رائحة الجلد المحترق .. نادية شكري

نادية شكري

كان أنفى يدلني إلى المكان، الطرقات الطويلة المتعرجة، التي لا تنتهى، كنت أقطعها بسرعة، وشئ كالهدف الثابت يشدني، يستحث خطوي، أما قدماي فقد حفظتا الطريق.

بداخل العنبر الكبير كانت العربة الزجاجية، ذات القوائم المعدنية والعجلات، تحمل ملء طابقيها لفائف الهدايا، ومعجون الحلاقة وكريمًا محليًا للحلاقة، وماء عطريًا أيضًا لما بعد الحلاقة، كلٌ في لفافة، يشتبك طرفاها بشريط حريري أحمر، نفس النوع الذي تتأنق به الكلبة الجريفون البيضاء، بحزامها الجلدي الفاخر وشعرها الكثيف يخفى عينيها، وهى تتمسح في أقدام السيدة التى كانت توزع الابتسامات مع اللفائف على الجند، تتسمر لثوانٍ عند كل سرير، تنظر في نجومية للمصور حتى يلتمع الفلاش فى يده.

تمهلت للحظات حتى انتهى موكب سيدات المجتمع بمصوريه وصحافييه.. تقلصت معدتى ثانية وشق على الابتسام وأنا أومئ بتحية الصباح للراقدين أمامى.. ترد عليّ عيون الرجال فى وجوم مغترب.

تبلورت أمامى رائحة الجلد المحترق، وأصبح لها ملامح وأبدان.. رائحة الجلد الذى لم ينطفئ لهيبه بعد.. امتد الصمت حولى سلسلة حديدية كادت أن تطوق عنقي.

فى رحلاتنا المدرسية، حين كنا نتزاحم حول أهرامات الجيزة، وخصوصًا الهرم الأكبر، نتلصص على ما تركه ملوك العصر الغابر، لم أستطع وقتها دخول هرم خوفو، فرائحة الموت والقدم طغت على الشموخ وانتصرت على عظمة التاريخ، وبدأ صدرى يفرغ بالونات الهواء فأخرجونى ولم أعاود دخوله بعد ذلك قط.

لكن هنا؛ اعتاد أنفي على رائحة الحريق، وبرغم الاختلافات المفترضة بينهم جميعًا، إلا أن ملامحهم باتت متشابهة، شوّه النابالم وحريق الحرب الوجوه الشابة، الأعين تتحرك وتلتمع خلف دوائر منتفخة، الوجوه متورمة، البقع الحمراء الفاتحة والداكنة تنتشر مع درجات من الهالات السوداء، القشور الجلدية التى سقط بعضها وتبقى البعض الآخر منها في تشققات وخصوصًا على الذقن كتلك التي يفعلها الجفاف بالأرض.

يلقى أحدهم بمزحة فينتفض قلبى من القهقهة التي يكتمها الرجال خوفًا من الألم، ورؤوسهم حليقة تلفهم السمرة وندرة الكلام.

الرائحة كانت تسير على قدمين حتى نهاية الردهة، عشرون سريرا قبالتى تفشل كل نباهتى في التعرف عليهم إلا من أرقام أسرتهم، أو مكانها في العنبر.

كان طعام الإفطار قد أُحضر في انتظار وصول بقية زميلاتى المتطوعات، لنقم بتوزيعه وإطعام الجنود. بدأت فى تقطيع الخبز المغموس وأضعها في فم مصطفى، حسب قدرة فمه على الاتساع، وقدرته أيضا على البلع. بين لقيمة وأخرى كان يئن أو يصرخ أو يتمالك نفسه فاتحًا فاهه وقد أغمض عينيه، فيصب على معدتى ألمًا يكفيني زادًا لأيام طوال.. بعد قليل قال: اللقمة مش عارف أبلعها.. قطعة طماطم ممكن؟

قلت له متخوفة: لكن… فقاطعنى بحسم غاضب: مش مهم.

أمسكت بالسكين أمزق ثمرة الطماطم وكأننى أبقرها. مزقتها قطعًا صغيرة علّنى أمزق معها حيرتى وعلامات الاستفهام الكثيرة التى يعج بها رأسى. ناولته قطعة فأخرى بالشوكة، فسال بعض مائها مع لعابه إلى ذقنه الملتهبة فصرخ، قلت له: ألم أقل لك؟

فى هذه الأثناء كان صراخ رئيس القسم يصل إلينا عاليًا مع تزايد الضجيج خارج العنبر. الكل يجرى فى كل اتجاه، أصوات لأشياء تجر وصوت عجلات أسمع صريرها ترج الأرضيه.

خرجت أستعلم عما يدور بالمشفى العتيق، وصلني صوت أحدهم: سيارات أخرى آتية.. الجرحى أصبح عددهم أكثر من الأسرة والأماكن.

أسمع صفق أبواب العربات العسكرية، وناقلات الجند تفتح وتغلق فى عجلة، المحفات يحملها العاملون ويسير من المصابين من يقدر على السير، يتحامل حتى يصل حيث عنبره. تمر أمامي صور سيدات المجتمع بفلاشاتهن وابتساماتهن. اتجهت إلى جندي كان يحجل بقدم واحدة، قلت له: استند عليّ لا يهمك. أخبرتنى تقطيبات وجهه الشاردة وكزِّه الدائم على أسنانه أن هناك شيئًا آخر غير الألم.. كان فى نفس طولى، أعطيته كتفى وذراعي وأنا قلبى يكتم بكاءه، وصل إلى مسامعي أسماء مدن القناة، الدفرسوار، الإسماعيلية، سألت المصاب المتحامل عليَّ: من أين أتيت؟ رد في هدوء دون أن ينظر إلى وجهي: من جهنم الحمرا.

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية