حامد عاشور.. لاعب نرد حَجَره اللغة .. هند جودة‏

هند جودة

 

عن الشجرة التي صارت عكازًا قراءة في كتاب «جراح تجرب نفسها» للشاعر حامد عاشور

«إلى أولئك الذين جاؤوا إلى حياتي، يحملون تلويحات وداع ويحلمون بالتخلص منها، ثمّ وجدوا لديّ مكب الغياب الكبير الذي يبحثون عنه!»

بكل هذا الألم، وبكل تلك البلاغة في قوله يستقبل حامد عاشور زائري كتابه الذي بعنوان «جراحٌ تجرّب نفسها» ذلك لأن الوحدة تحتاج إلى شريك، ولأن لا أحد يدرك رعشة قلبه كلما تذكّر أنه غابة، هو الذي لو كان لديه طفلٌ لأسماه بابًا وأغلقه على نفسه جيدًا، وهو الذي يخبيء ضحكته بين يدي الحزن؛ لأنه لا يملك السعادة المطلقة!

شاعر البساطة المتراكبة والخيال الجامح، والألغاز التي تفكك نفسها، كلما ركضت فوق سطوره لاهثًا تحاول التقاط المجاز فتلتقطك الدهشة ويرق لها قلبك.

أدوات حامد عاشور هي الرقة وعمق التأملات، حين تقرأ نصوصه تعرف أن خلفها متأملاً شغوفًا ومبتكرَ معادلاتٍ كيميائية وهندسية أصلها الحروف وآخرها روحك:

«ماذا تريد امرأة أحبها؟

إذا كنتِ تريدين الوحدة فأنا اللاشيء

اللاأحد الذي يجلس إلى جوارك وهو يحبس أنفاسه!

إذا كنتِ تريدين النهاية

فأنا النقطة»

كيف يمكنك أن لا تركض داخلك وأنت تتابع حرفية هذا العبقري في صياغة مشاعره؟

شاعرٌ من طراز خاص، معجونة لغته بدمه، بخيباته، بالوداع وبالتطرف في استنشاق الحياة، يجّرب أن يكتب كل شيء وتطيعه اللغة في قالب غير متوقع، سيظل يدهشك بلا توقف.

بدار للمسنين في داخله يمضي هذا الشاب، بحكمة المسنين وحزنهم وقدرتهم على توزيع الحكمة وإلقاء النكات، بارع في الوصف المخاتل مثل رسام سريالي تعرف كل التفاصيل في لوحته ثم تتنفّس عميقًا وأنت تتلمس ما وراءها.

«الرجل الذي بلا امرأة

يفتح الأبواب كلها ويبقى هو مغلقًا!»

يبحث عن العطش في البئر، عن الفراغ في الدموع، عن النسيان في الجوع، وعن الاحتمال في فم الذاكرة، كل ذلك البحث المضني ليقول لك في النهاية إنه لا يقصد العبث، بقدر ما يبحث عن الاختلاف، إنه يعيد تشكيل المفاهيم والموروث والاعتيادي، يعيد كتابة اليومي والمألوف بطريقة لا تخلو من العجائبية، جوهر نصوصه التلاعب بتركيب الصور الثابتة في المخيلة.

 حامد عاشور لاعب نرد، حَجَره اللغة، كيفما سقطت الكلمات على أوراقه، كسب الجولة أمام الدهشة وداور في أزقة عقله ليهرب من المتوقع، ويعود بلغته الخاصة والمتفردة.

«تقول العصا التي بيد الراعي

ربّما لأنّ أمي تنام واقفة

وتموتُ واقفة

ظنّ هؤلاء أنني أصلحُ عكازًا!»

لو كان لدي سؤال لهذا الشاعر لكان: لماذا تبدو كما لو كنت شجرة في حياة أخرى، أو كأنك تتمنى ذلك، لماذا كل هذا الحنين والانتماء والوفاء للأشجار وساكني أعشاشها «العصافير»؟

 

غلاف حامد عاشور

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ألاعيب دينا عبد السلام في «إعادة تدوير» .. فاطمة عبد الله

  عبر منطقة تماس بين دائرتين، تأتي مجموعة «إعادة تدوير» للكاتبة الدكتورة دينا عبد السلام.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية