رسائل من العالم الآخر (1 ـ 9) .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

هل تخاف من الموت؟ هل سألت نفسك يومًا ما هو شكل الحياة بعد الموت؟ هل لديك تصورات معينة نسجتها لذهنك عقيدة ما، أم أنك ترى أن العدم فقط هو ما ينتظرنا بعد الموت؟ أيًا ما كانت توقعاتك أو افتراضاتك فسنحاول من خلال هذه الحلقات رسم صورة أكثر وضوحًا عن طريق فك شفرة هذا العالم المجهول، وجمع قطع الأحجية من خلال تجارب الاقتراب من الموت، وشهادات من مروا بهذه التجربة سواء من تعرضوا للموت السريري أو من اقتربوا من تخوم الموت، جراء حوادث أو جروح خطيرة، أو بسبب مرض عضال.

وسنبدأ الرحلة بكتاب (الحياة ما بعد الحياة) للدكتور ريموند مودي، الذي صدر في السبعينات من القرن الماضي، والذي يعد أول دراسة تتناول ظاهرة الموات أو الاقتراب من الموت.

يتساءل مودي: ما هو الموت؟ السؤال الذي لم تنقطع الإنسانية عن التساؤل حوله، فرغم أهمية هذا التساؤل إلا أن الغالبية ترى أن الحديث عن الموت أمر عصيب، وهذا يعود لأننا نشعر بصورة واعية أن الاتصال بالموت يجبرنا على أن ننظر للواقعة التي لا مناص منها، وهي أننا سنموت نحن أنفسنا ذات يوم، كما أن كلمات اللغة البشرية تنتمي بغالبيتها إلى أشياء وأمور لدينا تجربة محسوسة عنها.. أما الموت فهو على نقيض ذلك.. فأكثريتنا لم يمر يومًا من طريق الموت الدائم.

ويضيف مودي قائلاً: فقد سبق للشاعر الإغريقي هوميروس في ملحمته (الإلياذة) وصف النوم بكونه شقيق الموت.. أما أفلاطون في كتابه (الدفاع عن سقراط) فقال على لسان سقراط حين حكم عليه قضاته الأثينيون بالموت “إن كان الموت يشبه نومًا مجردًا من الأحلام فإن الموت لكسب رائع للبشرية وكأنه ليلة واحدة طويلة الأمد”.

ويكمل مودي قائلاً: إن البعض يرى الموت هو النسيان، فيما يؤكد آخرون أن الموت ليس سوى فناء وعينا جذريًا ونهائيًا، وهناك من يرفض تماثل الموت بفقدان الوعي النهائي ويرى أن هناك ثمة جزء من الكائن البشري يستمر على قيد الحياة، فيما يصير جسده المادي الخاضع للتلف منقطعًا عن القيام بوظيفته، وقد أطلق على هذا الجزء من الإنسان عدة تسميات، منها عقل أو نفس أو روح.. فالوفاة هى انتقال النفس أو الذهن إلى بعد آخر من حقيقة الواقع.

ويشير مودي إلى أنه قام بإجراء مقابلات مع أناس مروا بما يطلق عليه اسم الموات، أي الموت المؤقت، من خلال تجارب الاقتراب من الموت.

ويؤكد مودي أن الأكثرية الساحقة من هؤلاء قد أكدوا أنهم فى أعقاب انسلاخهم عن أجسادهم قد رأوا أنفسهم مزودين بجسد روحي، وقد استخدم المواتيون التعبير عنه كغيمة، ضباب، بخار.. حيث قال أحدهم “ما يظهر لنا هناك مستحيل في الجسد المادي وقد صار فجأة ممكنًا فإن أذهاننا تصبح على وضوح جلي عجيب”.

ويشير مودي إلى أن هناك قواسم مشتركة بين المواتيين، وهي أنهم يعانون من عراقيل دلالية، فهم مجمعون على أن تجاربهم تستعصي على التعبير، وكذلك يصف الكثيرون منهم أحاسيس الدعة والسلام التي مروا بها أثناء التجربة، حيث قالت امرأة تم إنعاشها عقب أزمة قلبية “بدأت أشعر بإحساسات عذبة وبدعة عظيمة واعتراني انطباع بأن همومي كلها قد انقطعت عني”.

ويستطرد مودي قائلاً: أيضًا وصف المواتيون النفق المظلم، والذي تمت تسميته بالمغارة، أو البئر، وعقب مرورهم السريع منه، ينسلخون عن أجسادهم ويتأملونها من الخارج.

ويؤكد مودي أن السمع في حالة الجسد الروحي هو إدراك مباشر لأفكار من يحيطون بهم، أي تواصل مباشر من وعي لوعي وليس بكلمات منطوقة كالجسد المادي.

ويضيف مودي أن الرؤية البانورامية لحياة المواتي إحدى النقاط المشتركة بين تجارب الاقتراب من الموت، فالكيان النوراني قد امتلك معرفة تفاصيل الحياة بأسرها فلبث هدفه الوحيد هو إيقاظ التفكير لدى المواتي، والتركيز على واجبين أساسيين هما المحبة واكتساب المعرفة.. حيث قالت أحدهم “الكائن النوراني اختار بعض المقاطع من عمري الماضي، وبث الحياة فيها، وقال لي إنه يترتب على المزيد من التفكير بالآخرين لكن بلا إدانة”.

وعن الكيانات الروحية يقول مودي إن مهمتها تسهيل الانتقال من الحياة إلى الموات، ساعين لإعلامهم أن ساعة الموت الحقيقي لم تحن بعد، وينبغي عليهم العودة لجسدهم المادي.

ويرى مودي أن الكائن النوراني من أصعب العناصر تصديقًا في الشهادات، فهو نور براق يبلغ تألقًا ساطعًا، فهو شخص ينعم بشخصية محددة ينبثق منه محبة وسلام ويشعر المواتي بالانجذاب للنور بلا مقاومة.

وعن عودة المواتي للعالم المادي أثر رحلته للعالم الآخر يقول مودي، خلال اللحظات الأولى التابعة للموت يشعر المواتي برغبة جامحة في الاندراج داخل جسده المادي، لكن حالما يبلغ هذه المرحلة من تجربته لا تبقى لديه الرغبة في العودة لعالمنا لدرجة معارضته لضرورة عودته إلى جسده، وبخاصة لدى الأفراد الذين مضوا بتجربتهم حتى التقائهم بالكائن النوراني، حيث قال أحدهم “ما كنت أريد البتة أن أغادر وجود هذا الكائن النوراني”.. فالكائن النوراني هو الذي أذن لهم بالعودة لالتماسهم، أو لأن الله يعتمد عليهم في أداء مهمة لابد من إنجازها.

وعن انعكاسات هذه التجربة على سلوك المواتي في حياته يقول مودي إن حياتهم بعد التجربة قد ارتدت مزيدًا من الهدوء والسلام واكتساب المعرفة بشكل أعمق، حيث قالت إحداهن “غدت لي الحياة ثمينة”.

والنتيجة المهمة هي أن المواتيين لم يعد لديهم أي خوف من الموت، حيث قالت إحداهن “لم أعد أخشى من الموت فقد زالت عني هذه الهواجس والتخوفات ولم أعد أشعر بأي انزعاج وأنا أحضر دفن أحد الأموات، بل أجد عندئذ نوعًا من الصفاء المبهج لأني أعلم ما قد جرى للميت”.

ويشير مودي إلى أن ما يسهم في زوال الخشية من الموت، عقب التجربة، هو عدم الشك أو الريبة حول البقاء على قيد الحياة عقب موت الجسد البشري فلم يعد الأمر احتمالاً مجردا بل غدا واقعة مجربة.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية