خسوف القمر .. نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة

 

عاد إلى البيت لا يودّ ولوجَه.. بالأمس كانت هنا تجلس في فنائه تقلّب كتابًا بين يديها، وما إن تراني حتى ترفع نظاراتها وتضعها جانبًا وتفتح ذراعيها حتى أسكن فيهما، فأشعر بدقّات قلبها تردّد سعيدة:

ـ أحبّك.. أحبّك.. أحبّك.

أصدّق تلك الدّقّات فأقف بين يدي والدتي وأضع رأسها بين راحتيّ وأقبّلها قبلة مضغوطة أردّ بها على عبارات الحبّ.

بالأمس كنت أجدها بين شتلات الورد تشذّب أغصانها وتتفقّد أوراقها وتفرح لكلّ برعم يتفتّح عند بزوغ الصبح.

هنا.. هناك.. كانت تنتقل كفراشة تضوع عطرًا تستعير منه أزهار الحديقة وتنحني لها طمعًا في ذاك الشذى الذي تتركه وراءها كلّما مرّت بتلك الرياحين.

غادرت وما أظنّ طيفها يغادر حياتي، أراه كلّ ليل يتفقّدني في سريري ويرفع الغطاء كلّما سقط عنّي.. أراه كلّ فجر يقف عند رأسي، يوقظني لأستعدّ كعادتي ليوم جديد.. أراه كلّ وجبة، يدفع لي بالطعام، يستحثني على عدم الذهاب دونه، وكثيرًا من الأحيان ما تطعمني بيدها فلا أحرمها لذّة أن تراني طفلاً يحتاج إلى حنانها حتّى بعد أن غزا الشيب شعري.

نظرت ليلتها إلى السماء.. كانت حزينة قد غادرها الضياء، وترك مكانه للشحوب.. يمرّ القمر بين غيومها المتواترة فتحجبه وقد تخفيه لزمن طويل فتزداد كآبتي ويزداد حزني.

تسافر النجوم ولا تترك غير أطيافٍ لمواقعها، توهم الناظر بأنها في ذات المكان.

زرت من الغد قبر أمّي.. تلمّسته بأصابعي.. كانت تربته ما تزال ندية برائحة المسك.

جثوت على ركبتيّ كأنّي أريد استرجاع لحظات تسمّعي لدقاّت قلبها ذات يوم في فناء منزلنا، فربّما تخاطبي بما يهدّئ نفسي ويُذهب عنّي حزني.

اقتربت أكثر من الحجر الذي وُضع عند رأسها، وأمسكته باليسرى، وأرخيتُ رأسي فوق القبر، وجالت اليمنى ترسم بستانًا يضوع من عطرها عطرًا.. لا أعلم يومها كم مكثت عند قبرها إلى أن وخزتني نسمات باردة، ورأيت البدر يتوسّط كبد السماء، ولا أعلم ما أسرّته أمّي من حديث حتى عاد، والنجوم، يضيء الليلة الظلماء.

* مقتطف من قصة (خسوف القمر) من مجموعة (حديث وسط السكون).

* تونس.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية