رجل سرق الإهمال .. رشيد بلفقيه

رشيد بلفقيه

 

تشتعل نار الحقد داخله، تضطرم الكلمات، تتشكل جملاً تدفعها رغبة عارمة في الانتشاء بالسباب إلى الخروج وإلى تقديم عرض لسواد نفسه على الجميع.

كان ـ كما تعود عليه الكل ـ يبدو صامتًا في ركنه المزمن في مدخل «زنقة العيون»، لا يتغيب عنه إلا لمامًا يستقبل القادمين بنظرات ممتهنة وعدائية بدون سبب واضح، ويودع الخارجين بازدراء صامت حينًا وضاج أحيانًا أخرى.

يلعن بين الفينة والأخرى الدرب والحكومة والفرق الكروية ورداءة التبغ الأسود وإسرائيل والجو الممطر وتعفن الطماطم والجرائد، وكل شيء يخطر بفكره في تلك اللحظات التي يصير فيها خارج نفسه، يستفزه المتطفلون ببعض الكلمات فتتفجر حمم الألفاظ النابية من مخزونه الذي لا ينضب؛ شتائم وحركات عصبية. لم يكن يؤذي أحدًا بيديه رغم جثته الضخمة وملامحه المائلة إلى العدائية، لم يؤذِ أحدًا ولا حتى مرة واحدة، ولا يذكر أحد أنه مد يده على أي كان، لكن لسانه كان يسحل الجميع، والجميع بلا استثناءات تذكر.

لا يذكر جل أهل الحي متى أو كيف حل بينهم، ولكنهم تعودوا عليه، كما يعتاد المريض على مرارة الدواء، أو كما يعتاد البغل على ضرب السياط. بل صار وجوده فصلاً كوميديًا أسودَ يفرض نفسه على المكان الغارق في الرتابة والإهمال. لا أحد أمكنه أن يفسر هذا التموقف العدائي من الجميع لكن لا أحد كان يهتم فعليًا.

ـ الغوتي: المنتخب تأهل للمونديال!

ـ سير الله ينعل بوك على بو المنتخب يا ولد…

ـ الغوتي: شحال في الساعة؟

ـ أنا مكانة يا ولد…

ـ الغوتي: نعل الشيطان!

ـ الشيطان يا بوك هو بنادم يا ولد…

بركان هادر من ما جادت به قريحته المقذعة كان ينفجر بعد لازمته الشهيرة المعروفة، ويستمر في قذف الكلمات مثل لافة سائلة ما إن تبدأ في النزول حتى تجرف في طريقها كل حاجز فتتدحرج لا تلوي على شيء.

فجأة اختفى الغوتي، وران صمت ثقيل على المكان، انتظر الجميع أن يعود إلى مكانه بعد يوم أو بعضه، ولكن اختفاءه طال إلى أيام وتغير حال الركن الذي كان يحتله، صار جامدًا عاديًا لا يشكل فرقًا بعد أن كان المارون به يعدون أنفسهم لما سيشنف أسماعهم من سباب.

طال اختفاؤه، وبدأت الإشاعات تتناسل وتخلق أجوبة لأسئلة لا تتوقف، فمن قائل إن سيارة مجهولة توقفت قربه ذات ليلة ونزل منها رجال تبدو عليهم أمارات الحزم واقتادوه باحترام إلى وجهة غير معروفة، ومن قائل إنه فقد الأمل من جدوى شتم الجميع فقرر التنحي عن ركنه المزمن، ومن قائل إنه كان عينًا على هذا المدخل من مداخل الحي وقد انتهت مدة انتدابه، ومن قائل إنه سافر بعيدًا أو تاه في طريق عودته إلى مقره، أو مات ككل شيء مهمل في هذا الوطن بصمت ـ مات ـ قرب حاوية نفايات أو تحت ضغط الحياة…

ـ مابقات ثقة، حتى من الغوثي خرج هاد الشي.

تلقي امرأة لصاحبتها بالجملة وتمضي.

ـ آش بغاو عندو مسكين؟

ترد الأخرى وهي تسير في الاتجاه الآخر. لا أحد تساءل من أين جاء ومتى جاء ولماذا، ولا أحد رفع في وجهه أمرًا بالرحيل رغم أنه كان نشازًا وكان يؤدي الجميع، كان حضوره عضويًا متسريًا في شقوق التفاصيل التي تصنع من الحي حيًا، حتى وإن غص بالأموات. لكنه لما رحل أو اختفى أو تبدد كإشاعة في الفراغ لا يهم، خلق مشكلة جعلت نقاش أمر غيابه أهم من نقاش أمر حضوره المستفز. هكذا تكونت صورة سكان زنقة العيون، بشريون كيفما اتفق لا يجزعون إلا أمام حالات الفقد، حتى أن الشخص يمضي حياته كلها بينهم دون أن يهتم به أحد، ولكن لحظة موته أو اختفائه يتحول من نكرة إلى معرفة ولو لأيام.

كان يمكن لقصة الغوتي المعتوه ألا تروى، ككل قصص الحمقى والمجانين أو العقلاء جدًا الذين اختارت الحياة منحهم شرف العيش بعيدًا عن الاهتمام.. كان يمكن أن لا أزعجك بتاتًا بهذه الأسطر الثقيلة، لولا أنه بعد مرور أيام قليلة، تفاجأ الجميع بشخص آخر مختلف كليًا ينتصب في المكان الشاغر، كان شعره طويلاً ولحيته كثة غزيرة، وكانت ملابسه ممزقة وتكاد لا تستر بعض المناطق في جسده. لم يسب أحدًا ولم ينبس بكلمة واحدة، كان صامتًا كالأموات، وعيناه تدوران بلا توقف، يده فقط كانت تمتد بين الفينة والأخرى لتطلب عطية دون أن يتكلم. كان كائنًا آخر يستعد لكسب غطاء الإهمال حتى يتسنى له العيش على حساب آخرين .

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية