رؤية الرائحة .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

إذا كنت قادمًا من الشمال ستفاجأ قبل دخولك للمدينة بمزبلة كبيرة جدًا. من بعيد، وقبل أن ترى ركام الأزبال، سترى أدخنة متصاعدة إلى السماء من جراء حرق بعض المتلاشيات؛ إنك تحديدًا ستراها بأنفك قبل أن تراها فعليًا بعينيك الصغيرتين والعجيبتين، فعلى بعد كيلومترات من المزبلة تخنق رائحة حرائق الأزبال فيها مناخر الجميع، بشرًا كانوا أم حيوانات.

حين ستصل المزبلة سترعب أشد الرعب مما يخلفه سكان مدينة صغيرة من أزبال. لا شيء لا يمكن تخيله هناك فوق ذلك الركام الذي يتصاعد كل يوم.

قال لك الذي يرافقك بالجنب في الحافلة:

ـ أتدري كم من ثري خرج من هذه المزبلة؟

لم تكن في حاجة لأي حديث، فقد بدأ رشح مزعج بالظهور على أنفك من جراء الرائحة، ثم أنك فكرت أن لا معنى أبدًا لملاحظة من يجلس جنبك، فأي ثراء يمكن أن يخرج من هنا؟

ظلت الرائحة بعد أن غابت المزبلة ولم يعد الدخان المتصاعد منها يظهر، شعرت أن الرائحة سترافقك لأيام طويلة، فقد بدأت تشعر أنها على يديك، وقميصك، وقدميك، وصدرك الهزيل، وشعر رأسك…

اللعنة.. قلت بهمس .

سمعت شخصًا آخر يرد عليك:

ـ كيف يمكن أن تكون مزبلة على مدخل مدينة؟

لم تستبن من رد عليك. كان من يجلس جنبك نائمًا، ومن على يمينك مشغولين بدردشة خافتة بينهما. أطللت برأسك فوق المقاعد أمامًا وخلفًا ولم يظهر أن هناك من يهتم بالحديث معك. فكرت أن الرائحة بدأت تفعل مفعولها، خصوصًا أنك تذكرت تلك الحكايات التي أبطالها ـ من كثرة  إدمانهم الشديد ـ يتخدرون بالروائح الكريهة .

لكني لست مدمنًا على أي شيء أبدًا.. طمأنت نفسك وقمت بزم منخريك أكثر كي لا تنفذ منهما الرائحة .

لسبب ما توقفت الحافلة، لقد توقفت تحديدًا في مكان اشتدت فيه الرائحة. لاحظت أن المكان الذي توقفت فيه الحافلة الرائحة فيه أكثر إزعاجًا من الأماكن التي كانت قريبة من المزبلة، لم تفهم هذا الخطأ الفيزيائي أبدًا، فكلما ابتعدنا عن مكان الرائحة كلما قل تشممها، لكن لا وقت كان لك كي تفهم هذا الخطأ فقد انشغلت بزم منخريك. اعتقد الركاب أن الحافلة توقفت لتركب أحدًا ما أو لتنزله لكن الأمر كان مختلفًا تمامًا.

سائق الحافلة وهو يتحدث مع الكريسون عض لسانه؛ هذا كل ما في الأمر.

بفعل الضحك وعدم التحكم في طريقة الكلام عض السائق لسانه حتى سمع الركاب في الصفوف الأولى صرخته. تمدد السائق جنب الحافلة في شبه غيبة. نسى الركاب أمر الرائحة قليلاً، لكن بعد أن طال وقوف الحافلة، وتأخر مجيء سائق بديل عن الذي عض لسانه، هجمت عليهم الرائحة كأنها جيش من الجراد.

إنها جيش من الجراد.. هذا ما سمعته، لكنك حقيقة لم تكن تسمع إلا وشوشات قريبة من أذنيك لا تفهم دلالاتها.

ما كنت تراه هو جيش من الجراد حقًا، لم تفهم كيف يمكن للرائحة أن تتحول إلى شيء يتم النظر إليه. ما شممته من عطن ونتانة رأيته جرادًا قادمًا من بعيد في خط واحد وطويل ليهجم على  الحافلة. كنت خارجها قرب السائق الممدد تزم أنفك حين رأيت لوحدك جيش الجراد قادمًا بكل جبروته. التفت إلى الواقفين جنبك فما رأيت منهم أحدًا يهتم بغير السائق، كلهم كانوا يضعون أياديهم على أنوفهم ويشفقون على حال السائق، لكن لا أحد منهم كان ينظر إلى الجراد. أردت أن تنبههم فقلت دون أن تعرف لم قلت ذلك:

ـ ضعوه على جنبه كي لا يبتلع لسانه .

هذا ما فعلوه تمامًا، لكنك لم تعرف لم قلت هذه العبارة بدل أن تقول العبارة التي فكرت فيها:

ـ  اهربوا الجراد قادم .

رفعت عينيك إلى السماء فبدا أن جيش الجراد كان سحابة من دخان المزبلة تحركت سريعًا بسبب هبوب رياح شمالية ألحقتها بالحافلة. ضحكت مما فكرت فيه، وسخرت حتى انتبه الواقفون جنبك إلى ابتسامتك من قضية الجراد هاته.

لكن السحابة كانت جيشًا من الجراد .

حتى بعد أن وصلت إلى المدينة، بعد استبدال السائق، كنت تكرر هذه العبارة. أسمعت صديقك القصة عشرات المرات. كنت تصف له المشهد بدقة، وتظهر له كيف اصطف الجراد، وتقدم في حركات متناسقة جهة الحافلة. صديقك لم تكن الدهشة هي ما تلفه، بل لفه حال من اللافهم، وظلت عيناه تراقبان حركات يديك وهما تقلدان طيران الجراد الذي تحكي عنه. حين لم يعد الأمر محتملاً صفعك صديقك برفق :

ـ ماذا بك يا ابن العاهرة؟

ـ لا شيء.. مجرد تعب، وحكايات غير مفهومة تلف رأسي.

ـ ما قصة الجراد هذه؟

ـ ألم تر جرادًا أنت؟ عليك اللعنة …

ثم أخذت صديقك من يديه، وتقدمت به جهة النافذة :

ـ انظر إلى ذلك الجراد هناك، تلك التي تحمل حقيبة، وذلك الذي يسوق السيارة، الأطفال هناك، أصحاب المحال، المتسوقون، البائعون، هناك تلك السيدة السمينة وصديقها القبيح  …

لم تتوقف عن الهذيان حتى سقطت أرضًا .

في الصباح كان صديقك بحجم مئات من الجراد المتجمع على شكل جسد بشري .

الهذيان والمرض النفسي يبدأ غالبًا برؤية الحشرات.. قال لك الطبيب النفسي، ثم أضاف:

ـ عليك بأمرين اثنين كي تعالج، أولاً أن تربي الحشرة التي تراها كي تتآلف معها، وتراها كائنًا يستحق الحياة، وثانيًا أن تشرفنا في جناح المجانين كي يقنعك باقي المجانين بما يرونه هم وتتخلى عما تراه…

أخذت منه أسماء الأدوية التي تحتاجها، لكنك لم تشتر غير قطعة حشيش  سيئة .

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية