حلمي سالم العصي على الرحيل .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

تمضي السنوات كئيبة رتيبة.. تتغير الظروف تتعالى الأنواء وتتنازع الأهواء..  ترحل وجوه ويغيِّب الموت وجوهًا كنت أعتقد أنها سرمدية لن ترحل البتة.

وحلمي سالم أحد هذه الوجوه التي تجدها متماهية مع شوارع وسط البلد، جزءًا من مقاهيها لم تبارحها دخان سجائره، ورائحة قهوته، فالكوب ما يزال يحتفظ ببعض من أنفاسه، ومقعده ما زال دافئًا ينتظر عودته.. فموته مزحة سمجة لم تنطلِ على محبيه وتلاميذه، وأنا منهم.

لم يكن حلمي سالم ليسمح لنفسه بأن يكون جزءًا مضجرًا من تراتبية إدارية سخيفة، فلم أشعر يومًا أنه رئيسي المباشر، كنت أراه أبًا حانيًا ومعلمًا حكيمًا.. تلك الحكمة السلسة المناسبة فى هدوء دون ضجيج من تضخم الذات، وقد يكون هو نفسه لم يقدِّر هذه الحكمة كما ينبغي، كان بسيطًا ممتنعًا يحمل خبرات السنين دون أن تأخذ جزءًا من روح الطفل العابث الحاد المثابر.

كان يحمل من الشفافية والتبصر بالمستقبل ما يكفيه ليصف شعبًا كالشعب المصرى بأنه ليس له كتالوج، فهو قادر دائمًا على الإدهاش والمباغتة.

لم أجلس مع أستاذي كثيرًا، فقط دقائق قليلة لتسليم الموضوعات وتسلم تكليفات بموضوعات جديدة، ولكنها كانت دقائق ذهبية عنت ومازلت تعني لي الكثير.

لن أنسى موقفه عندما احتد على مصدر وطلب مني الذهاب لجامعة عين شمس لاقتناص حديث صحفي للكنج منير، وكنت سأذهب لولا أن أستاذي رفض ذلك قائلاً «حتتبهدلي ومش حيعمل الحوار» فقد كان يعلم جيدًا أنني لا أقوى على ألاعيب الصحفيين وحنكتهم، وكان يحزن كثيرًا إذا لم يتم نشر موضوع معين لي، لدرجة أنه كان يعتذر لي ويذهب بنفسه لمدير التحرير ليعرف سبب عدم النشر.

لم يساعدني أحد أكثر من حلمي سالم، وفريدة النقاش، لم أنسَ يومًا كيف غمراني بمحبة دافئة وتشجيع كبير.

أحزن كثيرًا لأنه رحل، وهو لا يعلم كم أحبه وأقدره.. كان آخر حوار دار بيني وبينه عندما علمت بمرضه، وبأنه لن ينجو.. حدثني بأسلوب أكثر حنوًا من ذي قبل، وطلب مني أن أدعو له، وبالفعل كرست الأيام التي تلت تلك المهاتفة للدعاء له، وفكرت كثيرًا في أن أذهب لأزوره في المستشفى، ولكني لم أقوَ على ذلك.. كنت أعرف أنها النهاية، لم أرد أن يشعر بالرثاء لحاله، ولم أرد أن أراه وهو يتألم.. كنت أريد أن أراه دومًا في مخيلتي فارسًا عنيدًا مناهضًا لأفكار التخلف والتسلف، دون أن يعبأ بأي خسائر قد تصيبه من جراء مواقفهم.. ببساطة كان يعيش ما يفكر دون تكلف، أو ادعاء، أو تزيّد.

لن أنساك أستاذي، وأعتقد أنني لست وحدي، فقد طبعت قبلة فرح وود وابتسام في قلوب كل من عرفوك.

 

حلمي سالم

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

  لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية