رحيل لوزة .. أماني عايد ذكي

أماني عايد ذكي

 

تحدثنا كثيرًا هذه الليلة، ربما كانت المرة الأطول التي تحدثنا فيها سويًا، حتى أن الصبح أطل علينا بثيابه البيضاء كاشفًا بهدوء عن شراسة ما اعتملته فينا عتمة الليل وكيد السهر الذي كسا أعيننا وملامحنا.. كانت تحاصرني بعينيها طويلاً وتتأملنى وتهدهدنى وتربت على كتفي مرارًا وتكرارًا.. كانت تبالغ في عطفها نحوي هذه الليلة وكلما سألتها: ما بكِ؟ أجابتني: لا شئ فقط اشتقت لكِ كثيرًا صديقتي ولجلستنا سويًا، وطالبتني بأن أمدها بالحكايا والأخبار عني وعما يؤرقني ويسعدني، وما أنشده وما أسعى إليه.. كانت دومًا تجيد السمع طويلاً ولكنها في هذه الليلة كانت كمن يسمع القصص ليلقيها في ذاكرة سحيقة لآخر مرة.. كمن يستمع ليروي ذاكرته بعدما تخضبت بالحزن.. كانت جائعة ونهمة لكلامي بشكل أرهبني وأثار شكوك نفسي، لطالما كنا صديقتين متحابتين ولكني أشعر أنها تعافر كثيرًا الليلة، معركتها غير المتكافئة تجعلها تبذل وتستنزف ما تبقى من طاقتها بصمت مفزع، حتى أنها أصبحت تشبه الآلة في دورانها المتعاقب دونما أنين أو شكوى، بعدما خذلها المحيطون كثيرًا، واجتثوا منها حق الشكوى وحق الحب وحق الحياة.

بقدر ما كنت أحتاجها تسمعني بقدر ما كنت أراقبها بقلق وفزع عليها، حاولت بث نسيم الحياة على ليلتنا، ولكن يبدو أن حلكتها كانت أشد قسوة من محاولاتي، حتى أنها تركت أثرها على نفوسنا بقوة هذه المرة.

كنت أعرف جيدًا أنها تتبدل سريعًا من إشراقها وإقبالها على الحياة، وتفاؤلها الذي تنثره أينما ذهبت، وضحكتها التي تفيض بها على قلوب كل من يقابلها، وإشعاعها بالحياة، وطاقة الحب التي تنشرها أينما حلت، إلى كائنة أخرى سوداوية متعكرة وصعبة المزاج، كثيرة البكاء، باذخة السهر والتفكير، وباذخة النوم أيضًا.

تبدلت فيها ملامح الحياة شيئًا فشيئا، بهتت ضحكتها كثيرًا وانطفأت روحها وتوهجها، تبدل الأمل فيها لتعيش على قيد الألم وتلوك علقمه حتى مرارة الكبد، كان الإهمال وشح الحياة يهلكانها ويأكلان نفسها، كانت تتآكل نفسيًا كل ليلة مع برودة مناخها، وخراب بوصلتها العاطفية التي انسحقت في رحى حياتها منذ دهر مضى، كانت تعافر وتقاتل بقوة مصارع في الأوليمب نوبات الاكتئاب والفزع، ورغبتها الانتحارية المتزايدة يومًا بعد يوم، كانت تلجم نفسها كل ليلة عن تجرع شريط مهدئها علّها تهلك وتنتهي هذه المسرحية الهزلية المؤلمة، ولكنها كانت تعرف جيدًا أن خزي الهروب من معركتها التي ألقتها الحياة على كاهلها بكل ما فيها من ثقل لا يليق بها.

حاولت كثيرًا أن تتحلى بشجاعة المحارب، وتمارس صمودها المطعم بكبت الحياة داخلها، راجيةً أن تتعافى وتخرج من كبوتها التي دامت لسنوات، انعزلت كثيرًا عن الحياة وعن البشر، خيباتها المتتالية جعلتها تخاف الكل وتفزع منهم، باتت تفرض الحواجز الحديدية والأسلاك الشائكة وجدران من الصمت على نفسها، وكلما حاولت الخروج من سجنها الاختياري وخزها قلبها مذكرًا إياها بعمق الجرح الذي لم يندمل، ولا زال ألمه يعتمل بداخلها، فلا تبرح مكانها، كانت تفكر دومًا كيف لا يتوقف العالم ولا تتوقف الحياة حين ينكسر قلب مخلوق إلى هذا الحد، كيف عساها الحياة تكمل وتسحقه في طريقها ولا أحد يشعر به ولا بالثقل الذي يئن منه ويرزح تحته، كانت صامدة وصابرة حتى آخر أنفاسها، تحاول أن تبث الأمل والحياة في نفسها مرة أخرى.

حتى تلك الليلة المشئومة، جالستها وقصصت لها كل أقاصيص الحب والهوى والأمل والحياة، ولكن عبثًا حاولت، كان الجفاف قد انتشر بداخلها حتى وصل للجذور والأطراف، هجرتها آخر طيورها بعيدًا، ونفضت الغربان عنها أعشاشها، عاندتها الريح فعرتها من أوراقها، كانت تحاول لملمة ما تبقى من أهدابها هذه الليلة لآخر مرة علّها تنجو، حتى خرجت عن صمتها بمقدار ما استطاعت وانهمرت، تخلت أخيرًا عن كبريائها وانهمرت طويلاً كسيٍل ثقيل محاولةً الفرار من هذا المصير، تهشمت وتشظت كالزجاج، راحت تنشد النجاة والحياة بآخر ما تبقى في أوصالها من رغبة وشهوة للحياة، ولكن أي مطر هذا الذي كان سيسعفها ويبدل ذبولها وجفافها، أي مطر هذا الذي سيبعث فيها الحياة بعد هذا الشح الذي نال منها لأعوام، أي نسيم وقصص حب خرقاء هذه التي تقيم الموتى وتعيد الروح للأوصال المتهالكة ونزيف الحياة المستمر .

وبعد وقت يسير هدأت سريرتها، بعد ثورة وصراع استمر لدقائق كأنما الأعوام في مرارتها وثقلها، وعادت لصمتها وسكونها الأول فافترقنا على وعد باللقاء مساء اليوم التالي.

وخرجت في موعد لقائنا لأناجيها وأرثيها حزنها، وأهدهد نفسها، وأكفكف دمعها، وأواسي وحدتها، وأذوب صمتها، وأصبغ حياتها ببعض حمرة تبث الأمل في أوصالها، وتبعث الحياة من قبوها الداخلي، فوجدتها مبتورة الرأس متكسرة الأغصان ومنزوعة من الجذور، وكأنما مذبحة قد أعدت خصيصًا لها.

تُرى هل صرخت؟ هل تألمت؟ كم ساعة استمر ذبحها ولكم ساعة تخضبت دماؤها بغير منقذ ينجيها ويسعف الحياة فيها؟ كيف تخلت عنها أوراقها؟ كيف نسيتها طيورها؟ كيف صمتت جذورها ولم تتشبث بها وتدافع عنها؟ على من نادت قبل الرحيل؟ ما هي ىخر كلماتها؟ كم أوصتنى بنفسي.

أواه يا زماني.. كيف فارقتها تلك الليلة؟ كيف توهمت أنها بخير؟ كيف لم أسمع صدى صراخها المتصاعد؟ أي صراع عاشته قبل الفراق؟

انتهت لوزتي كما تمنت بعد أن بدلها الجفاف، تشبثت طويلاً بتراب حياتها المتبقي حتى نال منها الهلاك.. وجاء سقوطها عنيفًا مدويًا ولكن بعد أن فات الأوان.. كم عاندتها الريح وكم تشبثت.

ماتت لوزتي الصديقة.. ماتت شجرتي التي كنت أبثها همي.. ماتت التي طالما بعثت فيّ الحياة، وكأنها كانت تعلم بساعة رحيلها ومذبحة قتلها المعدة سلفًا؛ فسألتني الجلوس جوارها وهي مذبوحة القلب لا تعلم ماذا عساها أن تفعل أو تقول.. كان طعم الموت يزحف إلى قلبها ويعصره ولا هدى في الطريق أو سبيل للفرار، كانت تسألني الرحيل وتقبلنى بقبلة الوداع ولم أفهم حينها.. فرحلت.

وداعًا يا لوزتي الحالمة.

كم أرادوا أن ينالوا منك وانتظروا طويلاً لحظة سقوطك.

شاهد أيضاً

سهام محمد

وأرجع أقول ما لقيتلوش ديل .. سهام محمد

  ـ «جميلٌ، يغرِّدُ منطلقًا من غصنٍ لغصنِ، وصبيٌّ بنَبْلةٍ يُوقعَه!» يقولُ متعجبًا ـ «عَيْبٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية