حوار لا سُلطة .. د. مروة مختار

مروة مختار

 

الحوار حياة العقول والقلوب وإن كانت يقظة ونابضة، الحوار إعادة تشكيل لذواتنا من الداخل، ترتيب لأولوياتنا، مرآة صادقة تُظهر مواطن الضعف والقوة فى تفكيرنا، الحوار يكشفنا قبل أن يكشف الآخر، الحوار سؤال يتجدد طرحه دومًا دون أداة استفهام، الحوار سؤال ممتد غير حافل بنقطة النهاية.

الحوار مع النصوص حب متجدد، عشق لديمومة الوصل، حب لا يعرف الطواف الدائم على محيط النص؛ إنه غوص فى سداته ولحمته، وإصغاء لصوته الخفى والمعلن، حوار جدلى نابض من أجل فهم أعمق للنصوص بغرس لحظات ود ووصل توازى لحظات التأبى والممانعة.

اختيارنا النص محل الدراسة والتحليل أشبه بحالة نداء بين طرفين لم يتقابلا قط، كل منهما يبحث عن الآخر، فيأتي اللقاء والانبهار، وطرق الأبواب وفتح الحوار ثم المعايشة وشبه التوحد، وأعنى بشبه التوحد أن الناقد في حالة أسر النص له يتوحد معه، وفي خروجه ودخوله والقراءة المتتابعة ينفصل شيئًا فشيئًا ليكتب عن النص، ثم يتوحد معه ثانية وهكذا حتى يصل إلى محطة الرغبة في الفرار من أسر النص، ويتبقي داخله أيام المعايشة التى آلمته وشفته في آنٍ واحد.

بعض الإبداع يلجمك، يواري الناقد الساكن داخلك قليلاً، تجلس مكتوف الأيدى برغبتك، تتأمل وتعيد القراءة، يلاحقك الجمال تحار في الإحاطة به تتقلب في جنته وكأنك تغترف تتطهر وتتوضأ من أدران الدنيا، أنت آنذاك داخل الدنيا وخارجها، تمتد أنفاسك حتى عنان السماء وتقصر ألمًا لأنين النص، عمل كهذا يمكن للناقد أن يكتب عنه بعد الاستمتاع بهذه الحالة، ويمكن أن يقرأه ثانية ليكتب عنه كتابة أخرى مغايرة وجديدة، ووهى حالة قد تعنى استمرار وقوع الناقد تحت أسر النص، وقد تشى برغبته فى التخلص من شركه لالتقاط الأنفاس، هذا الجدل يؤكد أننا أمام نص حى وثرى.

إن حيوية النص وتجدده تعكس التعددية الفكرية والثقافية للقارىء، تتطور بتطوره وتذبل وتتلاشى بتجمده ووقوفه، ديناميكية النص تدفعك إلى الأمام وإلى الوراء وإلى الدوران حوله والخشوع داخله، تناشدك ألا تقف ففي وقوفك موت لها، ولأن النص إنسان فالناقد يمتلك حيوية النبض التى تثير سكون النص في البداية، وتحاوره بلطف وود كلما استغلق حتى يبوح ببعض سره، فيغدو الناقد بعدها أكثر حيويةً وتدفقًا واستعدادًا للإبحار في نص آخر.

والنص يفر من الناقد/ ة الماكر الذى يحتال عليه وعلى القراء، لأنه أذكى منه.. يوهمه انفتاحه بتسليمه إطاره الخارجى ليتخلص من حضوره الزائف، فيفرح ويملأ الدنيا أوراقًا تموت عقب كتابتها، ويأبى أن يبوح بأسراره إلا لناقد بقلب متصوف كبير، وألمعية متقدة في شوق دائم لحواره داخل محرابه القابع وسط حديقة كبيرة بها ورود وصبار.. هنا حوار يستحيل صداقةً أبديةً، وإن وضع الناقد/ ة قلمه وظن أن الأقلام رُفعت وجفت الصحف سيباغته النص بقراءة ثانية تكشف ثراءه المتجدد، تزيد إيمان الناقد/ ة بالنص وبنفسه وبقدراته المتجددة على استبطان النصوص مع وعيه الكامل أن كل نص ناقد، وكل ناقد نص.

هنا ناقد يتلمس بقع النور المتناثرة فى النص ليغزل منها خيوط الأمل فى فهم أعمق، ويهديها لمن يحيطون به وكأنها ثوب جديد غَزل سُداته ولُحمته من النص الذى يتكَون فى الأساس من سداة ولحمة أيضًا، وبزوغ هذه الجدائل المكتوبة تشى بالتناغم بين النص والناقد، وكلاهما إنسان يجيد قراءة نصه الأبدى: لن تحيا إلا بحياة من حولك.. فنبضك موصول بهم، فلا بديل عن الحوار الجدلى .

ومع كل نص يتبدى لنا باحث يمسك العصا لغيره مرتديًا مقولة شهيرة مفادها «إنك لم تطبق إجراءات المنهج كما نُظر لها»، وأقول له تمهل: فالمنهج خلق بشرى، تنظير نجم في الأساس عن مشكلات ملحة في البحث، وجاء المنهج لمحاولة حلها بطريقة علمية، ونسبة النجاح ومداها نستطيع تقييمها من الممارسة، أي التطبيق، هذا التطبيق يبرز لنا زلات المنهج وإخفاقاته وبعض تصلبه فينتج التطوير للمنهج نفسه، وإن تمسك أصحابه به دون تطوير جمد وتوقف، في هذه اللحظة.. يشرق علينا منهج آخر يضع نصب عينيه زلات السابق فيطورها ويفيد من محاسنه بتطبيقها فتنشأ البينية بين المناهج المختلفة، فهلا وضعت العصا، ونزلت من برج التنظير إلى قلب الممارسة الفعلية لتنضم لقائمة شعرت بنبض المنهج وحياته الحقيقية فى التحليق مع النصوص لا العكوف داخل قوالب كادت أن تكون مقدسة بفعل البشر وهى من صنع بشر مثلهم.

فى ظنى أن الاختبار الحقيقى للخلفية الثقافية والنظرية لأى ناقد تظهر فى كيفية تعامله مع النصوص المختلفة، لا صياغة مقدمة مأخوذة عنها، أو حشد مراجع تذييلاً لعمله، أو بث فقرات فى المتن.

ما أعنيه هو قدرته على توظيف خلفيته هذه فى تحليل النص بشكل متناغم، وكتابة نقدية تتسم بالحرص والتوازن، فلا تعلو نبرة التأطير النظرى ليخفُت صوت النص أو العكس، فالأصل أنها تقف فى الخلفية ويظهر النص فى المقدمة، والحقيقة التى لا مفر منها أن عملهما متضافر ومعهما حساسية الناقد وبصيرته.

إن الكتابة النقدية المعنية بالممارسة أو التطبيق تذكرنى دومًا بالفرقة الموسيقية التى لابد أن تراعى التوازن بين موسيقاها وصوت المطرب، فإن علت عليه ظهر النشاز وعدم التناغم، والأصل أنهما منذوران لتقديم لحن واحد.

إذا آمن الناقد بهذا الدور سينعدم شعور الأفضلية لدى بعض النقاد الذى ينقلب إلى سلطة وكأنها العصا التى تحيى وتميت، وإذا وصل هذا التناغم الصادق إلى المبدع لن ينقلب على الناقد ويهمش دوره، فكلاهما إبداع وكلاهما يتطور بتطور الآخر.

عزيزى القارىء إذا سمعت صوت سوط الناقد لا تكمل القراءة .

شاهد أيضاً

ليلى أولادهي

المرأة العربية والصور النمطية إلى متى؟ .. ليلى أولادهي

    عانت المرأة ولا تزال من انعكاسات التمثلات والصور النمطية على موقعها في المجتمع، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية