د. جمال الدين حريفي يقرأ “أوتار النزيف”

عبد العزيز أبو شيار

على سبيل التقديم:

“هي تغريدة روح حبيس ضاق بصلصال الهوان فأشعل الحرائق في رمـاد اليأس ثم أفـرد جناحيـه فوق واحات الحلم. شاعر وطائر.. يرفع فوق كل حلم ظل.. روح جريح منكسـر.. لكنـه.. قوي، متمرد وثائـر.. روح نسـر تسكن روحه.. أو روح أسـد جريح، وليس أقوى من أسـد جريح. والشاعـر/ النسر يسمو فوق جرحـه ويعلي فوقه صوتـه ليزرع في السراب نخيلاً من الكلمات، ويفجر في اليباب أعينًـا للسياحين العطاش لعيـون الشعر”.

فرادة العنوان:

أول آيـة لتميز الديوان الشعري للأستاذ أبو شيار تطالعك في عنوانـه “أوتار النزيـف”. فقد وفق الشاعر في تركيبـه مـن رمزيـن قوييـن ومعبريـن عـن واقع حال ما يعتمل طي ضلوعـه من يأس وأمل، وما يعتمل في الواقع من مآس وتطلعـات وأحلام .

الأوتار تحيل على النغـم/ والنزيـف يحيل على الألم

الأوتار موسيقى/ والنزيف جراح

الأوتار شدو وغناء/ والنزيف بوح وبكاء

الوتر لسان العود والقيثار والهجهوج والكمان والمندوليـن..

الوتر لسان الحال حين تضطرم نـار العشـق في الصدر ويطفح الوجـد بصاحبـه. ومن بيـن كل الآلات الموسيقيـة فليس أروع ولا أقـدر ولا أجـدر بالتعبير عن الأحـزان والأشجـان من الآلات الوتريـة، ومـن بين الآلات الوتريـة فليس أروع ولا أجدر ولا أقدر من العـود على حمـل رسالـة الروح لأهـل الأحـزان والأشجـان.

الشعـراء الملهمـون نادرًا ما يفارق العـود حضنهم قبل كتابـة قصائدهم وبعدها، وعبد العزيـز أبو شيـار واحد من هؤلاء الملهميـن الذيـن يعزفـون وجراح أرواحهـم تنزف بالآمال والآلام فيطربـون الناس ويرقصـون الأرواح على إيقاع أحلامهم وصفاء سرائرهم. الروح الحبيس في قفص الواقع المخيب للآمال كيف يستطيع البـوح والإفصـاح عما يضنيـه ويعانيـه لولا الوتـر. ولولا العـود؟

فتقاسيم العـود كلمات الروح أما القصائـد فهي النزيـف. إذ ليس الجسم وحده الذي ينـزف.

الروح أيضًا ينزف

الروح ينزف حيـن ينكـوي بنـار العشـق المستحيـل

وينزف حين يستحيـل تحقيق الأماني الغاليات…

وينزف مـن غدر الأيـام وصد الحبيب

وينزف من هجـر الخلان وجحود الأوطـان

نزيفًا أحمر قان كنزيـف الدم.

وذاك النزيـف هـو ما جعـل الشعوب تبدع الأوتـار، وهـو ما جعلهـا تصنع من جسم العـود جسدًا آخر للشاعـر، حيـن يئـن أو يحن أو يشكو ما بـه ويعري جراحـه للريـاح.

وديوان “أوتار النزيف” عود أوتاره القصائد والشاعر عازف ينزف بالكلمات.. الكلمات دم الشاعر، كلما لا مست أنامله الأوتار صدح الجرح بالنشـيد.

يقـول الشاعر مـن قصيدة النـزف العازف:

” أنـزف ونزيـفي يعـزف.

رأيـت فتاة.. تستهلك الجسـد المنهـوك بالمساحيـق

كي تحظى بالإعجـاب والتصفيـق

عبر طقوس العـرض والطلـب

وأخـرى ترصع الخصر ..

غصـن زيتـون وزعتـر

تكحل بالبارود

تتخضب بأحمر الدماء

تفتـل ضفيرتها مقلاعـا..

تزفـه للحجـر ..

أنـزف ونزيـفي يعـزف …”

كل القصائـد في الديـوان تحمل موسيقـاهـا الخاصـة وعزفهـا الخاص.. القصائـد ألحـان تهفـو للكلمـات وتعانقهـا، كمـا لـو أن الشاعـر عزفهـا قبل أن يكتبهـا أو ينزفهـا.

حقـًا لقـد عزفهـا داخلـه.. لقد عزفهـا في سـره، ثم تدفق من خفق القلب نزيـف الكلمـات.. صار الدم حبـرًا بين يديـه، وصـار الألم العصي شعرًا ينبض بالحياة وبالتمـرد وباللوعـة وبالقلق وبالعشق وبالجنـون وبالأمـل في أن تأتي أيـام أخـرى أحلى وأبهى مـن هذه الأيـام التي تكتـم على الأنفـاس، وتخمـد في القلب جـذوة الحياة.

أوتـار النزيـف ديـوان أراده الشـاعـر بوحًـا صريحًـا وعاصـفًا باللهـب المستعـر في أحشائـه وبين جوانحـه.. ديـوان من حروف مشتعلة تقاسيـمَ وترانيـمَ على خمسـة أوتـار كما هي أوتـار العـود. ولأنـه شاعـر وموسيقي، أو لأنـه وسيط بامتياز بين ألـم الروح وأحـرف اللغـة، فهو يحـول موسيقـاه الداخليـة إلى كلمـات مغنـاة على تقاسيم العـود.

لقـد جعل الشاعـر لكل ألم وتـرًا. خمسـة أوتـار للعـود وخمسـة أوتـار للألم ولليأس وللكبريـاء وللجرح وللحلم وللأمل. وللعـود وتـر سادس، وتر سادس لا يستغني عنـه الشاعر، ولا الموسيقي الذي يقـود يد الشاعـر إلى الكتابـة، مثلمـا يقـودهـا إلى العـزف على الجراح.

ـ الوتـر الأول للشعـر.

ـ الوتـر الثاني للحبيبـة الملهمـة.

ـ الوتـر الثالث للذات الشاعـرة .

ـ الوتـر الرابع للمـوطن والوطـن.

ـ الوتـر الخامس للأمـة النائمـة.

أما السادس فلا يستقيـم تقسيم ولا ترانيم، ولا أمل ولا ألم، ولا غنـاء ولا شـدو أو بكـاء إلا بـه.

الوتر السادس هـو الوتـر الأقصى.. وتـر القدس والوطـن المشتهى.. وتـر المنفى.. وتـر سادس لنزيـف الجرح الفلسطيني وحـده. أو قمر سادس لليل القصيدة.

أوتار النزيف

1ـ وتـر الشعـر:

الشعـر عنـد أبـو شيـار موقف.. الشعـر رسالـة وبوصلـة.. الشعـر قـدر الشاعـر الملهم.. وهو حيـن ينـزل واديه، تحيـط به جنيـات عبقـر لتزفـه عريسًـا للقصيـدة، فجنيـات الشعـر يحطن به لا ليلهمنه فـن القـول وإنمـا ليرهفـن السمع إليه يتقدم سلالـة الشعراء الحقيقييـن معلنـا:

أنا الشعـر والشعـر أنا

الشعـر يسكنني

شعـر يعبـر نقاط التفتيش، شعـر يرفع الرؤوس كبريـاء وشمـوخًا، شعـر يحترف الحـزن أو يمسحـه عـن العيـون.. شعـر يعبـر شمسًا لظلام السجـون، هذا هو الشعـر عند أبي شيـار وهـذه وظيفتـه.. الشعر ليس ترفـًا وليس بضاعـة أو تسلية يتاجر بها الشطـار والتجـار في سـوق الكلمـات، الشعـر لا يسلي ولا يلهي ولا يباع ولا يشترى.. الشعـر رسالـة الشاعـر الإنسـان لشبيهـه مـن الناس في الألم والمعاناة. الشعـر موقف من الحيـاة.

2ـ وتر الملهمة:

حبيبـة وظامئة العينيـن

تضع رأسهـا على صدر الشاعـر، وخيالها يسكن جسـده.

قد تكون فكرة أو صـورة أو أمًا أو لغة أو عاصمة أو وطنًا أو ثورة.

قـد تكون امرأة.. مـن بين أسمائهـا/ الحريـة.

ظامئـة العينيـن هي الملهمـة التي تسكن جسد الشاعـر، تلهمـه قولـه وتلهب مشاعره وتلتهم قلبه.. أو تلتهمـه كلـه، فيتماهى معها.

“أنت أنـا” يقـول.

ظامئة العينيـن تتخلق في الصورة أو الفكرة التي يريد لها الشاعر أن تكون صورتها أو فكرتـه هو عنها. ظامئة العينيـن قـد تكون القصيدة فقط. وقـد تكون سورة الغضب حين يصرخ الشاعر غاضبًا مـن هوان الأعزة في ديارهم. ظامئـة العينيـن تلهـم الشاعر قصـائده الجديدة.. لوقتـه الجديد إذ “يورق العالم في رأسـه” ويجهـر بالنشيـد.

والشاعـر لا يبخل على ملهمته بالصفات التي تحب.. فهي الزهرة بين الغصـون وهي الشعاع في الدجى وهي القيثارة وهي النور وهي الحلـم.

الشاعـر الذي يكتب القصيـدة. ليست تلهمـه غير القصيدة. وقصيدة الشاعر ظامئـة العينين وبها عطش لا يروى. وهي ظامئـة القلب أيضًا لكي تحب وتحب. شاعر ويعشق القصيدة كيف لا تلهمه القصيدة؟ ولقصيدته صفات المرأة لأن النساء أجمل القصائد على الإطلاق.

3ـ وتر الذات الشاعرة:

عبد العزيز أبو شيـار شاعـر “رسـولي”.. يتقلب منبسطًـا ومنقبضًا بين أهوال الشعـر وأحـوال القلب. فتارة يسبقـه حلم الأطفال.. فيصير غجريًا يركب رياح الكـون كالسياحين في الأرجـاء وطليقًـا كالطيـر يعيش أعمارًا بعدد القصائد.. فهـو فراش وهو نبع سرمدي يروي العطـاش. وتارة أخـرى يصرخ في الأنام محذرًا مـن الأمـل الزائف كالسراب، يرفض ما سيكـون، يرفض انهيار أحلامه وأيامه، يرفض رحلتـه الأولى، يقتل الغجري فيه، يعتبر أسفاره ضربًا من الجنـون. لكنـه في تناقضـه يبقى شاعر الأمـل البنـّاء. شـاعر الإرادة والفعل، وليس تناقضـه سوى عنـوان لتعارض الحلم والرغبـة مع الواقع المـر العنيـد.

تعارض الحلم والرغبـة في العـزة والعيش الكريم مع واقع يئد الرغبات والأحلام.. كيف لا يناقض الشاعـر نفسـه وأمـام عينيـه تنكسـر الأحلام؟ وهل في تعبيـره عن انكسـار الأحلام لطف أم ضعف أم غضب أم عنف؟ أليس مـن واجب الشـاعر أن يكـون أحيانًا لطيفًا لطيفا كطيف لكي يحس أكثر من الآخريـن، فيستشرف الأحزان والأفراح الآتية؟ وأليس مـن حق الشاعر أن يكون غاضبًا.. غاضبًا وقويًا لكي يسبـق واقعه ويتقدم أهله إلى الواجهة.

 

هذا هو الشاعـر عبد العزيـز أبو شيـار. لطيف في غير ضعـف. وغاضـب في غيـر عنـف. لأن لطفه ليس لطف الهـوان ولأن غضبه ليس غضب العدوان، وإنمـا لطفه مـن رقة إحساسه وغضبه مـن قـوة إرادته.

“شاعـر رسولي” يرفع أقدار أهله كصخرة سيزيف على كتفيه، ويرتفع بأقدار أمته مـن حال الهوان إلى حال العز، ويشير بأصابع الاتهـام إلى أقدار أوطان توزع صكوك الغفـران بالمجان على من يعلن الإذعان.

يصرخ الشاعـر بالأمل مـرة أولى وثانيـة ويشعـل الحروف ليضيء الطريق للسالكيـن: ها هنا السؤال:

فإذا صرخ الكل مثلـه

فكيـف يكـون الحال؟

4ـ وتر الموطن والوطن:

الموطن والوطن عند الشاعر صنوان، فذاك وطن الهوى والقلب والأنفاس، وهذا موطن التاريخ والحضارة والذاكرة.. والشاعر طائرهما المغرد معًا، يحلق فوق الموطن مطلاً على رباه وقراه، ويحلّق فوق الوطن حاملاً البشارة لربوعه أو باكيًا ما حل به وحالمًا بإيقاظه من سبات، يطوف الشاعر الطائر بالموطن والوطن يجمع البسمات من وجوه الكادحين، ويزرع الياسمين في جسد الإنسان، يا وطني يقول الشاعر:

يا وطني فقراء نحن

ونملك كل سلاح الفقراء.

الكرامة والوقت وأحلام الآتي“.

الشاعـر يؤمـن بالآتي مـن دم ومـن عرق الفقـراء.. ويؤمـن بمستقبل الوطـن، حتى وإن كان يحزنه ويؤسيه أن تكون كل الأحلام قد صارت من الماضي، وأن تكون الكرامة مجرد ذكريات خاليات، وهو والوطن سيان، يعانيان من قيود ومن قفار وزهور ذابلات.

ما أشد حسرته.. وما أعظم يأسه وخيبته في وطن تغير من حال إلى حال.

ولا عجب أن يختـم الشاعـر ديوانـه كما لـو أنه يغلق صفحة الوطـن بقصيدته الرائعـة عـن ورطاس.

فورطاس الموطـن هو ورطاس الوطـن.

أيتشابهـان أم يتماهيـان في ما ضيهمـا وحاضرهمـا، وكيف؟

ورطاس بلا مستقبل والوطـن بلا ذاكـرة.

أليس ورطاس ذاكرة لمجـد الوطـن؟ فلم فككـت أوصالـه وفتـت أحجاره؟ فقط لكي ترتفع في كل الأرجاء مدن بلا ملح ولا روح، وبلا طير وبلا ورد وبلا مجـد، أليس ذلك ما حـل بالوطـن؟

ألـم تفكك أوصـال ماضيه وتفتت أحجار ذاكرتـه؟

يتحسر الشاعـر على المآل الذي لم يكـن منتظرًا وعلى الأحلام الموءودة في أسرتها، لأن أصحابها لم تكـن لهم الإرادة ليقوموا مـن أسـرة النـوم واكتفـوا بالأحلام.

الأحلام وحـدها لا تكفي لحماية الموطـن والوطـن.

5ـ وتر الأمة:

والأمـة هي بيت القصيـد في الديـوان، بل هي “صدر” كل بيت و”عجزه”، خاصـة بعد أن صار صـدر الأمـة “ظهرًا” يمتطيـه الأعـداء والأغـراب والتافهـون والزمارون والطبالون والراقصـون على الحبـال.. وصار عجز كل بيت في قصائدهـا وخطبها العصماء عن مجدها التليد العنوان الأبرز لعجزها وذلّها وصغارها، في عصر لا يقبل بغير الصدر أو القبر، وينبذ العجز والضعف والجهل والوهن.

الشاعر في حقيقة الأمر لسـان حـال الأمة، يعتصـر الألم قلبـه على واقع هوانها على أبنائها وتنزف روحه تحسرًا على مآلها بين أمم الأرض التي تقدمت، أو قامت من كبوتها لتلحق الركب، وتصطف إلى جانب صنـواتها في المقدمة مـن مضمار السباق نحو الرقي والعيش الكريم.

يصف الشاعر ضعف الأمة وتكالب أعدائها على نهش جثتها ولحس قصعتهـا. فهذه الصهيونية مكشرة على الأنياب، وهذا الغرب بنى لأهلـه معابد لآلهة الحب وأشهـر على بلـدان العرب (العراق) راية وأسلحة الحرب.

هولاكو جديد تدك سنابك خيل حديـده جنان المدنية، وتقتلع أشجـارها وأزهـارها مخلفـة وراءها غبـار الخراب والدمار. لا يهمهـا مسنّا أو طفلاً أو امرأة أو زنبقـة، بل عينها على الثروات التي تحرك عجلـة اقتصادها وتضمـن الرفـاه لأبنائهـا.

وهذه الأمة.. أمة الشاعـر غارقـة في الوهـن بفعـل قرع الكؤوس وشرب الأنخاب وضرب الطبـول، ترقص على إيقـاع الخـوف والجـوع، أقطارهـا رقع وهي بين الخلق مهزلـة تضحك مـن نومهـا ومـن حمقها الأمم.

وليكـن.. فالشاعـر لا يقبل بالهزيمـة.

أنه يعرف الداء ويعرف الدواء.

ومثلما يديـن الأعداء والخصـوم، ويصف ما عليـه الأمة مـن ركون للغرب وإذعان لظلمه وطغيانه فإنه يصدر في المقابل بيان نهضة الأمة وتقدمها.. فهي ليست كما يوهمها أعداؤهـا، وليست كما يعتقـد أبناؤهـا: أمة ميتة.. بل إنهـا لا تزال تحضن جذوة الحياة.. وتلك الجذوة هي ما يسعى الشاعر لتأجيجـه فينفخ فيها شيئًا مـن روحه ومـن عـزة نفسـه لتهـب واقفـة في وجه العدوان و الطغيـان وتستعيـد ماضيهـا  ومجدهـا.

فيقـول باسم هذه الأمة التي لـن تمـوت.. وليس الهـوان والذل في عمرهـا إلا مرحلـة لـن تـلبث أن تتجاوزهـا إن هي أخذت بأسباب النهـوض.

يقـول الشاعـر:

لكننا رغـم هـذا الليـل نعلنها

ولير الأعمى وليسمع من به صمم

إن طال ليل الأسى واشتدت ظلمته

وأرق الأمة المكلومة الظلم

فالصبح يأتي هنا والشمس طالعـة

عما قريب وليـل الظلـم منصرم

هذي دماء طيـور بالحق تنتفض

ترمي العدا شرارًا كأنه الحمم

في قصيدة “دمع الحروف” التي اقتطفنا منها المقطع السابق نجـد الرؤيا الفكريـة والسياسيـة واضحة، ونجـد العبارة اللغوية قوية كما نجد البناء الشعري متماسكًا، وبهذا الوضوح والقـوة والتماسك نفسه يقدم الشاعر البيان المقترح لنهضة الأمة قائلاً:

“من كـان يفخر أن جرج قدوتـه

وأن قبلتـه عجـل أو صنـم

فنحـن قدوتنا بالوحي شاهــدة

قوامها السنة الغـراء والقلـم

بالعلم نرسم للأكـوان خارطة

حدودها العز والتمكين والقيم

بنهضة ألبس العرفـان فتيتها

ثوب الشجاعة لا جبن ولا هرم

درب المعارف فرض في عقيدتنا

والله ناصرنا منه العون يستلـم”

التشبث إذًا بالهويـة، التشبث بالوحي والسنـة والعلم والأخلاق والقيم والشجاعة، في مواجهة الصعـاب وعدم الجبن أمام معضلات العصـر، تلك هي الطريق السالكة إلى النهضة والتقدم في نظـر الشاعـر المهموم بأمر أمته والملتزم يقضاياها .

وعلى غرار هذا النهج ينحو في بقية القصائـد التي تنزف أسى وحسرة وتعزف على أوتار الأمل في غـد أفضـل.

وتر الأقصى:

التقسيم على أوتـار النزيـف لا يستقيم إن لم يلمس الشاعر العازف وتـر الأقصى. فالأقصى يقيم في كل القصائد، وترنيمتـه تصاحب كل التقاسيـم. الأقصى في وادي الشعـر، شعـر. وفي العيـون الظامئـة، حبيبـة ملهمـة. وفي الذات الشاعرة الأقصى هو الإرادة .وفي الوطـن هو ورطاس وواد كيس وقريـة نمريس. ومن الأمة الأقصى هو القلب والروح. الأقصى وتر فريد. الأقصى قلب الشاعـر وروحه. الأقصى مقلاع وحجر. الأقصى أطفـال الأقصى زيتـون وزعتـر.

يقـول الشاعر محدثًا عـن نفسه في أقصى عزلتها.

“فإذا اشتد بـه الوجـد

أدخلتـه الانتفاضـة محرابها

فيستحيل كتلة لاهبـة”

الأقصى وليد ينام:

“على الصدر الحنـون”

“الأقصى دمـوع الثكالـى…

وأنيـن الأسارى في غياهب السجـون”.

ولعل الأقصى في النهايـة هو الملهمة الحقيقية للشاعـر ولعنـوان الديوان، وهو الكلمات المغناة على تقاسيـم الأوتار، لعل الأقصى هـو الجرح النازف مـن صدر الشاعـر الثائـر.. جرح الأقصى قديـم.. وموجع ومؤلم قـدم المأساة وقـدم ألمهـا وأوجاعهـا.

يقـول الشاعـر:

ستون عامًا من النكبات موجعـة

والأرض نرويها بدمـاء ثـوار

لا تحسبوا أنـا ننسى جرائمكـم..

في الصدر تنفجر غضبًا كإعصار

الذاكرة الشعرية للديوان

وبعد: فقـد رأينا آيـة التميز الأولى لديـوان الشاعـر أبو شيـار في العنـوان. ثم رأينا آيـة التميز الثانيـة في الأوتار/ القصائـد التي نزفت بجراحـه. وبقيت آية ثالثـة مـن آيات تفرد وتميـز هذا الديـوان، وتلك هي ذاكرته الشعرية الشيقة الرقراقة، والتي تمتح مـن معيـن الشعـر السلسبيل الذي ارتوت منـه سلالـة الشعراء الحقيقييـن.

والديـوان يشي بأن صاحبه ليس شاعرًا نرجسيًـا أو شاعرًا منكفئًا على نفسـه، يمجد ذاتـه، ويلعق جراحـه الخاصـة ويجتر همومه الشخصية، بل هو شاعر ملتزم بقضايا وطنـه وأمتـه بقدر مـا هـو شـاعر منفتح على كل التجارب وجوَّاب لكل الآفاق، إنـه شاعـر يتفاعل مع هموم الأمة كما يتفاعل مع ذاكرتها الشعريـة، فيحاور أصواتًا وطبقـات وأنمـاطًا شعريـة منهـا القديـم والحديث ومنها المقيـد والمنثور، ولكنه في النهاية لا يكتب إلا تجربته الخاصة والمتفردة.

والحقيقـة أن الذاكرة الشعريـة للديـوان عريضـة وفسيحـة يجوبها الملهمـون المنفيـون عـن الأنـام وعـن الأوطـان، في القصائد، وفي القصائـد وحدهـا.

الديـوان يعبره الشعر الحقيقي لشعراء الحقيقـة، وتجوبه الخطى العابرة للزمـن ويجوبه ضياء الحروف الخالدة.

فهاهنا لمحة مـن حكمة جـبران، أو غضبة الشابي، أو أنّـة مطـران، وها هناك آهة مـن أنفاس المعتمد، أو زفـرة مـن كبريـاء المتنبي، ومن تلك الكلمة ها هناك يمر خيـط الضوء الشارد لمعنى جديد ورهيف كيأس درويش، أو يمشي حادي الشعر وراء قوافي البدو التائهين في صحراء المعلقات .

المنفيـون في غربـة القصائـد لم تخنهـم قصائـد الديـوان، وإنمـا أحسنـت وفادتهـم ولم تتنكـر لهم ذاكـرته بل حفظت أسماءهم وشمس كلمـاتهم كمـا حفظت لهم قمـرًا من الود الذي يحفظـه كل شاعر أصيل لأهله وأحبابه وشركائه في الحلم والأمل.

فذاكرة الشعر مشتركـة كالحقيقـة. وهي أيضًا سخية وفية معطاء، فقصائد هنـا تعارض القصائـد، وقصائـد هناك تعانق الأغاني، وكلمـات تنثني في دلال أمام اللحن الشجي، وأخرى تنحني للبهجـة في صوت المغني، مما يجعل من قراءة الديـوان متعة حقيقية باعتباره ديوانًا مضاعفًـا ومتعدد الأصـوات، ديوان حـوار وتفاعل مع الذاكرة الشعرية للأمة. وقصائده المركبة مـن أصوات متنوعة ومتناغمة ترغمـك على الانحنـاء تقديرًا لشاعـر يستطيع أن يودع في شعره الأسرار المتفردة لحقـب شعريـة متباعدة، وكأنها محايثـة لبعضهـا، وذلك أمـر لا يستطيعـه إلا شاعر أسلست القصيدة قيـادهـا لقلمه، مثلمـا أسلست الأوتـار قيـادهـا لأناملـه.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية