى لعدم تنفيذى الأوامر، حيث رفضت ضرب الهدف لأنه اتخذ المدنيين الأكراد دروعًا بشرية، فشاهدت 400 من الأطفال والنساء عن قرب، فعرفت أن العفو عنى جاء بسبب رفضى ضرب المدنيين، وقال لى نفس الشخص: كان من المفترض أن تكون رقم 13، فرأيت 12 فقال لى: هؤلاء سيأتون بعد غد، فتعرفت على ثلاثة وجوة وهم: عبد السلام عارف وحماد مجيد وعبد اللطيف الدراج، وسألت الشخص: هل عامل الزمن مؤثر لديكم كما على الأرض؟ فأجابنى أحدهما: لا ليس لدينا زمن.. وقالا لى انظر إلى الأرض فشاهدت ولادتى، ومر أمامى شريط حياتى من بدايته حتى اللحظه وعمرى 30 عامًا، فقالا لى: هذا استغرق 1, من الثانية.. وسألتهما: هل ستحدث حرب بيننا وبين إسرائيل؟ فقالا: نعم بعد عامين. وسألتهما: هل سنربح الحرب؟ فقالا: ستخسرون.. قلت: لماذا؟ فقالا: أنتم فى حالة تشرذم وتناحر فيما بينكم.. أما هم فمتحدون. وأشارا لى فنزلت لغرفتى واخترقت سقف الغرفة والتصقت بجسدى المطروح على الأرض.

بالفعل حدثت النكسة عام 1967، وقُتل عبد السلام عارف رئيس العراق إثر سقوط مروحيته فى ظروف غامضة.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (6 ـ 9) .. رحاب السماحي

  تعرض باسكال فوجن، مقدم البرامج السويسرى، لحادث مروع أُدخل على إثره حجرة العمليات، فاستطاع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية