رجل آمن بظله .. رشيد بلفقيه

رشيد بلفقيه

 

«من أين يبدأ الطريق نحو الضياع؟ من السير إلى نهاية هذا الدرب شبه المعتم، حيث لا تلوح أية نهاية في الأفق، أم من البحث عن بداية وسط هذا التشابك من النهايات المتجانسة التي تكرر نفسها؟».

لا شيء أكثر إزعاجًا من الانطلاق إلى صباح جديد بأسئلة تجعل الرأس يدور ويدور حتى يدوخ، فيبحث عن أرض تحضنه ولا يجد، فيظل معلقًا كالخذروف بين الأرض والفراغ لا يربطه بالواقع سوى سن دقيق .

ـ على سبة.. تا مالك وليتي على سبة؟

يصفعه أحدهم.

ـ أنا الخدروف أيها البليد.. أنا؟

يرد بسخط ونقمة.

ـ أي خذروف وأي خروف؟

ـ تبا!

تتشابه صباحات أنيس، فهو يقضيها، منذ أن أنهى دراسته الجامعية، بين المقهى والبيت، وتحديدًا غرفة نومه التي لم تكن غرفة نوم بالمعنى الذي يضمن للكلمة قيود انتمائها لغرف النوم كما نتوهمها، لكنها كانت صالونًا يحوي التلفاز مع بقية لوازم غرفة الجلوس التي تستبيحها الأسرة كاملة، بل حتى المعارف والأصدقاء في أوقات مختلفة من اليوم، لهذا كان يحمل داخله خجلاً مزمنًا من قدرة الآخرين على اقتحام عوالمه في لحظات غير متوقعةـ والنظر إلى أحلامه، بل العبث بها في حضوره وحتى في غيابه  .

ـ على هذا الوضع أن يتغير.

ـ ورا قلنا ليك وليتي على سبة.. يا الخروف.

ـ خدروف، خدروف.. تبا!

في الذاكرة حياة من صور مرت وانقضت لكن تفاصيلها لا زالت تعيد عرض نفسها بتفصيل دقيق جديد كل مرة .

ـ أحبك..

ـ أيها البليد ألا زلت تؤمن بهذه التراهات ..

ـ لست حجرًا!

ـ قدرنا أن نفترق، لا تتعلق كثيرًا، ‘نبقاو خوت..

كانا جالسين على الكرسي الإسمنتي بمحطة المسافرين بمدينة ما، ابتاعت له سندويتشا أصرت على أن تدفع ثمنه، لتكتب حتى في الفصل الأخير أنها القادرة على إسكات جوعه لجسدها، وحتى لجيبها، دون أن يملك من أمره شيئًا .

عندما أزفت ساعة انطلاق الحافلة غادرت بهدوء كما طلبت، ظلت رائحتها خيطًا يشنق واقعه شيئًا فشيئًا إلى أن تلاشت.. وظل هو مقرفصًا كالمشدوه في مكانه يعتصر من شقوق الأماكن، حضورها وصدى كلماتها، إلى أن فرغ المدى منها تمامًا فنهض مجرجرًا قدميه نحو الغرفة التي يكتريها هناك في سطح بيت مهتريء، ليقضي آخر ليلة له بهذه المدينة. كانت ليلة حمراء بمعاييره الخاصة.. ليلة عربد فيها وأرغد  في نقاش دانكشوتي مع ذاته، بعد أن فشل في تأمين علبة سجائر وثمن قهوة سوداء .

ـ دلني على  الطريق؟

ـ أتملك الحافز..

ـ سأجرب فأنا أقرأ بنهم..

ـ أسأت فهمي يا ولد؛ كان عليك أن تسأل ما الحافز .

ـ بإمكاني التعلم بسرعة..

ـ لن تفهم يومًا، عد أدراجك إلى هناك.. لست ابن هذا الوسط.

غادر صباحًا يحمل سجلاً غزيرًا من الخيبات، نجح بامتياز وحصل على الإجازة في الأدب العربي كما حلم دائمًا، لكنه فشل في كل شيء آخر ما عدا ذلك. هل سيعود إلى الدوار المنسي في مكان ما من هضاب خريبكة، أم سيجترح له طريقًا خاصًا؟

عرج على الكرسي الذي شهد آخر لقاء، لم يجد فيه ما يستحق التأمل، لا تكتسب الأماكن قيمتها إلا بتواجد الأشخاص وإن غابوا غاب كل شيء .

التقط للكرسي صورة بهاتفه ثم دس نفسه في حافلة وذهب.

ـ غيرك افلح..

ـ لست غيري..

ـ ما أحذقك في الكلام ..

ـ هذا ما درسته

ـ يا لمسخوط، يا لمسخوط..

ـ تبا!

السجائر تمنحنا عالمًا ثالثًا يلغي الآن والغير، ويحتفظ فقط بالخيالات التي يصنعها الذهن الصاعد إلى أعلى على أنقاض الهو جحيمنا الذي لا يطاق. كان يجلس في عتبة البيت يقتل الوقت .

ـ المرأة كالظل. إن فررت منه تبعك..

ـ تبعتها ففرت..

ـ اِنس.. فالقلب لا ذاكرة له الذاكرة في الدماغ..

ـ نظرياتك دائمًا شوهاء .

ـ كون شفتي نظرياتك أنت ..

ـ تبا!

في طريق عودته من المقهى ذات ظهيرة خريفية، انتبه لأول مرة لظله الذي يسير معه، ولم يدر لماذا خطر له خاطر مضحك، كيف لم يفكر يومًا أن ينفصل عنه، ظل يتوقف ويتحرك، ويقفز على رجل مستعيدًا وضعية الخدروف لكن بلا جدوى:

ـ من تكون؟ أأنت أنا؟

ـ أنا الجانب المظلم من هذا الكون والذي تمنع عنه أنت بجسدك النور.

ـ إن هربت منك هل ستتبعني؟

ـ إلى آخر الدنيا.

يرد الظل.

جرّب الجري ثم الوقوف ثم القفز؛ بل مشى على أصابع قدميه وظل على هذه الحال مدة، راقه أن ظله بقي وفيًا للوعد الذي قطعه فلم ينقطع عنه، ولم يبتعد، أعجبه هذا الإيمان الذي سرى في روحه بأن ظله على الأقل سيظل وفيًا إن قررت بقية الأشياح الأخرى المغادرة . ظل يبدع في القفز والوقوف على أصابع رجليه ترسيخًا لإيمانه بظله .

ـ المسكين!

علق صوت بعيد.

ـ كان ينتظره مستقبل واعد!

ـ نعم، لولا صلابة رأسه

ـ تبا!

ـ با..

شاهد أيضاً

سيد أبو ليلة

العزا .. سيد أبو ليلة

  مشهد مسرحي رجلان يجلسان في سرادق للعزاء.. والصمت يعم – هي الساعة كام؟ = …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية