حكاية بابا صو .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

(1)

سنة 1984 ظهر شخص بملامح غريبة جدًا. من رأوه حينها استبعدوا تمامًا أن يكون جنسًا بشريًا، فلم يكن فيه أي شيء يشبه باقي البشر. لقد كان طويلاً بشكل مهول، وله رأس ضخمة، ولا يمكن لمن رآه أن لا تصيبه الدهشة.

من رأوه كانوا يعتقدون أنهم يرون كائنًا غريبًا وقبيحًا جدًا، لكنهم كانوا لا يضحكون أبدًا، لم يقو أحد منهم على الضحك مطلقًا وهم يرون هذا الشخص الغريب. كان اسمه بابا، وكان يسوق عربة كارو يجرها حمار منهك، تجوب شوارع مدينة آسفي، لكن العربة ما لبثت أن اختفت فجأة، فقد قيل إن بابا هذا مات سريعًا بسبب العيب الخلقي الذي جعل كل أعضاء جسده تتعاظم بشكل مهول، مات وترك عربة الكارو التي كان يسوقها ويذهب بها إلى ميناء مدينة آسفي، وترك حكايته الغربية دون تتمة نهائيًا.

 

(2)

لقد سميته بابا صو .

هذه تسيمتي أنا، فحين رأيته أول مرة وقفت مندهشًا أنا الآخر .

كنت بميناء مدينة آسفي أزور أحد العاملين في حراسة البواخر، والذي يسمونه في لغة أهل البحر والبحارة بالموس. كنت جالسًا على حافة باخرة لصيد سمك، فإذا بعربة يجرها حمار منهك تتهادى فوق الطريق.

لم يكن الحمار ولا العربة بالشيء الجديد الذي يمكن لشخص مثلي أن يستغرب وجوده، فشوارعنا كلها عربات كارو، وكما نرى سيارات رباعية الدفع، وحافلات متقنة الصناعة، نرى أيضًا هذه الحمر المستنفرة التي تجر عربات متهالكة. ما أثارني هو ضخامة الشخص الذي يمسك اللجام، والذي كانت له رأس عظيمة جدًا، ويدان كبيرتان، ويمكن أن يكون جذعه الأعلى فقط بطول شخص بقامة متر وخمسين سنتمترًا.

سبق وأن سمعت كلامًا عن هذا الشخص، لكني كنت أقول إن أصدقائي الغرباء، الذين قضوا الكثير من أيامهم في البحر، ينسجون حكايات غريبة بسبب الخمر وإدمان الحشيش، لكن أكثر بسبب الهم المقيم في خواطرهم، لكن حين رأيته ظهر لي جليًا أنهم لم يصفوه بشكل جيد، وأنه فوق الخيال كثيرًا .

كانت السنة 2003، بعدها بسنتين تقريبًا سيختفي هذا الشخص نهائيًا، وسأعرف أنه بدأ بالظهور في الميناء بعربته الكارو مرات قليلة كل شهر بداية من سنة 1984.

حين رأيته أول مرة وآخر مرة فكرت :«الحياة غريبة جدًا» .

 

(3)

لا شيء يمكن معرفته عن بابا صو هذا .

حين كان يظهر في الميناء بعربته الكارو كان يشتري كميات من السردين ويختفي نهائيًا. كل من تحدثوا عنه انشغلوا بوصف هيئته، ولا أحد منهم قال من هو، من أي منطقة يأتي، ولم هو بشكل يختلف عنا؟

سأعرف فيما بعد جوابًا عن سؤال لم هو بشكل يختلف عنا؟ وهذا الجواب لا أظن أن أصدقائي الذين ما زالوا يشتغلون في الميناء توصلوا إليه. لقد كان بتشوه جيني يجعل كل أطراف جسده تتعاظم بشكل مستمر؛ اليدان تصيران بحجم طفل صغير، والرأس لوحدها تتحول إلى بالون يتم نفخه باستمرار، والقدمان تصير أصابعهما كأنهما أصابع غيلان متوحشة. الناس الذين كانوا يرونه لم يكن يهمهم أن تشوهًا جينيًا حدث لهذا الشخص، ما كان يهمهم هو أن كائنًا غريبًا يسوق عربة كارو بالكاد تتحمل وزن سائقها، يتجول بينهم، ويريد أن يشتري سمك السردين تحديدًا دون غيره .

لقد ظل سائق العربة عبارة عن لغز، فلا أحد تقرب منه؛ من يمكنه أن يتقرب من شخص بهذه المواصفات غير المحتملة؟

لا أحد حدّثه ولو حديثًا عابرًا. من كان يشتري منهم السمك كانوا لا يجادلونه نهائيًا كما سمعت، فما إن يخرج صوته الرهيب من فيه سائلاً :

ـ بشحال السردين .

حتى يقدم له البائع السردين ويأخذ ما يعطيه دون أن ينبس بكلمة .

هذا ما فعله سائق العربة ما بين 1984 و2003، فكل شهر كان يأتي مرة أو مرتين إلى ميناء آسفي ثم يختفي، ليترك نفسه كلغز بغير حل. بعد سنة 2003 لن تظهر عربة الكارو، وسيروّج خبر عن وفاة سائقها .

 

(4)

بابا صو

ـ لم هذا الاسم؟

ـ كان بإمكانك أن تسميه محمد، أو عيسى، أو كمال، أو أي اسم لعين.. لم بابا صو تحديدًا؟

ـ لا أعرف لم سمَّيته هكذا، لكن أظن أن من سيكتب عن شخصية لا يعرف اسمها، يجب أن يختار اسمًا مثيرًا، خصوصًا حين تكون الشخصية التي سيتحدث عنها بالفعل شخصية غريبة. هل يمكن أن تتوقع أن كمال له هذه المواصفات التي تحدث عنها سابقا؟ ومحمد… هل تظن أنه يمكن أن يوجد محمد بهذا التشوه الخلقي اللعين؟ لا شك لا.. لذا اخترت بابا صو، لقد كانوا في الميناء يلقبونه ببابا؛ لا أعرف لم؟ فهم لم يكونوا يعرفون اسمه حقيقة، لكنهم حين كانوا يرونه يسوق عربته تلك كانوا يقولون بإجماع :

ـ ها هو بابا جاي .

أما كلمة صو، فحقيقةً لا أعرف لم اخترتها .

لكنها جميلة

ألا تلاحظ ذلك؟

 

(5)

هل أحب بابا صو؟

هل مارس الجنس؟

هل قبّل فتاة ما؟

هل أنجب طفلاً يحمل اسمه؟

أكيد لا ..

ألف لا ..

فبابا صو خلق كي يمر على الحياة فقط، خلق كي يعطي إشارة إلهية للناس هو نفسه لا يعرفها، تم يموت بعدها ميتة تريحه وتريح من يرونه.

هل دخل بابا صو المدرسة؟ وجلس على طاولة قرب تلميذة بعينين صغيرتين وأجاب الأستاذ عن سؤال :

ـ من أسس المغرب؟

أكيد لا ..

لا أظن أن والد بابا صو أدخله المدرسة، فإذا كان العديد من الأبناء الذين لا عيب خلقي فيهم، وأطرافهم متناسقة جدًا، وجميلة، لم يدخلوا المدرسة، خصوصًا حين يكونون أبناء فقراء، أو قادمين من مناطق فقيرة، في مغرب منسي، لا يأبه له أحد، فكيف سيتم إدخال بابا صو المدرسة .

لم يدخل المدرسة بابا صو، وهذا ما يجب أن يكون عليه الأمر، فأي باب لعين يمكنه أن يتحمل دخول شخص كبابا صو؟ وأي أستاذ عارف يمكنه أن يتحمل إلقاء الدرس لبابا صو؟

 

(6)

بابا صو عاش، من خلال ملاحظتي له أول الأمر، أكثر من عشرين سنة .

لكن كيف عاشها، وأطرافه كانت تتمدد كل يوم بشكل مهول؟

أتوقع أن بابا صو كان لا يعرف ما يقع له، من يرونه هم من كانوا يلاحظون التغيرات الفظيعة التي تحدث له، أما هو فقد كان بنفسية الطفل الصغير الذي كان يصر دائمًا على رؤية الرسوم المتحركة على شاشة التلفزة.

هل كان والد بابا صو يتوفر على تلفزة؟

سأعتبر أنه كان يتوفر على تلفزة، كي لا يخرج بابا صو من هذه الحياة بغير أي متعة. سأعتبر أن والد بابا صو، كانت له القدرة على شراء تلفزة، ووضعها أمام ابنه المشوّه خلقيًا، وتركه يسافر عليها .

أعرف أني أكذب، فالكثير من العوائل المغربية لم تضع تلفزة في صالون البيت الحقير إلا في السنوات الأخيرة، لكن لا بأس أن نعتبر بابا صو عاشقًا للرسوم المتحركة، فشخص مثله لا يمكنه أن يعشق شيئًا أبدًا إلا إذا كان مرتبطًا بالطفولة، وبالمرح، وبالحكايات الجميلة التي يرى أن الرسوم المتحركة تسردها له .

 

(7)

بابا صو..

أريده أن يعيش كباقي البشر، لكن الحقيقة مختلفة، فكيف لمن كان يجعل عتاة المجرمين في ميناء آسفي يتوقفون عما يقومون به ليشاهدوه، ويحوقلون حامدين الله على أنهم لا يشبهونه، أن يعيش كباقي البشر؟

سأتخيله قد تزوج ..

وهذه كذبة كبيرة، فلا يمكن لبابا صو أن يتزوج، إلا إذا كانت هناك أنثى مثله، ولا أظن أن في مدينة آسفي كانت هناك فتاة تشبه بابا صو .

لقد تزوج؛ هذا ما أريده حقيقة، فمن الصعب أن يمر الإنسان في هذا الوجود دون أن يتزوج، ورغم أني لم أتزوج إلى حد الآن، إلا أني أظن أن من بين هبات الله في الكون هي أن يتزوج عباده بعبداته؛ هل هناك مصطلح العبدات في اللغة؟

لكن من تزوجته؟

إنها كذبة سيئة جدًا، فحتى وإن أردت أن أكون أكثر من إنسان فلن أنجح في العثور على من ترضى بالتزوج من بابا صو .

أنا على يقين بهذا الأمر حتى داخل السرد المتخيل، وكل واحدة سأعمل على جعلها تتزوج بابا صو سترفض ذلك، وستتهمني بأني ديكتاتور حقير، وأني أنفذ ما يوجد بمخيلتي، لذا أقول :

لا ..

لا ..

لم يتزوج بابا صو

وكان يقضي أيامه بممارسة العادة السرية إلى أن مات .

 

(8)

هل أحبت أم بابا صو بابا صو؟

أريد أن أقول نعم، فالأم تحب كل أبنائها كيفما كانوا، لقد أحبته، لكنها تمنت أنها لم تلده، وربما حين ولدته بدأت تظهر المشاكل بينها وبين زوجها، وبدأ الرابط الأسري القوي يتهاوى، فوليد مثل بابا صو يمكنه أن يفجر أي علاقة، لكنها كأم موعودة بالجنة لم تتخل عن بابا صو رغم أنها لم تحبه، قد كانت تنظر إليه بخوف؛ فكيف تلد هي ضئيلة الحجم هذا العملاق المتضاخم الأطراف؟ أحبته لكنها كانت تخفي أنه ابنها، وحين كبر قليلاً تخلصت منه، فهو يمكن أن يعرف أموره دون الحاجة إليها، لكن متى يمكن للابن أن يعرف أموره دون وصاية أمه؟

بابا صو من الواجب أن تتخلى عنه أمه، لذا سيضطر أن يبني عشة بأرض خلاء بعيدة عن البيت كي يسكن فيها، فلا شك أنه قد اكتشف أن لا أحد يريده قربه، وأن لا أحد يستمتع برفقته، وأن كل من يرونه مرة أولى لا يفضلون أن يروه مرات أخرى، وكي يعيش عليه أن يمتهن مهنةً ما .

لقد كانت مهنة بابا صو بيع السريدن لأهل القرية التي سكنها، والتي لم تكن تبتعد عن مدينة آسفي إلا بضع كيلومترات .

هل اشترى أحد السردين منه .

نعم ..

لقد كان الكثيرون يشترون السردين منه، ليس لأنهم يريدون شراء السردين، لكن لأنهم يريدون رؤية بابا صو .

هكذا كان شكل بابا صو وسيلة لمعيشته حتى مات .

 

(9)

أتوقع أن بابا صو حين مات ارتاحت عائلته ولم تبكه كثيرًا، لقد تأسفوا على شيء ما غير موت بابا صو، ودفنوه كما يدفن أي كلب ثم نسوه .

شاهد أيضاً

غادة عزيز

من تكون .. غادة عزيز

  حين يستبدُّ بك التكرارُ وتمتطي الأرضَ قشعريرةً لا تطأ حدودَ الماءِ منْ تكونُ لاشتهاءِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية