حديثٌ موضوع .. محمد الأمين سعيدي

محمد الأمين سعيدي

 

حدثني أبي عن أبيه عن جده عن سلسلة من الأسلاف العابرين مهالك الصحراء على جمر الترحل منذ كذا وكذا؛ قال: أنت جينات مترعة بالجرح، قديمة الوجود، تنتقل من جسد إلى جسد حتى وصلت إليك من دم مني ودم من طيبة أمك.. وقال إن الحزن الذي يقيم مأتمه في مجرى عروقي قضية وراثة، والفرح المطرود من القلب شأن عائلي محض.. قلت: كيف علم الأسلاف بحالي قبل وجودي، وكيف تقوم حجة لهذه الرواية الغريبة؟ أشعل سيجارة ونفخ في الهواء وثنى أن اُنظر؛ فرأيت البكاء في عيون كثيرة تشبه لون عيني، أو على خدود كأنها سمرة خدي، وقلوب قلقة كأنها قطعة من قلبي. ثم أفقت أو ربما بكيت. وأضفت: لماذا ننال من ثريد الحظ هذا النزر الشحيح؟ أشعل سيجارة أخرى ونفخ فرأيت جدًا قديماً كأنه أخي الذي قرّبه العنف لعطش الخنجر يقول لي: لا يقوم فينا جرح فينطفئ ولا ينضب لنا بئر فيتفجر به ماء. هكذا نذرتنا الصحراء للرهق من السبل، وعلمنا الشقاء قسوة اليد مع حنان القلب. ثم استفقت؛ فبكيت مرة أخرى. وتكلمت في سري بما أخبرني أبي أنه سمعه الأجداد جميعًا دون صوت في حيرة سمتي: هذا تكرار رهيب لأحداث عتيقة وأحزان معتقة في جسد حديث هو جسدي، وأن البيولوجيا لا تنفي هذا ولا تكذبه كلية. ثم أُغمى علي وكأني خُطِفتُ. وتناهت إلى مسامعي ما ظلت تخلقه أنامل أبي في التسعينيات من القرن المنصرم من نشيج نايه الجريح، فضحكت أخيرًا بلا بهجة وغنيت بلا طرب، ثم مت وكفنتني زوبعة والتهمت روحي الصحراء.. وكان ما كان من عدم، وفناء لاهب الخطو يجلدني، وأنا بلا وعي ولا حس في غمرة المفاوز.. استفقت أخيرًا في العراء الموحش تمامًا كآدم المطرود من بيت الرب.. وكان أبي نائمًا ولا أثر لرائحة التدخين، ولا برهان على أنه حدثني بكل هذا. فنسبتُ ما حدث إلى الوهم، وظل الرمل تغص به حنجرتي إلى الحين.

* الجزائر.

شاهد أيضاً

محمد عادل

شوبان .. محمد عادل

  أستمع أحيانًا إلى موسيقى شوبان وأقول في نفسي: «كيف لرجل لم يشهد بشاعة الطاعون …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية