حكاية جفرا الشهيدة وجفرا التراث .. جهينة محمد الشريف

المناصرة وعزيز

 عز الدين المناصرة (وأنا لعيونك يا جفرا سأُغنّي) مع أحمد عزيز (جفرا وياها الربع)، مخيّم عين الحلوة، لبنان، 1982/2/22

 

 دأبت مئات المواقع الإلكترونية على سرد قصة جفرا، بالحذف والإضافة، حتى تحوَّلت هذه القصة الواقعية إلى أسطورة شائعة الصيت فلسطينياً وعربياً وعالمياً، ذلك أن أبناء الشعب الفلسطيني يرددون (قصتين في قصة)، هما جفرا الشهيدة، وجفرا التراث، بالخلط بينهما أحياناً، وبإعلاء إحداهما على الأخرى أحياناً أخرى: جفرا التراث هي الأقدم، لكن جفرا الشهيدة هي الأكثر قداسة وتأثيراً، لأن جفرا التراث يشوبها التكرار، فهي قصة حب من طرف واحد، كما أن جفرا التراث باللهجة الفلسطينية، بينما جفرا الشهيدة كُتبت بالفصحى. وقد أصبح معروفاً أن جفرا التراث، بطلها هو (أحمد عبد العزيز علي الحسن)، وهو من (قرية كويكات، قضاء عكا). أمّا (جفرا الشهيدة)، فعاشقها هو الشاعر الفلسطيني الحديث (عز الدين المناصرة) من (محافظة الخليل). وإليكم التفاصيل:

 

ـ حتى عام (1976)، كانت (جفرا)، نمطاً غنائياً شعبياً محدوداً يعرفه الفلسطينيون في الوطن والشتات، دون أن يُعرف (مؤلفه الأصلي)، شأن معظم الأنواع الغنائية، الشعبية السائدة في بلاد الشام. أما (قصة جفرا)، فقد كانت مجهولة تماماً إلاَّ في أوساط عائلات قرية (كويكات) العكيَّة، يتناقلونها همساً بينهم، بسبب التقاليد المرعية. ولهذا انفجرت القصة التراثية منذ عام 1982 فقط. ونحن نلاحظ أنَّ بداية تحول (جفرا) إلى رمز عربي، بل وعالمي، كان منذ (عام 1976) على وجه التحديد. فكيف حدث ذلك، ولماذا؟

ـ تحولت جفرا إلى رمز فلسطيني وعربي وعالمي، عندما نشر الشاعر عز الدين المناصرة، قصيدته: (جفرا أمّي إن غابت أمّي) عام 1976 في الصحف اللبنانية. هذه القصيدة من نوع (الشعر الحر التفعيلي الفصيح)، وهي تحكي مأساة الشاعر (المناصرة) مع حبيبته التي استشهدت بنيران طائرة إسرائيلية في غارة على بيروت. اسمها الحقيقي، هو (جفرا إسماعيل النابلسي). وهي طالبة فلسطينية (19 سنة) كانت بدأت دراستها في (الجامعة الأمريكية)، كادت العلاقة العاطفية بين الشاعر وحبيبته تصل إلى مرحلة الزواج. وقال شهود بأنهم شاهدوا جفرا مع الشاعر في شارع الحمراء في بيروت، وفي وادي العرائش بمدينة (زحلة) اللبنانية، بل في (صيدا، وصور)، وهم يصفونها بأنها (ساحرة الجمال). اشتهرت قصيدة الشاعر المناصرة، عربياً وعالمياً، بعد أن ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية، وبعد أن غناها من لبنان: مارسيل خليفة، وخالد الهبر. وبعد أن تحولت إلى فيلم يوغوسلافي تضمن الأغنية بصوت مارسيل خليفة، عُرض في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1980. كما تحولت إلى رقصة على ألحان خليفة في مدينة (برنو) السلوفاكية. وأنشدها أحد نجوم المسرح الفرنسي بالفرنسية في مسرح موليير في باريس عام 1997، بعد أن ألقاها الشاعر المناصرة بالعربية، بحضور فدوى طوقان، ومحمود درويش؛ وبحضور  (جاك دريدا) فيلسوف التفكيكية الفرنسي، الذي وصفها بقوله (كأنها السحر بعينه).

ومن المفارقات العربية حول (جفرا المناصرة)، أن التلفزيون اللبناني الرسمي أذاعها بصوت خالد الهبر، خمس مرَّات متتالية في ساعة واحدة، خلال انقلاب العميد عزيز الأحدب، الضابط في الجيش اللبناني، عام 1976 حين استولى على التلفزيون، مما أشاع أن الثورة الفلسطينية هي التي تقف وراء الانقلاب آنذاك. وفي الألفية الجديدة غنت القصيدة التونسية (آمال المثلوثي) عام 2008، وغناها الأردني (محمد عبد القادر الفار) عام 2011.

محمد عبد القادر الفار

وبتأثير من هذه القصيدة، بعد اشتهارها عربياً وعالمياً منذ عام 1976 وحتى اليوم، نشأت فرق شعبية، ومحلات تجارية، ومواقع إلكترونية، تحت اسم (جفرا)، كذلك تأسست إذاعات، وتليفزيونات، وعدد كبير من المقاهي، والمراكز والمؤسسات الثقافية، تحت اسم (جفرا). بل ظهرت في (فلسطين ـ 48) حركة طلابية تحت اسم (جفرا)، وظهرت روايات وقصص وقصائد ومدوّنات تحت اسم جفرا، والأهم أن عشرات البنات في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وتونس والجزائر والمغرب، أطلق عليهن اسم (جفرا)، بتأثير قصيدة (جفرا أُمي إن غابت أميوليس بتأثير الفولكلور.

هكذا استطاعت قصيدة حديثة أن تتفوق على الفولكلور الجماعي، كما قالت إحدى الصحف. هذه هي (جفرا الشهيدة)، التي تناقلتها مئات المواقع الإلكترونية، تحت عنوان: (جفرا مارسيل خليفة)، أو (جفرا عز الدين المناصرة). وكان مارسيل قد غنى قصيدة أخرى للشاعر المناصرة (بالأخضر كفناه) عام 1984 في ملعب الصفا في بيروت أمام (خمسين ألف متفرج)، ثمّ اشتهرت أيضاً على أنها نشيد الشهداء، وأصبحت نشيد الثورات العربية عام 2011، بل وصلت إلى الولايات المتحدة، حيث غناها مؤدي فن الهيب هوب الأمريكي (ايرون شيك) في ذكرى رحيل المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في عدة ولايات أمريكية. لقد شاعت صيغة (وأنا لعيونك يا جفرا سأغني – لفلسطين سأغني)، وقلّدها كثيرون.

عز الدين المناصرة

عز الدين المناصرة 

ـ أما (جفرا التراث)، فقد كشف القصة الكاملة الحقيقية لها لأول مرَّة الشاعر المناصرة نفسه، عام 1982، على النحو التالي: لم تكن هناك أية قصة لجفرا أصلاً، لكن الشاعر المناصرة هو من كشفها وصاغها وقدّمها إلى الرأي العام، وقد حدث ذلك عن طريق (الصدفة)، كما أكد ذلك بنفسه: بتاريخ (22/2/1982)، كان الشاعر المناصرة، قد أحيا أمسية شعرية في مخيم عين الحلوة، قرب صيدا، وقرأ عدة قصائد من بينها قصيدته جفرا، التي طلب منه الجمهور قراءتها بطريقته الاحتفالية، مرَّة أخرى، وفي نهاية الأمسية تقدَّم رجل يدعى (أبو عبد الله) من حركة فتح كان يعمل مع خليل الوزير (أبو جهاد) نحو الشاعر، وفاجأه قائلاً: هل تريد التعرُّف إلى مؤلف الجفرا الفولكلورية! أجابه المناصرة في البداية: (المؤلف الأصلي لنمط الجفرا هو شخص مجهول، ولكن لا بأس من مقابلة هذا الرجل).

يضيف المناصرة: (لم أكن واثقاً من صحة الخبر، مع هذا قررت أن أغامر، لعلّ وعسى). تحاور الشاعر الدكتور المناصرة مع صاحب البيت في منزله في (مخيم عين الحلوة) لساعات طويلة. أدرك بعدها أنه أمام مفاجأة واقعية حقيقية، وإن ساورته بعض الشكوك. عاد الشاعر مرة أخرى بعد أيام إلى منزل الرجل، وحاوره مرة أخرى. ثمَّ ذهب إلى (مخيم برج البراجنة) في بيروت والتقى بعض أهالي قرية كويكات. عندئذ وجد نفسه وجهاً لوجه أمام (جفرا الحقيقية) في (حارة حريك) في بيروت، دون أن يكلمها.

عاد المناصرة إلى بعض المراجع التاريخية لتحقيق الأحداث التي وردت في (سردية العاشق)، وبهذا نشر قصة جفرا الكاملة الحقيقية لأول مرّة في مجلة (شؤون فلسطينية) عدد حزيران 1982، التي كانت تصدر عن مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، حيث كان (سكرتير تحريرها)، ثمَّ أعاد نشرها في كتابه (جفرا الشهيدة، وجفرا التراث) عام 1993، الذي صدرت منه طبعة ثالثة عن دار الصايل الأردنية عام 2013. وكان الشاعر المناصرة قد أصدر ديواناً شعرياً بالفصحى بعنوان ،(جفرا) عام (1981) في بيروت:

ـ قصة بسيطة: عشق (أحمد عبد العزيز علي الحسن) 1915 من قرية كويكات، قضاء عكا بفلسطين فتاة من عائلته تدعى (رفيقة نايف حمادة الحسن)، وكانت في سن السادسة عشرة من عمرها وعقد قرانه عليها، لكنها هربت من بيته، في ليلة الزفاف بعد أن ضربها بقسوة، انطلاقا من نظرية شعبوية تقول (اضرب القط، قبل ما ينطّ). وهكذا تزوجت جفرا فيما بعد، (محمد إبراهيم العبد الله)، ابن خالتها، بينما تزوج (أحمد عزيز) كما يناديه أهل كويكات بامرأة أخرى. يقول المناصرة في كتابه: (الطريف هو أنني عندما زرته في مخيم عين الحلوة، قرب صيدا، قال لي بعض الجالسين إن زوجته ظلت تناديه باسم: أبو علي الجفرا!. طبعاً كان أهالي كويكات يسردون قصة الجفرا فيما بينهم همساً، بسبب التقاليد المرعية آنذاك).

ويقول المناصرة في كتابه: (وصلت إلى استنتاج أن قصة الجفرا حدثت حوالي عام 1939). وبعد أن كانت الحادثة، ظل أحمد عزيز يعيش حالة عشق لجفرا، وكان (زجّالاً) في الأعراس، وبما أن التقاليد تمنعه من ذكر اسمها الحقيقي، فقد سمّاها (الجفرا)، ترميزاً لها، وظل يغني في الأعراس (جفرا ويا هاالربع). طبعاً قدَّم لنا (المناصرة)، النصوص الأصلية للجفرا، كما سمعها حرفياً من  مؤلفها الأصلي (أحمد عزيز)، بل وغنى أحمد عزيز بعضها أمامه بصوته الشجي الحزين، كما وصفه المناصرة، لكن أحمد عزيز تنكر لبعض النصوص نافياً نفياً قطعياً أن يكون هو قائلها، والسبب معروف، هو أنها تؤكد قصة هربها: (واللّي جوزها نذل.. ترخي السوالف ليش!).

ـ استشهدت جفرا إسماعيل النابلسي (جفرا الشهيدة) عام 1976 في بيروت، وتوفي (أحمد عزيز) في حارة الناعمة، جنوب بيروت، عام 1987. وتوفيت (رفيقة نايف حمادة الحسن) أي جفرا التراث، عام 2007 في مخيم برج البراجنة، في بيروت، وزار (الشاعر المناصرة) قبرها في صيف 2008. أما قبر (جفرا الشهيدة) فهو في مقبرة مدينتها بفلسطين، على الأرجح، لكن البعض يقول إنه في دمشق. أما الشاعر المناصرة، فهو من مواليد الخليل،   1946، حصل على الدكتوراة في الأدب المقارن في جامعة صوفيا، 1981. وحصل على رتبة الأستاذية (بروفيسور) في جامعة فيلادلفيا، 2005. وتقاعد بتاريخ (1/9/2017). عمل أستاذاً في خمس جامعات عربية في الفترة (1983-2017). وأصدر أحد عشر ديواناً شعرياً، وخمسة وعشرين كتاباً في النقد الثقافي المقارن، والتاريخ والفكر، وصدر عن شعره (42 كتاباً نقدياً)، أغلبها رسائل ماجستير ودكتوراه. وهو قليلاً ما يتكلم في الموضوع، لكنه افتتح (مقهى جفرا) لصاحبه عزيز المشايخ بعمّان في أكتوبر 2006، حيث قرأ قصيدته أمام جمهور كبير، وغادر بسرعة.

هكذا تحوّلت (جفرا) من قصة واقعية إلى أسطورة، والفضل كله لصانع الأساطير، أي الشاعر المناصرة.

ـ أما معنى جفرا اللغوي فهو (أنثى الغزال)، أو (الماعز لم يبلغ حولاً)، أو بلغة الريف الفلسطيني (الفتاة قمر 14)، أي الجميلة اليانعة.

 

خلاصة:

أولاً: عقد (أحمد عزيز الحسن) ـ 20عامًا، قرانه على ابنة عمّه (رفيقة نايف حمادة الحسن) ـ 16 عامًا، في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين في ( بلدة كويكات – قضاء عكا) . وفي ليلة الزفاف ضربها بقسوة، انطلاقا من النظرية الشعبوية السائدة آنذاك، (اضرب القط، قبل لا ينط). هربت العروس إلى بيت أهلها في ليلة الزفاف، ورفضت العودة، وساندها في الرفض والدها (نايف الحسن)، ووالدتها (شفيقة إسماعيل) ورغم الجاهات، إلا أنه أجبر على طلاقها أمام المحكمة الشرعية في مدينة عكا.

كان أحمد عزيز قد تعلم حتى الصف الثاني الابتدائي في (الكُتّاب)، وكان زجّالاً في الأعراس. لهذا أطلق على (رفيقة) اسماً رمزياً هو (الجفرا). وتزوج أحمد عزيز من امرأة أخرى عام 1940 هي (خديجة صنوبر). وفي عام 1948 تهجّرت العائلتان (عائلة أحمد عزيز)، وعائلة جفرا، التي تزوجت من ابن خالتها (محمد إبراهيم العبد الله) ـ إلى لبنان. حيث عمل أحمد عزيز حلاّقًا، وبائع عطور في مخيم الرشيدية، قرب مدينة صور. وتنقل في عدة مخيمات، منها مخيم عين الحلوة. أما جفرا فقد ارتحلت مع زوجها إلى مخيم برج البراجنة، وامتهنت مهنة (التطريز)، فأصبحت صاحبة مركز للخياطة والتطريز. ومنذ عام 1948، وحتى عام 1987، لم يتقابل أحمد عزيز مع جفرا، لكنه عندما كان على فراش الموت طلب من أولاده أن تأتي جفرا لتسامحه، فزارته جفرا وسامحته. هذه هي قصة (جفرا التراث).

ثانيا: تحولت جفرا إلى قصة فلسطينيية وعربية وعالمية، منذ عام (1976)، عندما نشر الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة قصيدته الشهيرة (جفرا أمّي إن غابت أمي). ولها قصة أخرى، ولا علاقة لها مطلقا بـ (جفرا التراث)، لكن الجامع بين الروايتين هو (الاسم فقط)، لأن (جفرا الشهيدة) هو اسم حقيقي لطالبة فلسطينية (19 عامًا)، وهو (جفرا إسماعيل النابلسي)، وهي تنتمي لعائلة من الجليل الأعلى، كانت لها علاقة عاطفية بالشاعر المناصرة، مواليد الخليل، 1946، وكان يعيش في بيروت بحكم انتمائه للثورة الفلسطينية آنذاك. استشهدت (صدفة) بنيران طائرة إسرائيلية في غارة على بيروت. وقد اشتهرت قصيدة المناصرة في رثائها بعد أن غناها (مارسيل خليفة وخالد الهبر)، وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة. وقالت الصحافة إن قصيدة المناصرة هي التي تجاوزت الفولكلور، وتفوقت عليه، فهي التي حوّلت جفرا  إلى رمز عالمي، وليس الفولكلور (جفرا وياها الربع)، وقد ساعد في ذلك أنها مكتوبة بالفصحى.

ثالثًا: قبل عام (1982) لم تكن قصة أحداث جفرا معروفة إلا في إطار عائلات قرية (كويكات)، لكنها عرفت فلسطينياً فقط كنمط غنائي محدود. أما أحداث القصة، فقد كشف عنها لأول مرّة (الشاعر المناصرة نفسه) في دراسة استقصائية نشرت في (مجلة شؤون فلسطينية، عدد حزيران،1982) (وله الفضل في انتشارها الواسع عربيا وعالميا كما يقول الباحث صقر أبو فخر ـ موقع فلسطيننا، 2/7/2013).

 

رابعًا: الملاحظة الأخيرة  هي أن نمط (الجفرا) الشعبي هو النمط الوحيد  من بين أغاني بلاد الشام الشعبية، الذي يمكن وصفه بأنه (فلسطيني خالص)، خصوصًا بعد اكتشاف مبدعه الشعبي (أحمد عزيز) عام 1982. وكان قد ابتدع هذا النمط منذ (1939) تقريبًا في الأعراس.

 

 

جفرا أُمّي إن غابت أُمّي .. عز الدين المناصرة

الليلةَ جئنا لننامَ هنا سيّدتي

يا أمَّ الأنهارِ، ويا خالةَ هذا المرجِ الفضّيّ

يا جدَّةَ قنديلِ الزيتون

الليلةَ جئناكِ نغنّي

للشعرِ المكتوبِ على أرصفةِ الشهداءِ المغمورين نغنّي

للعمّالِ المطرودينَ نغنّي

ولجفرا سنغنّي.

ـ مَنْ ﻟﻢ يعرْف جفرا.. فليدفن رأْسَهْ

من ﻟﻢ يعشق جفرا.. فليشنق نَفْسَهْ

فليشرب كأْسَ السُمِّ الهاري،

يذوي، يهوي.. ويموتْ

جفرا جاءت لزيارةِ بيروتْ

هل قتلوا جفرا عندَ الحاجزِ،

تحت شُجيرات التوتْ

أمْ صلبوها ﻓﻲ التابوت؟!

أم أنَّ الوحشَ الطائرَ،

أطلق في الفجر قذيفتهُ،

نحو الوردةِ، نحو مخدَّتها

في الزمن المغلول.

جفرا أخبرني البلبلُ لمّا نقَّرَ حبّات الرمّان

لمَّا وَتْوَتَ في أُذْنِ القمر الحاني في تشرين

هاجت تحت الماءِ طيورُ المرجانْ

شجرٌ قمريٌّ ذهبيٌّ يتدلّى من عاصفة الألوان

جفرا عنبُ قلادتها ياقوت

ـ تتصاعدُ أُغنيتي عَبْر سُهوبٍ زرقاء

تتشابهُ أيامُ المنفى، كدتُ أقول:

تتشابهُ غاباتُ الذبحِ، هنا، وهناك.

تتصاعدُ أغنيتي: زرقاءَ وحمراء:

ـ الأخضرُ يولدُ من دمعِ الشهداءِ على الأحياء

الواحةُ تولدُ من نزفِ الجرحى

الفجرُ من الصبحِ

إذا شَهَقَتْ حبّاتُ ندى الصبحِ المبحوح

ترسلني جفرا للموتِ،

ومن أجلكِ يا جفرا

تتصاعدُ أغنيتي الخضراء.

ـ منديلُكِ ﻓﻲ جيبي تذكار

ﻟﻢ أرفعْ صاريةً، إلاّ قلتُ: فِدى جفرا

ترتفعُ القاماتُ من الأضرحةِ، وكدتُ أقول:

زَمَنٌ مُرٌّ، جفرا.. كلُّ مناديلكِ قبلَ الفجرِ تجيءْ:

ﻓﻲ بيروتَ، الموتُ صلاةٌ دائمةٌ..

القتلُ جريدتُهُمْ،

قهوتُهمْ،

القتلُ شرابُ لياليهم

القتلُ إذا جفَّ الكأسُ، مُغنّيهم

وإذا ذبحوا.. سَمَّوا باسمكِ يا بيروت.

ـ سأعوذُ بِعُمّال التبغِ الجبليّ المنظوم

هل كانت بيروتُ عروساً،

هل كانت عادلةً.. ليستْ بيروتْ

إنْ هي، إلاّ وجعُ اللحمِ الملْموم

حبَّاتُ قلادتهِ، انفرطَتْ، ﻓﻲ يومٍ مشؤوم

ـ إنْ هي إلاّ همهمةُ الصيّادينَ،

إذا غضبَ البحرُ عليهم

إنْ هي إلاّ جسدُ إبراهيمَ،

المُتناثرُ، قربَ الفُرْنِ البلديّْ

إنْ هي إلاّ أبناؤك يا جفرا

يتعاطونَ حنيناً مسحوقاً ﻓﻲ زمنٍ ملغوم

إنْ هي إلاّ أسوارُكِ يا مريام

إنْ هي إلاّ عنبُ الشام

ما كانت بيروتُ وليست،

لكنْ تتوافدُ فيها الأضداد

تجري خلفكَ قُطْعانُ الروم

وأمامكَ بحرُ الروم.

ـ للأشجار العاشقةِ أُغنّي

للأرصفةِ الصلبةِ، للحبِّ أغنّي

للسيّدةِ الحاملةِ الأسرار، رموزاً ﻓﻲ سلَّة تين

تركضُ عبرَ الجسرِ الممنوعِ علينا،

تحملُ أشواقَ المنفيين

لفلسطينَ أُغنّي..

لامرأةٍ بقناعٍ في بابِ الأسباطِ أغنّي

للولدِ الأنْدلسيِّ المقتولِ على النبعِ الريفيّ أغنّي

لعصافيرِ الثلجِ تُزقزقُ في عتباتِ الدور

للبنتِ المجدولةِ كالحور

لشرائِطها البيضاء

للفتنةِ في عاصفةِ الرقصِ الوحشيِّ أغنّي

لفلسطينَ الخضراءَ، أغنّي

ـ لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ السجنِ، أُغنّي

لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ القبرِ، أُغنّي

جفرا أُمّي إنْ غابتْ أُمّي

وضفائرُ جفرا،

قصّوها قربَ الحاجز،

كانت حينَ تزورُ الماء

يعشقها الماءُ.. وتهتزُّ زهورُ النرجسِ حولَ الأثداء.

جفرا، الوطنُ المَسْبيّْ

الزهرةُ، والطلْقةُ، والعاصفةُ الحمراء

جفرا ـ إنْ ﻟﻢ يعرفْ، مَنْ ﻟﻢ يعرفْ

غابةُ بلّوطٍ ورفيفُ حمامٍ.. وقصائدُ للفقراء

جفرا ـ من ﻟﻢ يعشق جفرا

فليدفنْ هذا الرأسَ الأخضرَ ﻓﻲ الرَمْضاء

أوْ تحتَ السور

أرخيتُ سهامي،

قلتُ: سمائي واسعةٌ والقاتلُ محصور

منْ ﻟﻢ يخلع عينَ الغولِ الأصفرِ..

تبلعُهُ الصحراء.

ـ جفرا عنبُ قلادتها ياقوت

جفرا، هل طارت جفرا لزيارةِ بيروت؟

جفرا.. كانت خلفَ الشُبَّاكِ تنوح

جفرا.. كانت تنشدُ أشعاراً.. وتبوح

بالسرِّ المدفونْ، المغمور

جفرا أُمّي إنْ غابتْ أُمّي

ﻓﻲ شاطئ عكّا.. البيضاءِ الدور

وأنا لعيونكِ يا جفرا، سأغنّي

لفلسطينَ الخضراء.. أُغنّي

سأغنّي

سأُغنّي.

ـ كانتْ.. والآن تعلّقُ فوقَ الصدر، مناجلَ للزرعِ

وفوقَ الثغر، حماماتٍ بريّةْ.

النهدُ على النهدِ، الزهرةُ تحكي للنحلةِ،

الماعزُ سمراء،

الوعلُ بلونِ البحر، عيونكِ فيروزٌ يا جفرا.

وهناك بقايا الرومان: السلسلةُ على شكلِ صليبٍ من نور

هل عرفوا.. شجرَ قلادتها من خَشَبِ اليُسْرِ،

وهل عرفوا أسرارَ حنين النوق

حقلٌ من قصبٍ، كان حنيني

للبئرِ وللدوريّ، إذا غنّي لربيعٍ مشنوق

قلبي مدفونٌ، تحت شُجيرةِ برقوق

قلبي ﻓﻲ شارعِ سَرْوٍ مصفوفٍ، فوقَ عِراقيّةِ أُمّي

قلبي ﻓﻲ المدرسةِ الغربيّة

قلبي ﻓﻲ المدرسةِ الشرقيّة

قلبي ﻓﻲ النادي، ﻓﻲ الطللِ الأسمرِ،

ﻓﻲ حرْفِ نداءٍ ﻓﻲ السوق.

جفرا، أذكرها، تلحقُ بالباصِ القروي

جفرا، أذكرها طالبةً، ﻓﻲ جامعةِ العشّاق.

ـ مَنْ يشربْ قهوتهُ ﻓﻲ الفجر، وينسى جفرا

فَلْيدفنْ رأسَه

مَنْ يأكلْ كِسْرتَهُ الساخنةَ البيضاء

مَنْ يلتهمُ الأصدافَ البحريةَ ﻓﻲ المطعمِ،

ينهشُها كالذئب

من يأوي لِفراشِ حبيبتهِ، حتى ينسى الجَفْرا

فليشنقْ نفَسَه.

جفرا ظلَّت تبكي ﻓﻲ الكرملِ،

ظلَّتْ تركضُ ﻓﻲ بيروت

وأبو الليلِ الأخضرِ، من أجلكِ يا جفرا

يقذفُ من قهرٍ طلقته.. ويموت!

المراجع:

ـ عز الدين المناصرة: الأصل التراثي لأغنية (جفرا وياها الرّبع) ـ شؤون فلسطينية، عدد حزيران 1982، مركز الأبحاث الفلسطيني، بيروت.

ـ عز الدين المناصرة: (جفرا الشهيدة، وجفرا التراث)، دار الصايل، (ط3)، عمَّان، الأردن، 2013.

شاهد أيضاً

أحمد عبد المعطي حجازي

أحمد عبد المعطي حجازي: الزعامة تأتي قبل الوصول للسلطة (2ـ 2)

  * أتمنى أن يحافظ الجيل الجديد على فن «الواو» * أسوأ ما ارتُكب ضد …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية