رحيل الجميل جميل راتب .. رحاب السماحي

جميل راتب

 

رحل الفنان جميل راتب فى هدوء ووقار، دون جلبة أو ضجيج كحياته التى مثلت الفن الرائق العذب.. لم نعرف عنه صراعات أو مشاحنات تميز الوسط الفنى، بل كان رمزًا رقيقًا شامخًا للفن الجميل الذى أخدت أوراقه فى التهاوى ورقةً إثر ورقة.

وقد أسعدنى الحظ وأجريت معه حوارًا لجريدة «الأهالى».. استقبلنى خلاله أنا والمصور بحفاوة، وفتح لنا الباب بنفسه بمنتهى التواضع.. فكان يحمل بين جنباته أخلاق البشوات، وانحيازًا واضحًا للبسطاء.. فهو سليل الطبقة الأرستقراطية التى رفضت عمله بالفن، وحرمته من المال، حتى اضطر أن يعمل بمهن متواضعة فى فرنسا، كشيال فى سوق الخضار، وجرسون، وكومبارس.. وكان سعيدًا بهذه التجارب لأنها جعلته يقترب أكثر من الناس البسطاء، ويشعر بمعاناتهم لكسب الرزق.

شارك فى فرنسا فى 50 مسرحية، إلا أن مسرحية «البيانولا» التى مثل فيها عند عودته لمصر كانت مفتاحه السحرى لعالم السينما والتلفزيون، والذى اقتحمه بأدائه العبقرى دون عناء أو تخطيط.

كان أول عمل تلفزيونى له هو مسلسل «عصفور الشوارع» عن قصة حياة الملحن كامل الخلعى، ثم اشترك فى فيلم «الكداب» لصلاح أبو سيف، وكذلك فيلم «على من نطلق الرصاص» لكمال الشيخ، وهكذا وجد نفسه مشاركًا فى أفلام مهمة مع مخرجين كبار، وإن كان قد اكتسب شعبيته بين الجمهور من خلال التلفزيون.

حظى جميل راتب أيضًا بالمشاركة فى تجربة مهمة فى فيلم «لورانس العرب» بطولة عمر الشريف وبيتر أوتول وأنتونى كوين، وقال عنها إنها تجربة غنية ومفيدة، خاصة مع مخرج كبير مثل ديفيد لين، وإنتاج ضخم، وبرغم أن دوره كان ثانويًا إلا أنك ستميز دوره جيدًا نتيجة أدائه المتمكن، وقد جمعته صداقه حميمة بأنتونى كوين.

وكانت لدى راتب رؤية شاملة للمسرح المصرى، واستبصار لمستقبله، حيث رأى أن مسرح الدولة عروضه ضعيفة، ولا يقدم أعمالاً جديدة أو مؤلفين جدد، والأعمال الكلاسيكية التى يقدمها غير مفهومة، وأشار إلى أن تحقيق المسرح التجارى أرباحًا لا يعنى نجاحه، فمثلاً مسرحيات عادل إمام ليس لها مضمون ولكن نجاحها يعود لنجوميته فقط، وأضاف أن هناك بارقة أمل فى مسرح الهناجر، وبعض مسارح الدولة، بالإضافة لأعمال محمد صبحى ولينين الرملى.

وكان راتب ضد وجود الرقابة على الأعمال الفنية، لأنه رأى أن الإبداع يحتاج مناخًا من الحرية ليعيش ويزدهر.

وعن رؤيته للمرأة المصرية قال: يتملكنى الخوف عندما أرى انتشار الحجاب برغم عدم وجود نص قرآنى صريح لفرضه، إلا أنه فرض نفسه وتحول من اعتقاد دينى إلا موضة، فهناك محلات تجميل للمحجبات، مما جعل المحجبة أكثر إغراء من غيرها.

وأشار إلى أن الرقابة السعودية لعبت دورًا خطيرًا فى تغيير العادات المصرية.. واعتبر ذلك احتلالاً فكريًا.. فالسعودية تدفع للفنانات ليعتزلن الفن، ثم تدفع لهن مرة أخرى ليعدن إلى التمثيل ويروجن نموذجًا معينًا ويفرضنه علينا.. ولكنه فى المقابل أكد أن الفتاة المصرية ستمل الحجاب وتتمرد عليه يومًا.

كما أشار إلى ضرورة الفصل بين الدين والسياسة كأحد محركات تقدم مصر، وفى نهاية الحوار أصر الفنان الكبير أن يوصلنا للباب، وظل ينتظرنا على السلم فى لفتة رقيقة منه.

لروحك السلام والسكينة.. علّك تحظى بالراحة والطمأنينة فى عالمك الآخر.

شاهد أيضاً

حسن العاصي

فينومينولوجيا شقاء الوعي (2 ـ2) .. حسن العاصي

  مثقف مستهلك لا منتج ظل بعض المثقفين العرب ردحًا من الوقت يكابدون مقاربة الكثير …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية