خط أحمر لن يعبروه .. نور الدين الزويتني

نور الدين الزويتني

 

إلى منصف القرطبي

 

ها أنت ذا أيها الشعر

بومضة عين الساحرة

الخارجة الآن

ببشرتها المشبوبة كرذاذ

وقلنسوتها السيلينية

الملتمعة في الفجر الخُبّازي

إلى شاطئ دوڤيل

قبالة أطلال فندق «مرحبا»

الجدير بخلفية سيناريو رهيب

لقصة  LUI

للغامض هـ. ب. لوفكرافت،

أو كما يستدرج

هاوِ عنيدٌ

سمك الطربون الفضي

المتمَنِّع،

تقذف لي

أطيب ما تملكه الآن بداخل خِرْجِك:

طُعم المجاز الرهيب

الذي ما إن يتلقفه العابر

حتى ينسل الطُّعم رشيقًا

مثل سهام المِغْوارة

كاتنيس إيفردين

في  Hunter Games

منغرزًا في العمق

هنا

في الـ «أناهاتا»،

العُمقِ الضّاجِّ

بهسيس نعاس القصائد !

 

في البدء

سَرَتْ في الأوصال

مباغثةً مثل حُمَيَّا

نبيذ الصباح

تلك الألفة

بين عبارة كولريدج

في تشبيهه الشعر

بالفحم في غسق الاتقاد

The mind in creation is as a fading coal

وسطر السياب المضطرم

بشجن لم يسبق مثله

«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر…»

انصهر السطران

بشكل لم يمسح أحدهما الآخر،

والوجهان انصهرا أيضًا،

وجها الشاعر  Samuel Taylor Coleridge

والشاعر بدر شاكر السياب

حتى أني في تلك الصبيحة

أقسم أن الرجل التسعيني

الجالس على الطاولة

بمقهى «ديامانتين» قبالتي

نظر إليّ بوجه أشرق فيه

الوجهان المنصهران معًا

دون أن يمسح أحدهما الآخر،

وحتى أني تحت رُهاب الصدمة

رُغْت ببصري نحو البحر

وخَمَّنتُ بحق أنه لو عاش،

أي السياب، إلى اليوم

لكان بعمر الرجل التسعيني ذلك،

ثم انثالت لا أدري لمَ أو كيف

صور الأنذال

حداثيون، وصوفيون، وثوريون،

خنازير، أكاديميون، ومدسوسون،

وكلاب دَرِبة، وصحافيون خائبون،

ولصوص، وقرداتيون،

وذباب، وسحالي،

وغنادير راطنون بفرنسية ركيكة

شاهرون كتابًا بالفرنسية لم يقرأه أحد منهم

قيل لي مع ذلك إنه إنجيلهم

فيما الأوائل منهم تظللهم

 في شكل مؤخرةٍ يافطةٌ

مرسوم عليها بالبنط الضخم

حرف النفي «لن»

قيل لي إنه نوع من المانيفستو

لم أفهم القصد منه،

وإذ أُبْتُ بنظري نحو التسعيني

كان لخيبة حظي قد اختفى تمامًا

وكأنه ذاب،

فيما النادل الأمازيغي حين سألته عنه

أشاح كما لو قصدت ممازحة ما…

 

كان النادل الأمازيغي ذاك

فتى في الريعان

لم أدر أي مصادفة

جعلتني ولأول يوم

ألحَظُ دون المرات السابقة

كُثوثة شعره،

أم هي عين الساحرة

الجالسة الآن على طرف السور الواطئ

بين البحر

وصَفِّ مقاهي شاطئ دوڤيل

تتأمل ساهمة أوراق «التارو» المبسوطة أمامها

وفي واحدة منها، هي لا شك ورقة الساحر،

صورة رجل كث الشعر

تلمع تحت ورقة الكاهنة العظمى،

ودون أدنى ذرة التباس

كانت صورته هو،

صورة سركون بولص

نافذا بتحديقته الشامانية الثاقبة

كما على غلاف ديوانه «الأول والثاني»

إلى ما وراء موته

إلى هذه اللحظة في مقهى «ديامانتين»،

إليّ وحيدًا وأشيب،

إلى الأمازيغي الكث الشعر،

إلى الطاولات الفارغة ذلك الصباح

وإلى الأنذال،

وأقسم أني رأيت شفتيه المحددتين الكاملتين

كشفتي «الريد كلاود»

قائد هنود السيوكس الخامس عشر،

رأيتهما تفتران عن ابتسامة محارب

يستريح قريرًا على أكمة

فيما صوته الداخلي

الدافئ كريش بجعة

يهمس لي:

«لا تخف، لا تعر نذلاً واحدًا

بالك بعد اليوم،

الشعر في ذاته خط أحمر

ولن يعبروه»!

 

القرطبي منصف

شاهد أيضاً

قيس عبد المغني

اندمي .. قيس عبدالمغني

أطلقي أثر الفراشة في مجاهل الحزن وفي تفاصيل البلاد التي تسكن في دمي.. اندمي ستوفرين …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية