رائدة نيروخ تقرأ «جسر على نهر درينا» للكاتب إيفو أندرتش

رائدة نيروخ

 

البوسنة والهرسك بلد الجسور والقناطر والأنهار

«وعلى الجسر وما حوله تنطلق أولى أحلام الحب، وأولى الغمزات العابرة، هنا تتم أولى الصفقات، وتقوم أولى الأسواق، هنا تقع المشاجرات والمصالحات، هنا اللقاءات والانتظارات».

تمضي بنا جسور الأدب إلى عوالم من الدهشة، أكوان من الجمال المخبوء بين الكلمات، تنسج قصصًا بألوان الطيف عن شتى الحضارات، تسبر عميقًا أغوار النفس الإنسانية.

حظي الجسر بحضور بارز في الآداب العالمية والموروث الإنساني الشعبي، فقد تصدرت كلمة (الجسر) عناوين عدد من الروايات والقصائد لما تحمله تلك اللفظة من دلالات رمزية عميقة. فهذه رواية ميشال زيفاكو «جسر التنهيدات»، وتلك رواية «جسر على نهر كواي» التي حصد الفيلم المستوحى من أحداثها عدة جوائز أوسكار. ويطل علينا كافكا بقصته القصيرة السيكولوجية «الجسر»، بينما تحمل رواية الكاتب الألباني إسماعيل كاداريه العنوان نفسه «الجسر»، ويبدع عبد الرحمن منيف رواية «حين تركنا الجسر». فيما حملت قصيدتا الشاعرين محمود درويش وخليل حاوي عنوان «الجسر».

جسر نهر درينا

 

أرتحل في عوالم الأدب إلى جسر (محمد باشا سوكولوفيتش) مع رواية الأديب اليوغسلافي إيفو أندرتش، أتأمل أرض الأنهار السبعة وجسورها الشامخة. أنصت بدهشة المتعطش لحكايات وقصص من غابر الأزمان. أحدق إلى موطنه بعيونه الروائية وهو يعيد تشكيل تاريخ البوسنة والهرسك بذاكرة محملة بثقل الماضي الحضاري والتوجس مما هو آتٍ. أصغي إلى شدو أغنياته على جسر نهر درينا. في بلد كان هو بوابة الشرق إلى الغرب.

«يمثل الجسر في دلالته الرمزية رغبة التجاوز والانتقال والعبور بين عالمين متناقضين».

تحمل العتبة العنوانية لرواية «جسر على نهر درينا» دلالات رمزية ذات أبعاد نفسية. فالجسر عند فرويد يعبر عن حالة انفصال بين طرفين، ورغبة قوية في التواصل والانتقال من ضفة إلى أخرى. تلك الرغبة الملحة في تجاوز الإنسان لعقبات لم يقف أمامها مكتوف اليدين. بل سعى بكل ما يمتلك من دراية وخبرة للتغلب عليها وتطويعها لما فيه خيره. ففي الضفة الأخرى تكمن أحلامنا وآمالنا التي نسعى إليها. يمثل الجسر في أحد تجلياته الرمزية مرحلة انتقالية بين عالمين متضادين. بين الأمن والخوف، والحب والكره، بين الشباب والشيخوخة، بين العلم والجهل، بين الأنا والآخر. لكن لا جسر أولى بالبناء من جسر يمده الإنسان بين عقله وقلبه، بين ظاهره وباطنه. وبهذا يتحقق التناغم في مكنونات النفس البشرية المتدافعة، عوضًا من أن يحيا أشتاتًا ممزقة. فقد نمضي حياتنا مهرولين بين شطري ذاك الجسر. فماذا ينفع أحدنا إن كسب العالم وخسر نفسه التي لم يمد إليها جسور التواصل؟

«كل بناء له هدف لا ينفصل عن البيئة التي شُيّد فيها. وليس منفصلا عن حاجاتها ورغباتها وأفكارها.. وإن أعظم إنجازات الإنسان هو إقامة جسر الصلة والتفاهم والحب» ـ إيفو أندرتش

هذه الدلالة الرمزية للجسر تفسر لنا احتضان جمهورية البوسنة والهرسك لمئة وواحد وعشرين جسرًا عثمانيًا. من أشهرها جسر مدينة موستار القديم، وجسر محمد باشا سوكولوفيتش، أو ما يسمى بجسر نهر درينا الذي حملت الرواية اسمه. ولعل في إدراجهما بقائمة منظمة اليونسكو للتراث العالمي ما يشير إلى أهمية الدور الحضاري لهما، عدا عن روعة هندستهما المعمارية التي أبدعها مهندس الإمبراطورية العثمانية المعمار سنان خوجة آغا، في نهاية القرن السادس عشر. فالموقع الجغرافي الذي توسطته البوسنة والهرسك جعل منها نقطة اتصال بين الحضارة الشرقية متمثلة بالإمبراطورية العثمانية والحضارة الغربية الأوروبية. ولا يخفى خطورة هذا الموقع حين يدب الخلاف ويتحول الأشقاء إلى أعداء.

يقول إيفو أندرتش: «إن أحدًا لا يعرف ما يعانيه امرؤ يولد ويعيش على الحد الفاصل بين عالمين يعرفهما ويفهمهما، وليس بوسعه فعل شيء ليجعلهما يتصارحان ويتقاربان ويمضي حياته وهو متردد، يعيش في وطنين، لا يملك أيا منهما. تعيش على الحدود. حدود فكرية وطبيعية وحدود دموية قد نشأت نتيجة سوء تفاهم بين البشر». هنا تحولت الهويات إلى هويات قاتلة على حد توصيف أمين معلوف، وتحققت نظرية صموئيل هنتنغتون في صدام الحضارات حين ساد التعصب الأعمى.

لعل مسيرة الكاتب، ذي الأصول الكرواتية والنشأة البوسنية والإقامة الصربية، خير دليل يعكس طبيعة التنوع العرقي في البوسنة والهرسك. هذا التنوع هو ما دفعه ليبدع رائعته الروائية «جسر على نهر درينا» ليمد بها جسور المحبة والحوار بين أبناء البلد الواحد. ويقيم صلات بين ماضي بلده الذي كان تحت مظلة الدولة العثمانية وانفتاحه على الغرب لاحقًا.

«إن مصير الجسر ومصير المدينة قد بلغا من التداخل، أن من يحكي قصة أصل هذا الجسر وقصة مصيره، يحكي في الوقت نفسه قصة حياة المدينة وسكانها من جيل إلى جيل».

تدور أحداث الرواية حول جسر نهر درينا. بل لا نجانب الصواب أبدًا إذا قلنا إن بطولة الرواية المطلقة هاهنا هي لهذا الجسر الحجري! ثلاثة قرون مضت منذ تشييده في عام 1571. فهو العقدة اللازمة التي تربط بين البوسنة والصرب. وتربط من خلال الصرب بين البوسنة وسائر أجزاء الإمبراطورية العثمانية حتى إسطنبول. فهذا الجسر لا تبدله عوادي الزمان بحوادثه وناسه.

انفعالات شتى تنتاب القارئ وهو يتأمل كل شخصية من شخصيات الرواية التي ناهزت الثلاثين.

لكن ما الذي دفع الكاتب إلى سرد هذا الكم الهائل من الشخصيات في روايته على امتداد ثلاثة قرون؟ ما الذي يجمع بينهم؟ تبدو الرواية بشكلها هذا كلوحة فسيفسائية من قصص متعددة تكوّن في نهاية المطاف مشهدًا متكاملاً لمدينة فيشيغراد. تنطوي هذه الحكايات المتنوعة لشخصيات قد تصل إلى حد التناقض والتصادم مع الأخرى على إشارة رمزية لتعدد الأعراق واختلاف طبيعتها التي تكون بنية المجتمع البوسني، من صرب أرثوذكس وبوشناق مسلمين ويهود وكروات كاثوليكيين وأتراك وغجر. هذا التنوع الذي كان ميدانه الأول هو جسر درينا. فهو وحده من جمعهم على اختلاف مللهم ونحلهم وتركيبتهم.

تعكس الرواية عددًا من الحكايات والأساطير التي رافقت بناء الجسر. فالإنسان يميل إلى تفسير ما يعجز منطقه عن فهمه إلى ربطه بمنطق أسطوري خارق مفارق لواقعه، يخفف بها من صدمة الوعي بالعالم وقلق التعامل مع أحداث مجهولة.

«إذا كنا نريد التوغل في أعماق حضارة ما، ومعرفة الدوافع الخفية التي تشكل بداية المؤسسات الاجتماعية سيتوجب علينا تحليل أساطير هذه الحضارة» ـ العالم النفسي كارل يونغ

تحفل الرواية بأساطير وحكايات شعبية. تتناول قصص الجن الذين كانوا يفسدون ما يقوم به الرجال من أعمال بناء الجسر نهارا، وليس من رادع لسطوة الجن سوى دفن توأمين رضيعين في عمودي الجسر المركزيين. وما الكوات الصغيرة في أعمدة الجسر والسائل الكلسي الأبيض الذي يرشح منها، سوى حليب الأم التي تأتي لإرضاع طفليها من تلك الكوات الصغيرة. هذه الأسطورة نجدها أيضًا في رواية الكاتب الألباني إسماعيل كاداريه «الجسر». التي يحكي فيها قصة بناء جسر فوق نهر أويان في ألبانيا، ويتردد صداها في قصة بناء جسر لندن، تقول الأسطورة: إن الأطفال كانوا يدفنون في أساسات الجسر من أجل إرضاء إلهة الماء. بعد أن تُرش حجارة الأساس التي بناها بيتر كوتشرتش بين 1176 و1209 بدماء الأطفال.

يتجلى البعد الأسطوري للجسور في موروث شعوب البلقان في نظرتهم التي تحمل طابعًا مقدسًا للجسر، فليست الجسور ـ حسب موروثهم ـ سوى أجنحة الملائكة التي بسطتها ليعبر من فوقها بنو الإنسان. لذا فلا خير يقابل في الثقافة البوسنية مثل بناء جسر فيه منافع للناس، ولا خطيئة شر من هدمه!

تجدر الإشارة إلى أن لكل عرق في البوسنة والهرسك قصته الأسطورية الخاصة به لتأويل الحدث نفسه وفقا لخلفيته الاجتماعية والدينية والفكرية، حتى وإن شارك غيره المحيط الجغرافي. فبينما يعزو الصرب آثار الأقدام المحفورة على الضفة اليسرى للنهر إلى حصان بطلهم القومي. يقول البوشناق إن تلك ما هي إلا آثار حصان سيدة تقية.

تشير الأساطير في أحد مستوياتها في الرواية إلى طبيعة التفكير الغيبي الذي ينتظر قوى خارقة لتنقذه من مأزقه. هذا التفكير الاتكالي يمنح النفس فرصة للتخفف الأخلاقي من مسؤوليتها ومن القيام بما يتوجب عليها من جهد. فعندما احتلت إمبراطورية النمسا المجرية البوسنة في عام 1878 انتظر الشعب خروج أحد الأولياء أو القديسين من قبره ليأخذ بثأرهم!

«وكان يبدو هذا الجسر الأبيض القديم الذي اجتازه الناس خلال ثلاثة قرون من دون أن يبقى منهم فيه أثر، على حاله لم يتبدل حتى في عهد الإمبراطور الجديد، وانه ينتصر على هذا الطوفان من الأشياء الجديدة، ومن التبدلات، كما انتصر من قبل ذلك على أكبر فيضان، وخرج منه في كل مرة سليما وناصعا ما مسه من أذى».

هذا الجسر الذي نشرت على أعمدته منشورات عثمانية وأخرى نمساوية مجرية تعلن سطوتها. تتعاقب عليه ثورات وحكومات ويبقى الجسر كما هو حاضرًا بكل ألقه وتاريخه وقصصه وحكايات عابريه.

هذه الديمومة للجسر تعكس فلسفة تنطوي على الشرط الضامن لبقاء التعايش بين أبناء المنطقة. المتمثل بمد جسور التسامح والتواصل.

ينسج الكاتب روايته من خيوط يتداخل معها الحدث التاريخي لبناء الجسر والأحداث السياسية مع خيوط الخيال الأدبي. ليترك للقارئ مساحة التفكير ليتساءل: أين حدود الخيال من الحقيقة فيما كتب؟

لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الأدب وثيقة تاريخية لحدث ما. وإنما يوظف الأديب الحدث التاريخي وفق منظوره الشخصي الذي لا يخلو في الكثير من الحالات من تحيزات ذاتية قد تجانب الموضوعية أحيانًا. أو يضفي على الحدث مشاعر وعواطف تلقي بظلالها على رؤيته للحدث. فذاكرة الإنسان تعيد تشكيل الأحداث وتصوير الأماكن وفق مخزونها العاطفي.

هذه النقطة التي انطلق منها المفكر والرئيس السابق للبوسنة والهرسك، علي عزت بيجوفيتش، في مأخذه على كاتب رواية جسر على نهر درينا في تحوير بعض الحقائق التاريخية، فقد ذكر أندرتش أن العثمانيين قد استولوا على الأراضي التي بنوا عليها الجسر. بينما هناك مواثيق وعقود بيع توثق عملية البيع والشراء ومحفوظة في السجلات الحكومية للدولة. ولكن هذا لا ينقص بطبيعة الحال من روعة الرواية. يقول بيجوفيتش: «من روايات أندرتش ربما يمكننا أن نتعلم عن الناس بشكل عام، وكيف يمكن أن يكونوا، ولكن ليس كما كانوا تحديدًا. عندها يكون لأعماله قيمة فلسفية، ولا أهمية لما نسميه التاريخ الداخلي لعصر ما».

الرواية تعج بفلسفات عدة وتتطرق للعلاقة بين المستعمَر والمستعمِر. وهي علاقة جدلية حول حجج الطرف الأقوى في تبرير الاحتلال بغية تطوير البلاد المتخلفة وإلحاقها بركب الحضارة وخصوصا إن كانت حضارة الرجل الأبيض. فالاحتلال النمساوي المجري للبوسنة عمل على تطوير البلاد ومد السكك الحديدية التي سلبت من الجسر مركزيته وأهميته. وافتتحت المكتبات والمدارس، وانتشر التعليم وإضاءة الشوارع، وانتشرت المباني الحديثة ذات الطابع النمساوي في الأحياء والطرقات، وسادت المقطوعات الموسيقية النمساوية. ولا يخلو هذا التحديث من تهديد لخصوصية الثقافة الشعبية للبوسنيين. فرقصة الكولو الريفية التي تجمعهم هل ستصمد أمام رقصة الفالس؟ هل يمكن أن تحدث عملية التلاقح الحضاري دون أن يفقد أحد الطرفين هويته الذاتية؟ حتما الأمر هنا معقد تحكمه عوامل القوة والانبهار بالآخر أو ازدرائها، لكن المغلوب يميل بطبعه إلى تقليد الغالب كما يقول ابن خلدون في مقدمته.

قد يكون الوقوف فوق جسر نهر درينا الذي أعيد ترميمه مؤخرًا بعد الحرب الأخيرة في البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن العشرين. وقراءة بعض من صفحات الرواية هو الحلم الذي يراود قارئ هام بسحر جمالها مرددًا مع إيفو أندرتش:

«كانت الأجيال المتعاقبة تعلم أن على المرء ألا يسرف في الحزن لما يحمله ماء درينا المصطخب من شقاء.. وهناك تبنوا تلك الفلسفة اللاشعورية التي تدين بها المدينة الصغيرة، وهي أن الحياة معجزة لا تُفهم، فهي ما تنفك في تبدد وذوبان، ولكنها تبقى وتستمر قوية كالجسر على نهر درينا».

 

جسر على نهر درينا

* الأردن.

شاهد أيضاً

الذئاب على الأبواب رواية جديرة بالمطالعة .. حميد الربيعي

  أحرص دائمًا على التواصل مع الأستاذ أحمد خلف، سواء بالزيارات الشخصية أو متابعة أخبار …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية