رسائل من العالم الآخر (5 ـ 9) .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

عرفت إيفون سنيدن أنها ستموت بعد أسبوع، ولكنها لم تشعر بالخوف، وكأن السماء أعطتها إشارة لتواجه تجربتها فى الاقتراب من الموت.

ذهبت إيفون لطبيب القلب فوضع لها جهازًا لمتابعة أداء القلب، ثم عادت لبيتها واستلقت على الأريكة فشعرت أن أجهزة جسدها تتباطأ، ثم تتوقف، وعندها فارقت إيفون جسدها لتنتقل من هذا العالم مباشرة إلى الضوء الساطع المشبع بالمحبة غير المشروطة، وسعادة لا متناهية.. فكل العواطف الإيجابية تنضوى تحت هذا الضوء، ثم تقدم نحوها كائن شفاف من الضوء وعرفت فى اللحظة أنه المسيح، وجاء فى شكل روح تتحرك فى كل الاتجاهات، وشعرت إيفون أنها طفلة عمرها أربع سنوات وتجلس فى حجر والديها، وتحس بالأمان التام، فكانت فى حضن المسيح وعرفت أنها ستعود للأرض.. فقالت له لا أريد العودة للعالم مرة أخرى إنه مكان مروع.. الناس فيه خبثاء وأنانيون وأنا الآن فى بيتى.

ثم سألته لماذا لم تنجح علاقتها مع صديقها؛ فهو دائمًا لئيم معها.. فقال لها لأنه يعيش حياته معتمدًا على عقله وذكائه، بينما أنتِ تعيشين حياتك بقلبك.. واختلاف أسلوبكما يؤدى لأزمة.. حينها ظهرت شاشة فى السماء مكتوب عليها «نعم» و«لا» فاختارت «لا».. بعد ذلك تحول هذا الكائن النورانى للهيئة التى نعرفها عن المسيح على الأرض بالعباءة الطويلة، وكان يمشى معها تجاه مدينة كبيرة من الضوء، ومبانٍ ضخمة من الذهب.. وبينما كانت إيفون تمشى إذا بعدد من الأطفال كالملائكة، وجوههم مستديرة وشعرهم ذهبي، وجميعهم يسيرون صوب المدينة الضوئية، وكان وجه المسيح يشع بالنور، فالتفت الأطفال للمسيح وجاءوا إليه فاستقبلهم فاتحًا ذراعيه.. ثم قال لهم بصوت حانٍ «إنه وقت إيفون.. عودوا لأمهاتكم»، ورأت نساء ملائكيات جمالهن لا يوصف، وكل أهل السماء يتوهجون بضوء ينبعث من الداخل للخارج، وحين نظرت إليهم إيفون وجدت لديهم قدرًا كبيرًا من المحبة والاحترام تجاهها، وفى لحظة فهمت أن المسيح يقول لها «عليكِ أن تعودى الآن» وقالت له «جسدى لا يتحمل أن أعود»، فتحول وأصبح عملاقًا يملأ الكون وقال لها «إيفون سأملأك بقوتى ومحبتى»، ومع قوله وجدت طاقة سائلة حسية ملأت جسدها المادى والروحى، وحينها قال لها المسيح «أنا أحب الإنسانية» ثم أخذ قلبها ووضعه داخل قلبه وأصبحا واحدًا، فشعرت بعواطفه تجاه البشرية من رقة وعذوبة ومحبة، وعلمت أن وجودها هناك انتهى فعادت لجسدها.

***

استيقظت رينيه بسارو فى حالة من ضيق التنفس والتورم، نتيجة للحساسية، فأخذتها أمها للطبيب الذى أعطاها كورتيزون وتحسنت حالتها، ثم عادت لبيتها وهناك أغمى عليها، وتنفسها أصبح غير منتظم، والحساسية أيضًا تهيجت، فقرروا نقلها للمستشفى حيث وضعوها بالمقعد الخلفى، ولكنهم وجدوها لا تتنفس نهائيًا فطرحوا جسدها على الرصيف فى انتظار سيارة الإسعاف، وسمعتهم رينيه ينادونها، وصديقتها المقربة تقول لها «لا تموتى»، وشعرت بمسئولية لكى تقاوم، ولكنها أدركت أن هذا يتطلب جهدًا جبارًا فشعرت أن طاقة الحياة لديها قد انسحبت من أطرافها تجاه قلبها، وكانت هذه هى النقطة الأولى فى مراحل اقترابها من الموت، حيث شعرت رينيه حينها بارتياح شديد وسلام، ثم فى لحظة كان وعيها خارج جسدها وتحولت لكرة من الضوء، وارتفعت فوق التجمع، واكتشفت جسدها والذى كان قطعة لحم متقرحة متورمة ملقاة على الرصيف، وعندها شعرت بالألم، فكانت تخشى على أمها وأصدقائها، وحاولت أن تخبرهم أنها حية وحرة ومستمتعة، ولكنها أدركت أنها بلا فم، فصلت لله أن يساعدها.. وفجأة تحول تركيزها لمكان أبعد، حيث ارتفعت بعيدًا بلا حدود لمكان أو زمان، وكانت تعى بالتفصيل ما يجرى تحتها، ثم رأت كل البلدة، ثم كل المنطقة، وتدريجيًا ارتفعت إلى أن رأت الكرة الأرضية كوحدة واحدة حية، ورأت جمالاً لا يوصف، وكانت رينيه تشعر بنبض كل كائن على الكوكب، وتسمع لحنًا كونيًا علويًا، وأدركت أننا ببنيتنا الروحية لدينا قدرة متفردة على الخلق والإبداع الذى يجعلنا خلاقين.. هى نغمة قلوبنا التى تتغلغل فى كل الوجود، وبدأت رينيه تعيش حبًا مرتبطًا بجميع الكائنات، وأن هناك ضوءًا يشع من قلوب كل البشر، ثم ارتفعت نحو مركز الضوء فوجدت نفسها فى النفق، وهناك تركز شديد الطاقة فى مكان واحد، ورأت رينيه أناسًا لم يتحدد مصيرهم بعد، وآخرين يبدون ضائعين ومكانهم مظلم، فتخطت هذا المكان وتحركت تجاه الضوء المفعم بالمحبة، وكلما تحركت أسرع امتلأت أكثر بالحب، والذى تعتقد أنه حب الله، وتساءلت رينيه: هل ستظل وحدها؟ وفورًا تم دمجها مع خالها الذى مات قبل عام ونصف العام، وكان الدمج ممتعًا، فعرفت أشياء عنه لم تكن تعرفها من قبل، ولكن كان انجذابها للحب والذى عرفت أنه أقوى أشكال الطاقة، وكأن هناك مركزًا كالشمس لهذا الضوء، وشعرت أنها لا تستطيع مقاومة الانجذاب لهذا الضوء، وفى لحظة وجدت نفسها فى قلب الضوء.

وطلب منها كائن تحمل مسئولية أعمالها فى الحياة، وهى ليست كما نعرفها على الأرض، بل عن صفاء دوافع الأفعال وليس الأفعال من الخارج، فإذا قام الإنسان بعمل حب صادق سيتردد أثره على حياة كل فرد على الكوكب، وكانت رينيه تتساءل عن مصير البشرية، فشرح لها الكائن المرافق لها بطريقة مجسمة تطور الحياة البشرية منذ البدايات الأولى وحتى المستقبل، وعايشت مراحل تطورنا كأفراد؛ من قسوة وجشع ثم صلف الرومان، وشعرت بروح التآمر السياسي، ثم أيام المسيح، ثم النهضة الأوروبية، ثم الثورة العلمية، ووعيت رينيه أننا نعيش فى أهم خطوة فى تطور البشرية، ثم رأت مجموعة من الناس اسمهم العدل يعملون بمثابره لتحقيق مدنية جديدة وقفزة روحية عظيمة نحتاجها فى هذا الوقت لإشاعة الوحدة والسلام.

***

وعن تجربتها تقول أمل من المغرب: كنت على متن الطائرة، وقبل إقلاعها شعرت أن قواى تنهار، وأن جسدى أصبح كقطعة ثلج، ثم بدأت أختنق فطلبت من المضيفة إحضار شيء ساخن لأشربه، ثم بدأت أقرأ فى مصحف صغير، وبعد ما شرعت فى القراءة إذا بالمصحف قد قفز من يدى وأصبح تحت المقعد، فانحنيت لأخذه ولكنى شعرت أنني لا أستطيع التنفس، وكأن شيئًا ثقيلاً سقط منى، وكانت تلك لحظة خروجى من جسدى، ووجدت نفسى وسط ظلام حالك، وهدوء تام، بعد ذلك شعرت بطاقات تمر بجانبى بسرعة غريبة، فجأه سطع نور ذهبي ليس لجماله مثيل، وبداخله رأيت أطفالى الأربعة فى غاية الجمال يرتدون ملابس بيضاء تلمع، ويغنون وهم يجلسون ملتفين حول الشموع التى كان ضوءها جميلاً، وشعرت بشيء ساحر فى ذلك الضوء.. إحساس روحانى.. وقلت لابد أن يكون هذا من عند الله أراد به أن يطمئن قلبي، وبعدها عدت مجددًا للطائره لأجد نفسي ملقاة فى حالة إغماء.

كانت أمل تخاف من الموت.. فلماذا علينا أن نكافح ما دام سيأتى الموت ليهدم كل شيء.. ولكنها بعد التجربة أصبحت ترى الموت ليس سوى مرحلة طبيعية للعبور للعالم الآخر، وأنه بمثابة العودة لموطننا الأصلى.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية