حسين عبد الرحيم وخريفه المتجدد .. محمود فطين

حسين عبد الرحيم

 

«إنه الرهاب المميت من الأماكن المفتوحة، فليكن للظلام السطوة والركض دون خوف من قسوة الخوف نفسه. (…) إنني الطفل المهاجر في البراري هناك، والذي لا يريد أن ينام لأن كابوسًا ينتابه كل ليلة..» (الخريف الأخير لعيسى الدباغ ـ دار بدائل ـ 2018).

حين تفتتح متتالية النصوص المعنونة (سيرة) بجملة كهذه (الرهاب المميت من الأماكن المفتوحة) نجد أنفسنا أمام عالم غامض، مخيف، يُحكى عنه في غالبية النصوص بضمير المتكلم على لسان راوٍ عصابي يركض من خوفه حتى أنساه الخوف لماذا يركض ومم يخاف، كأنها جملة نجيب محفوظ الشهيرة في «ثرثرة فوق النيل»: «لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن، فقد انتهى بنا الأمر إلى ألا نخاف شيئًا»، هذا العالم المتداعي ترحل منه عناصر جماله مشيّعة بجو عبثي مثل نجيب محفوظ الذي يحظي بحضور متكرر باسمه وبأسماء شخصياته الروائية خلال المجموعة بدءًا من الإهداء وموزعًا على نصوص المجموعة، كما في نص (خريف): «دروب الخمرة والعتاقة والحنين واللوعة، رحيل الأستاذ وسرقة تابوته بعد تفتيش كفنه من قبل سلطات الدولة»، عبر هذا العالم تترامى أمامنا مشاهد متشظية من سيرة حياة هذا الراوي، فيكون فعل التذكر الذي لا يطاوع الراوي بكفاءة تامة هو فعل لمقاومة هذا القبح والعبث، في النص نفسه (خريف): «أنا ابن مشواري الممتد لآخر الزمان، عشت ولم أعش، مت ولم أحيا بجبروت، بين بين، ضعيف وقوي، من بعد هجير وخسران، أنا الحي الميت، الميت الحي، طويل النفس، بأرواحٍ سبع، ويحق لي أن أطلع على ما قدمت في هذه التجربة العبثية الجديرة بالتأمل والاستقصاء، ويحق لي أيضًا أن أقدم كشف حسابي للمسئول بقسم الخلائق».

فعل المقاومة هذا يمتد ويتوسع ضد الجميع وضد كل السلطات، نراه في صيحة الرواي في فتوّته وهو يجرح وجه البلطجي الذي اعتدى عليه قبلًا: «عدت لك يا ابن القحبة.. أنا حسن الغجري الذي لا تعرفه، إياك أن تنساني مهما طال الزمن» (حسن كبريت 2)، ضد السلطة السياسية في الفراعين: «رأيت ضابط الداخلية وهو يقفز فوق حاملة الجنود وقد أعد سلاحه للقتل المبين، أرى ملامح غريبة لوجوه غير مألوفة تعتلي أسوار الجريك كامبس. الأدخنة تحلق في مستويات عدة تطول السماء صعودًا من فضاءات الفلكي، ولم يزل الشيخ ينعي الأمة في نكباتها التي لا حصر لها منذ فجر التاريخ، حشود بالآلاف بدأت في ترديد الهتافات: عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية»،

الذاكرة المضطربة تقاوم ضد الزمن وضد النسيان بتناصٍ مع الأغنية (دائرة الرحلة): «شاحذًا همة ما تصلح لآخر أيام المدينة التي أذابت ألف حذاء في مشواري الممتد بلا منتهى ولا رؤية للطريق.. الخريف في غمامه أنا.. ولدت شقيًا بلا ذنب، عيني كليلة، رمدي يطول، قل لي يا رفيق: متى يصل الركب لميناء معلوم؟ متى تنتهي المسيرة ويصير المسار ذا جدوى؟ أقول عندما تباد الخليقة حتى آخر متشائل يمتزج ضحكه بالبكاء»، تستمر الرحلة المتوترة العصابية متحدية الزمن وقد نسي صاحبها خوفه: «أمشي بروية بعدما مللت التسول، أنا الشحاذ ابن النكبات والثورات والرجاء والأمل وخيبة اليقين، لم أعد أكترث بالصدمات، أراود السأم على مقربة، قريب جدًا جدًا الموت من أبي، ولي أقرب (..) أسري وقد فاتتني خارطة المعراج في صحارى النبوة لعلني أفوز بلؤلؤة المستحيل، ليعصف بي من جديد اليقين المراوغ»، ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى العمل المهم (البحث عن لؤلؤة المستحيل/ دراسة لقصيدة أمل دنقل: مقابلة خاصة مع ابن نوح) للراحل الكبير د. سيد البحراوي، حيث يستحضر الكاتب القيمة الشعرية التي يمثلها أمل دنقل بلقبه الذي اشتهر به (أمير شعراء الرفض)، كأنه يضفر بجماليات رفضه عالمه الصاخب المسكون بالاحتجاج الدائم، هذا الاحتجاج لا تفلت منه حتى سلطة العائلة فنراه يحدثنا بضع مرات عن (ركلة أبيه ببوز حذائه في رأسه): «أفقدني الذاكرة يومًا ما دون أن يقصد.. سيأتي أبي من سفره كدرًا ليشوطني، يرميني كجوال فارغ» في نص ذي عنوان دال: (سيرة الكاتب)، مجرد الاحتفاظ بالذاكرة هنا هو فعل مقاومة ضد ركلة حذاء الأب، ضد صرامة الأم التي في نص (محطة): «لم تعش ولم تحيا كما يجب.. أين هي من كلمات أو محطات أو فرجات أو وقفات مثل الفرح أو السعادة أو التنزه أو حتى العيش السوي أو الأمل المجرد.. هي التي عاشت ميتة؟ (..) كيف كانت تحتفظ بكل هذه التراكمات من الحنان والغفران والرحمة، والتي دام حجبها عمرها كله، خلف كبرياء عظيم يتجلى في نظرات عيونها الزرقاء وفمها الشركسي، وتلك الأصابع القصيرة التي طالما صدت أبواب الاستغفار والرحمة في كياني؟»، روح التمرد الفتية هذه التي ترى سوءات العالم كله مركزة في القاهرة (يعلنها الراوي «عاصمة الغبار والبلادة») ولا تنجو منها بورسعيد بحكايات الأب القاسي ومأساة التهجير عقب هزيمة 1967، ولا الإسكندرية رغم استعادتها بشيء من الحنين يداخل ذكريات عن التكدير في أيام الخدمة العسكرية في كنج مريوط، هذه الروح ترى السوءات وتهتف أمام الجميع بلغة شاعرية غاضبة (أو هي شعرية الغضب) كما في الحكاية الشعبية الشهيرة: «الملك عارٍ»، كما رآه الراوي في نص (تراب ساخن): «أيام العذاب والزحف على التراب، فأراني صبيا في التاسعة عشر، يقفز وحده ومن خلفه جنود الشرطة العسكرية في المنشية فصفية زغلول فمحطة الرمل جريًا قبل سيسيل، بضحكة تجلجل بسخرية ، فيضحك المارون قبل الكورنيش وقت الغروب، ويجتر بقايا من سيرة الصول عبد الله القادم إلى الكنج في تكديره، وتوددي للكلب سوده في مركز التدريب وإطعامي إياه باللحم الذي أنفر منه ويشاطرني بقية عساكر الطلبة، وتمسيدي لكتفه وظهره وقتما نظرني بخبث ومكر أعقبها بتحديقه الفاهم، ليركض خلف عبد الله وهو يتغوط في الرمال قرب الميز، ليجري وقد ترك بنطاله الميري، شبه عارٍ، يتقافز صارخًا على تراب الكنج الساخن».

هذه الروح المتوثبة تنتج من القبح المتوالد جمالًا متوحشًا، وتعطينا خريفًا لن يكون خريفها الأخير.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية