رائدة نيروخ تقرأ رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل

رائدة نيروخ

 

«كل الحيوانات متساوية لكن بعضها أكثر مساواة من الآخر»

قررت حيوانات المزرعة أن تثور على مالكها مستر جونز. ولكن ما الذي دفعها للثورة؟ لماذا تثور بعض الشعوب فيما تبقى أخرى خانعة؟ أيهما يعد السبب الأول لإشعال فتيل الثورات، هل هو الفقر والجوع لتكون البنية التحية (الاقتصادية) هي المحرك الأول للبنية الفوقية الاجتماعية حسب المفهوم الماركسي؟ أم أن الشعور بالظلم السياسي والحرمان من الحرية هو الدافع الأقوى لقيام الثورات؟ هل الثورات بحاجة لتهيئة مجتمعية مسبقة؟ أم أنها بحاجة فقط ليصل الشعب إلى نقطة (اللاتحمل) التي يصعب معها التعايش مع الوضع الراهن؟

يتحدث إريك هوفر في كتابه (المؤمن الصادق/ أفكار في الحركات الجماهيرية) عن دور الإحباط، فهو محفّز جدًا لتجييش مشاعر الشعب لينضم إلى حركة جماهيرية، فشعورهم اليائس من واقعهم مع إبقاء بصيص من الأمل يبقيه قادة الحركات الجماهيرية في نفوس الجموع بإمكانية التغيير والتلاعب بأحلامهم الوردية عن المستقبل الزاهر الذي سيحل بعد ثورتهم، يدفعهم إلى التفاني في بذل التضحيات في سبيل الثورة. ويشير هوفر إلى أن (الفقر) يعد محركًا آخر للحشود، على ألا يصل الفقر إلى حد مدقع مبالغ فيه، فحينها سيكون همّ الجموع هو سد رمق جوعهم عوضًا عن الاهتمام بمجريات ما حولهم.

نجد صدى هذه الأفكار في الإسقاطات الذكية التي أبدعها جورج أورويل على أحداث روايته في مرحلة (ما قبل الثورة) حيث كانت الحيوانات محبطة من الظلم الواقع عليها من قبل بني البشر ويمثلهم (مستر جونز)، وأعلنت ثورتها حين أهمل إطعامها لعدة أيّام، فانطلقت شرارة الثورة التي احتاجت إلى (محرك للجماهير) وقد تصدى لهذا الدور الخنزير ميجور العجوز، الذي قام بتوعية الحيوانات حول حقوقها واستحقاقها للعيش بكرامة وبمستقبل مزهر.

 

موللي وقطعة السكر

من الأحلام المغرقة في المثالية أن نتوقع موقفًا واحدًا للشعب من الثورة، فالمصالح تلعب دورها ها هنا وتتصارع مع المبادئ، وتتنوع ردة فعل الأفراد حسبما تقتضي مصلحتهم. فمنهم من سيخلص لثورته إخلاصًا أعمى مثل الحصان (بوكسر) الذي يتفانى في ولائه وإخلاصه لقادة ثورته، فهو يردد صبح مساء أن القائد، الخنزير نابليون (دائمًا على صواب) ويسخر بوكسر كل حياته للثورة مهما رأى من عيوبها، وشعاره دائمًا: (سأعمل بجهد أكبر). هذا الولاء الأعمى منح القادة قوة لممارسة الظلم على أبناء الثورة!

بينما رأت المهرة (موللي) في الثورة حرمانًا لها من (امتيازاتها السابقة) في عهد جونز، «فمن سيعطيها الآن قطع السكر ويضع لها أشرطة ملونة تزين بها عرفها ولتكون أيضًا رمزًا لعبوديتها؟».

موللي تمثل موقف الرافضين للثورات، الذين تتعارض مصالحهم الذاتية مع الثورة، ولكنهم جبناء لا يقوون على المواجهة، لذا يؤثرون الهرب وقد يتعاونون مع العدو ليقوموا بدور استخباراتي يمنحهم امتيازات، مثلما فعلت موللي تمامًا! هل يمكننا لوم موللي؟ أليست الثورة مغامرة في المجهول؟ لكن، ألم تكن الامتيازات على قلتها مشروطة بعبوديتها؟ هنا يعود السؤال ليلحّ علينا، أيهما أهم: الحرية وما يتبعها من فوضى وتضحيات، أم الأمن المشروط بالذل واستلاب الحرية؟ لكن، أليس هناك منطقة رمادية بين المنزلتين السابقتين؟

 

الغراب (موسى)

واعظ السلاطين وصوت الأبدية

فيما قد يقف البعض من الثورة موقفًا رافضًا لها، ويبدأ بتخدير الوعي الجماهيري من خلال دعوته لتحمل الظلم والقمع في الدنيا لقاء الأجر الأخروي، فمن يصبر له نصيب على ما صبر: حقول وبساتين وأرض وحلوى. هكذا كان يروج الغراب موسى لباقي الحيوانات الأكاذيب حتى تصبر وتكف عن حلم الثورة. الغراب موسى هاهنا يلعب تمامًا دور وعاظ السلاطين الذين يوظفون فهمهم الخاص للدين لتمرير قرارات سياسية، يفسرون نصوص الدين وفق مصلحة الطغاة، ويضفون على الخنوع صبغة قدسية. ويحضون الشعب على الطاعة العمياء لأولي الأمر. ويلوحون بعصا الوعيد الأخروي لكل من تحدثه نفسه بالثورة والفتنة. فلطالما اقترن السياسي بالديني في تاريخ البشرية!

 

الحمار بنجامين

المثقف وسياسة الحياد

لقد ألقت الخبرات الحياتية والتجارب بظلالهما على تقييم بنجامين للثورة، فقد كان مدركًا لبذور فشلها حين رأى مظاهر التسلط التي مارسها القادة. ولكنه آثر الصمت والغرق في بئر التشاؤم عوضًا عن قيامه بأي دور تنويري بحكم كونه (المثقف). هل يختلف الأمر كثيرًا عمن ينظّر من برج عاجي ويترفع عن القيام بأية محاولة قد تسهم في تطوير مجتمعه؟ نسمع كثيرًا من المثقفين ممن يتحدثون عن الشعور (بالاغتراب النفسي) بين أبناء مجتمعهم، يشتكون من استحالة فهم المجتمع لهم. وينتهي بهم الحال إلى التقوقع في شرنقة الذات والعزلة، والغرق في العدمية والشعور بعبثية الحياة، ليتحولوا إلى أساتذة لليأس! ولكن في المقابل، أليس ما يصفون به مجتمعهم هو واقع معاش لم يتجنوا في وصفه؟ لماذا عليهم أن يتحملوا هذا العبء النفسي؟ تمامًا كالمهرة الساذجة موللي التي فضلت مصلحتها المادية وقطع السكر على الثورة، ألا يحق للمثقف أن يتمتع بترفه الفكري دون أن يرافقه مسؤولية أخلاقية تجاه مجتمعه؟ ولكن لنتذكر دائمًا أن أفكار سقراط لم تنتشر، ولم يكتب لها الخلود، إلا حينما بذل صاحبها تضحيات غالية توجت ببذل حياته عندما أصر على مواقفه الفكرية ولم يتنكر لها، حين ساومه المجتمع. لقد كانت قصته عزاء لأصحاب الآراء التي تخالف الأفكار السائدة، كما وصفها آلان دوبوتون في كتابه المدهش (عزاءات الفلسفة).

 

الخراف

تمثل الخراف في رواية (مزرعة الحيوان) فئة من الجموع التي وصفها غوستاف لوبون في كتابه (سيكولوجية الجماهير) تلك الجموع التي تنقاد وتعطل عقلها وتذوب فرديتها في ظل الجماعة، وتردد بشكل ببغاوي الشعارات والهتافات بدون وعي، كما كانت تردد الخراف في الرواية: (نعم لذوات الأربعة أقدام لا للقدمين). الخراف هنا قطيع الجموع المغفلة التي تتحكم بها العاطفة وتفتقر للعلم والثقافة، ولا تمتلك ملكة التفكير الناقد لقائد الثورة، وتتصف بالجبن والخوف والغباء. هي بالمحصلة كتلة من السلبية تمنح القائد المستبد قوة بسكوتها وانقيادها الأعمى. إلى هنا أوافق غوستاف لوبون لكن هذا التوصيف ينطبق على فئة من الجماهير، لا على كل الجماهير كما عمم في كتابه ونظر لها بدونية واحتقار، فهي بنظره حركات هوجاء، وأعاد تكرار هذا التوصيف في كتابه الاخر (الثورة الفرنسية وروح الثورات) ونفى أن تكون الثورة نتيجة تفكير عميق او حاجة ملحة.

 

الصراع على السلطة 

الخنازير: سنوبول ونابليون وسكوير

لابد لكل ثورة من محرك يقود الجماهير، يمتلك شخصية قيادية، وهنا قامت الخنازير الأذكى من غيرها بهذا الدور. وبدأت بذور الشقاق والنزاع بين الثوار أنفسهم، وانقلبوا إلى معسكرات. كل منها يحاول استقطاب الجموع إليه. حتى قد ينتهي الحال برفاق الثورة إلى تصفية بعضهم جسديًا، كما حدث في الثورة الفرنسية التي أعدم فيها الثوار أصدقاءهم الآخرين: روبسبيير، ودانتون.

 

نعم للثورة لا للتضحية 

القطة في مزرعة الحيوان تمثل فئة من الجماهير التي تنتظر حصاد نتائج الثورة، دون أن تبذل أي جهد يذكر، وحينما تطالب بالتضحية تتهرب من مسؤوليتها وتتصرف بمزاجية، فحينًا تشارك الثوار ثورتهم، وحينًا آخر تختفي ولا تظهر إلا عند تقسيم الغنائم. هناك فئات من الشعب تنتظر فقط من يأمرها وتستجيب لواقع الحال، مهما كانت سيادته، فهم يميلون مع الريح حيث تميل، وتمثلهم في الرواية (دجاجات المزرعة) وفئة أخرى لا تنتمي لروح المجتمع ولا لثقافته، لذا فإن محاولات تدجينها فكريًا لتكون جزءًا من نسيج الثورة فيه هدر لطاقة الثوار، وقد رمز جورج أورويل لتلك الفئة ب (فئران المزرعة).

 

الثورة تأكل نفسها

الحرية والعدل والمساواة تلك هي ركائز مبادئ وثيقة (الحيوانية) التي اتفقت حيوانات المزرعة حولها.. لتتحور تدريجيًا إلى استبداد مطلق بالحكم، وظلم أشد قتامة من ظلم بني الإنسان، متمثلاً بشخص مستر جونز لها. فكيف تم لها ذلك!

 

أنا الدولة والدولة أنا

قالها لويس الرابع عشر مرة، وأعادها الخنزير نايليون في مزرعة الحيوان مرة أخرى، عبر تصرفاته الاستبدادية. فجعل الولاء للثورة مقترنًا بالولاء الأعمى له. وفي سبيل ذلك أقصى منافسيه عن المشاركة، فلاحق الخنزير (سنوبول) وروج حوله الأكاذيب، وجعله العدو الأكبر للثورة الذي يهدد أمن واستقرار مزرعة الحيوان. فقد جعله مثل كرة الثلج التي تكبر وتتضخم كلما تدحرجت، عَظّم مخاوف باقي الحيوانات من سنوبول، وعلق عليه أسباب كل المصائب والكوارث، ليخلق شعورًا متضخمًا في نفوس الحيوانات، بخطره، وبحاجتهم لقائد فذ مثل نابليون ليواجه هذا العدو، وبذا يضمن ولاءهم له. وهذه استراتيجية لطالما أحسن الطغاة توظيفها لتوجيه الجماهير. استراتيجية تهدف إلى خلق عدو وهمي (رجل قش) يصب عليه الجمهور جام غضبه. ويعلق على مشجبه كل الكوارث. من هنا نستطيع الحديث عن رمزية اسم الخنزير (سنوبول والذي يعني كرة الثلج) لكن علينا أن لا ننسى أن كرة الثلج مهما تضخمت فمصيرها الذوبان تحت أشعة الشمس النافذة، وكذلك كان يمكن للحيوانات تفنيد مزاعم نابليون حول خطورة سنوبول على الثورة، لو امتلكوا تفكيرًا ناقدًا وشجاعة المواجهة!

لقد امتلك الخنزير نابليون تفكيرًا استراتيجيًا عسكريًا بعيد المدى في سبيل تمكين سلطته على المزرعة، فهو يدرك أهمية (تربية الناشئة على الولاء له) و(حاجته لقوة عسكرية) مخلصة له، فقام منذ بداية الثورة «بأخذ عدد من الجراء وتربيتها على الولاء له، لتكون في المستقبل قوة تهاجم بشراسة كل من يتصدى لقائدها بالنقد!» كما منح نفسه العديد من الأوسمة العسكرية لزيادة هيبته، فلا يكفي أن تكون صاحب حق حتى تنتصر مهما كانت حججك ومبادئك حقة إن لم يساند تلك الأحقية قوة عسكرية موالية لها!

الآن وبعد أن ضمن الخنزير نابليون (تفرده في السلطة) قام بإلغاء (الاجتماعات التشاورية) بين الحيوانات وتحول إلى (الديكتاتورية المطلقة) وقام (بتقنين الامتيازات الخاصة به وبأتباعه) في شرعنة لكل خروقات مبادئ الثورة بحجة حمايتها!

في كتاب حيونة الإنسان يتحدث ممدوح عدوان عن صورة الحاكم، ففي العالم الثالث والأنظمة الشمولية لم يكن هناك أبدًا قادة أو زعماء. فيصفهم بأنهم كانوا جميعًا ظل الله في الأرض، ينظرون لأنفسهم على أنهم آلهة أو أشباه آلهة، أو قادة أسطوريون أو خلفاء أو أئمة. اختلط المقدس مع السياسي فأصبح انتقاد الساسة ضربًا من الكفر والتجديف!

وفي رواية مزرعة الحيوان يصل الأمر بالحيوانات إلى تقديس الخنزير القائد نابليون، فيصبح بفضله الماء حلوًا، وتضع الدجاجات البيض بفضله.. فهو كما يعلو نشيدهم:

صديق اليتامى

وفيض الهناء

يا منعم القوت! كم تبهر روحي

حين أنظر إليك

كالشمس في السماء.. أيها الرفيق نابليون

أنت واهب كل..

ما تحبه الكائنات

 

ببروباغندا إعلامية وديكتاتورية تجلى دهاء زعيم مزرعة الحيوان نابليون في توظيف رفيقه الخنزير سكويلر، في سبيل تمكين الديكتاتورية، ليقوم بمهام وزير للدعاية والاعلام، مهمته ترسيخ حكم الطاغية الجديد، من خلال تخويف الشعب بشكل مستمر من عودة مستر جونز. فإما أن ترضى مزرعة الحيوان بحكم الخنزير نابليون مهما كان مستبدًا، أو عليها أن تعود لسيرتها الأولى تحت حكم البشر، قانون الوسط المرفوع حيث لا مكان للحلول الوسطى يلوح لنا!

سياسة الترهيب والعزف على وتر مخاوف الشعوب من العودة للوراء كثيرًا ما يعزفه وزراء الدعاية، ليضمنوا خنوع الشعوب، هنا لنا أن نسأل: هل يختلف الحال إن كان العدو خارجيًا عما إذا كان هناك ظلم داخلي؟!

لماذا نرى أن مقاومة الاستعمار أمر شرعي فيما مواجهة الحكام الطغاة من أبناء البلد نفسه هو أمر خاضع للنقاش والاختلاف، بل والتحريم أحيانًا! أليس الظلم ظلمًا مهما كان مصدره!

نعود للرواية؛ وفيها يستمر الخنزير سكويلر في ترويج الأكاذيب بكل وقاحة، ليصل به الأمر إلى تزوير وقائع بعينها! مثل إنكاره لدور الخنزير سنوبول في معركة حظيرة الأبقار، رغم أن جميع الحيوانات قد شهدت على بطولته وجراحه. لكن سكويلر يكذّب ما شاهدوه بأم أعينهم دون خجل، ويختلق قصة مكذوبة عن تعاون سنوبول مع العدو، وإن ما كان هو تمثيلية منه!

يستمر دور البروباغندا الإعلامية في ترسيخ حكم الطغاة، حيث تروج لفكرة أن الشعب عاجز ولا يستطيع إنجاز اَي شيء بدون قيادته الرشيدة!

التشكيك بقدرات الشعب ومؤهلاته قد صدقها البعض، وبات مؤمنًا أنه بدون قيادته سيفنى!

 

الكلمات.. آه من الكلمات إنها كل شيء!

هكذا صرح «دامتي» في رواية أليس في بلاد العجائب عن قوة الكلمات، والعاملون في الحقل الإعلامي والدعائي هم أكثر الناس معرفة بقوة الكلمات ومفعولها. فها هو سكويلر يحرف مبادئ الحيوانية التي اتفق عليها سابقًا بشكل مخادع، فيبقي العبارة كما هي ثم يضيف كلمة أو كلمتين لتقلب المعنى، لكن دون أن يحدث تغيرًا جذريًا يلفت النظر لذلك التحول في تركيبتها، ليبرر للطغاة امتيازاتهم التي تخالف روح الثورة، فبعد أن كان من مبادئ الحيوانية (يمنع على الحيوانات شرب الخمر) أضاف لها كلمتي (حد الثمالة) ليبرر شرب الخنازير للخمر!

وبعد أن كانت (كل الحيوانات متساوية) أضاف لها (إلا أن بعضها أكثر مساواة من الآخر). وبعد أن كان يمنع على الحيوانات النوم على الأسرة، أضاف لها كلمة الملاءات ليبرر نوم الخنازير على الأسرة لكنهم لا يستخدمون الملاءات!

لا يتوقف دور الدعاية على تحريف الشعارات، بل تطلق الدعوات للقيام بمشاريع تستنفد كل جهود ساكني مزرعة الحيوانات، بغية إلهائهم عن سياسة الحاكم. وتحثهم على (بناء الطاحونة) التي هدمت مرارًا وأعادوا بناءها، ثم تهدم ثم يعيدون البناء، وكأنها صخرة سيزيف. لم يتوان سكويلر عن الترويج لأرقام كاذبة حول نسبة ازدهار المجتمع، ومعدلات الإنتاج، فيما الشعب يرزح تحت خط الفقر والجوع. تمامًا كما حدث في رواية جورج أورويل الديستوبية أيضا (١٩٨٤).

لا تتوقف عبقرية سكويلر عند هذا الحد، بل قام بتحويل العداء من معسكر لآخر وفق مصالح القادة وتبرير ذلك إعلاميًا. وذلك عندما تحدث عن ضرورة الحلف الإستراتيجي مع مزرعة روتشفيلد، ليعود مرة أخرى حين قلبت موازين القوى، فيتحدث بالسوء عن روتشفيلد، ويتوجه للتحالف مع قوة مضادة لها!

الإعلام لا يخجل أبدًا، ولا يتوانى عن اقتراف أي جرم معرفي، أو استخفاف بالعقول، في سبيل الترويج لمصلحة أتباعه، مكيافيلية مطلقة هي ما تحركه! القوة الإعلامية لا تقل أهمية لأية ثورة من أهمية القوة العسكرية، فبدونها لا يمكن توجيه الرأي العام.

الثورة في مزرعة الحيوانات أكلت نفسها، وتحول الثوار إلى طغاة جدد يعدمون كل مخالف لهم، وسادت عقلية الاٍرهاب والدولة البوليسية، وبث الجواسيس بين المواطنين. وهذا ما أشار إليه إريك هوفر في كتابه (المؤمن الصادق) عندما ذكر أن من تقنيات التحكم بالجماهير تحويل كل منهم إلى جاسوس، يرفع التقارير عن أصدقائه ومعارفه، ويجازى على ذلك. ليس هناك أصدقاء.

في ظل هذه الأجواء السوداوية القاتمة في مزرعة الحيوان؛ استلزم الأمر ثورة مضادة، فلماذا سكتت الحيوانات ولم تثر مرة أخرى؟! رغم كل هذه الفوضى التي تبعت الثورة، التي وصفها أورويل، هل هذا يلغي مشروعية الثورة؟

أليس لدى الكثيرين منا تصور مثالي عن هذه الثورات؟ وتخيلها كعمل بطولي خالٍ من الخلافات والانشقاقات والخيانات والمؤامرات والدسائس، بل وحتى من التضحيات؟

أليس البعض يتحدث عن خسائر الثورات المادية، فهو يفترض أن تغييرًا جذريًا سيطيل المجتمع دون أن تراق اَية قطرة دم؟!

تاريخ الثورة الفرنسية، والتي تعد أيقونة الثورات في العالم، كان حافلاً باضطرابات سياسية امتدت طيلة 50 عامًا أو أكثر، من عام 1789 إلى عام 1870. وما رافقها من أهوال مثل مجازر سبتمبر، وإعدامات بالمقصلة، والتنقل بين أكثر من نظام للحكم، من: مجلس اشتراكي ومجلس العهد والحكم الإمبراطوري مع نابليون، ثم الحكم القنصلي، وثم عودة الحكم الملكي ممثلاً بلويس الثامن عشر، ثم ثورة على النظام الملكي وعلى شارل العاشر في عام 1830، ثم إعلان الجمهورية في عام 1848، ثم عودة الإمبراطورية في عام 1852، وخلع الإمبراطور لويس نابليون في عام 1870، وإعلان الجمهورية مرة أخرى. وكلها اضطرابات مرت بها فرنسا بعد الثورة. فهل هذا يعني فشلها؟!

 

لكن ما معيار نجاح الثورات أو فشلها؟

وإن كانت الثورة ستأكل نفسها، فهل هذا يعني أن نبقى على حالنا؟ ونبرر ذلك بما ختم به أورويل روايته في تحول الثوار إلى طغاة (لم نعد نعرف من الخنزير ومن الإنسان).

قد يفضل البعض ربط الرواية بنقد الشيوعية، ورمزية كل شخصية بشخصيات النظام الشيوعي كستالين وغيره، إلا أن عبقرية الرواية تظهر حين نلمس تشابهًا كبيرًا بين واقعنا وبين مزرعة الحيوان التي تبدو كأنها حظيرة ممتدة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

 

مزرعة الحيوان

شاهد أيضاً

رائدة نيروخ

تحت مقصلة الوهم .. رائدة نيروخ

  مراجعة لرواية «أساتذة الوهم» للروائي علي بدر   إن كان دون كيخوته قد اختلق …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية