جوستين .. حيث تُغتال الفضيلة .. رائدة نيروخ

رائدة نيروخ

فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، تشق طريقها وحيدة بعد أن تيتمت.. جوستين من كانت ترى في الفضيلة خلاص البشرية وفي كلمة الرب راحة الإنسانية، تفترق عن أختها جوليت التي رأت أن الحرية المطلقة والانغماس في الشهوات هي غاية الغايات، وما الشرف ولأخلاق والفضيلة إلا عوائق أمام تحقيق سعادة الإنسان.

إن كنت عزيزي القارئ تنتظر نهاية مشرقة حيث يلتقي الأحبة، ويأخذ العدل مجراه، ويسود الخير، فأنصحك أن تغلق دفتي الرواية وتبحث لك عن رواية تدغدغ أحلام السعادة والعدل المطلق! وكعادة الروايات الكلاسيكية في القرن الثامن عشر، تلعب المصادفات دورها وتعد بمثابة المحرك لخيط الدمى!

فما أن تبدأ رحلة جوستين حتى تتكالب عليها أصناف البلايا والمحن، فما أن تنفذ رجلاً من سطوة اللصوص حتى يستعبدها، لتفر هاربة بعد مدة من قصره ، لتقع في براثن سيد آخر سادي يسومها سوء العذاب، ليقودها حظها العاثر إلى دير لم يكن في حقيقة الأمر سوى محفل لجماعة من المنحرفين الساديين المتسربلين برداء الكهنوت، وبقدرة معجزة تفر من وكرهم ولم تتعلم أبدا من أخطائها، لتعيد مرة أخرى إنقاذ رجل من تحت حوافر حصان معذبيه، وكالمرة السابقة يستعبدها ذاك المزور المنحرف وبسجنها في قلعته وتقع في براثن طبيب منحرف آخر يستلذ بتقطير دم زوجته.. وتخوض مع الأسرار حوارات فلسفية حول الفضيلة والرذيلة والله والطبيعية والخير والشر والقانون والسعادة والتعاسة والألم واللذة، وإن بدت حججها ضعيفة لا توازي في قوتها منطق الأشرار وفلسفتهم.. وتستمر حكاية جوستين على هذا المنوال وكأننا نشهد فصلاً من مسلسل باب الحارة!

وكرواية كناديد لفولتير، حيث يلتقي أبطال القصة بشكل خارق للمنطق، وكأن الكون قد انحصرت دائرته ضمن تلك الشخوص، يلتقي أبطال القصة جوستين بعد أكثر من عشر سنين، ومع ذلك لم تجدهم إلا أقوى حالاً رغم شرورهم ورذائلهم، فيما هي ازدادت بؤسًا وعذابًا!

ويستمر مسلسل المصادفة العجيب حتى تلاقي جوستين أختها بعد أكثر من عشر سنين بعد أن قبض عليها وحكم عليها زورًا وبهتانًا بالإعدام لتهم لم تقم بأي منها! فيما جوليت وقد أصبحت من سيدات المجتمع المخملي، وكان الثمن هو فضيلتها وشرفها الذي ضحت به، ولكن هي وبفعل علاقاتها المتعددة من عالم الرذيلة، إلا أنها أنقذت الفضيلة الوحيدة (جوستين)، لكن صاعقة السماء قد تكالبت على جوستين وأحالتها إلى جثة متفحمة رمادية!

في غمرة هذه الأحداث التراجيدية، الغرائبية، يطرح دو ساد فلسفات وقضايا عدة تدعو للتأمل:

إن كانت الطبيعة قد أوجدت الخير والشر، فلماذا علينا أن نسعى إلى إنكار الشر؟ أليس وجود الشر ضروري لتحقيق التوازن؟

ما هي الفضيلة؟ وما هي الرذيلة؟ هل يمكن أن تختلف الفضيلة من مجتمع لآخر ومن عصر إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى؟! أليست بعض الأمور التي اتفقت الأمم عليها قد أصبحت الآن مرفوضة؟! خذ العبودية على سبيل المثال!

ماذا سيحل بالبشرية حين تغدو الذاتية هي المرجع الأوحد لتصرفات الإنسان؟! وإن يكن هدف الوجود هو تحقيق سعادة الفرد ولذته، بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية أو دينية، فيصبح المقبول هو ما يحقق سعادته حتى لو تعارض مع كل الأديان، بل ومع الاعتبارات الإنسانية.

وهنا يطرح دو ساد تساؤلاً: أيهما أنفع؛ شعور المرء بالتعاسة لخرقه قانون الفضيلة أم شعوره بالسعادة لإشباع لذاته حتى لو كانت عبر الرذيلة؟

القوة وحدها القانون الذي يعرفه أتباع المنهج الطبيعي في رواية جوستين، فمن يمتلك القوة يمتلك الأحقية لاستخدامها والتمتع برؤية الضعف والتذلل لدى الآخرين، وهنا جوهر السادية التي تتعدى الفعل الجنسي إلى التمتع بعذاب النفس الإنسانية النفسي، لإشباع غرور الساديين وحاجتهم إلى الإقرار بقوتهم وتفوقهم! إذًا بما أن السادية تحقق سعادة البعض، ألا يمكن اعتبارها عملاً أخلاقيًا؟! الإجابة تبدو واضحة لمن يمتلك مرجعية أخلاقية كبرى، أما أصحاب المرجعية الذاتية التي تبرر كل الأعمال بمدى توافقها مع رغبات الذات، فلن تجد حرجًا في السادية أو في ارتكاب الجرائم حتى، ما دامت تحقق اللذة المنشودة للفرد!

ولنا أن نتساءل مع دو ساد حول مدى مسؤولية الفرد عن أفعاله، فإن كانت الطبيعة، أو لنقل ظروف التنشئة، قد أسهمت في تكوين تركيبته النفسية؛ فهل يمكن تبرئة الإنسان عن مسؤوليته الذاتية عن تصرفاته وعزوها إلى الظروف الطبيعية أو الخارجية؟ وكأن الإنسان يقف موقف المتفرج السلبي من ذاته، وما حياته إلا تمثيلاً مجردًا من الإرادة لما تمليه عليه الظروف! فإن كانت الطبيعة قد حكمت على البعض بأن يكون شريرًا عنيفًا فلماذا نلومه على ما هو عليه؟! ولكن أليست هذه الفكرة الجبرية تتناقض مع حقيقة الإرادة الإنسانية؟! لن أقول الإرادة الحرة، ولكن على أقل اعتبار، إرادة الاختيار ولو بشكل محدود عن تصرفاته!

ألم تسهم الفضيلة، بسذاجتها وتعمايها عن التعلم مما يجري حولها، في قوة الرذيلة؟ ألم تسهم جوستين بسذاجتها المفرطة التي تصل إلى حد الغباء في قوة مدام ديبو، وغيرها من الشر الصرف في شخصيات الروايات؟!

ألا تحتاج الفضيلة إلى معرفة الرذيلة لتتمكن من مواجهتها؟! الحياة في الدير ليست برهانًا على فضيلة أحدهم.. ألقه في وكر دعارة ثم انظر ماذا سيفعل حينها!

لكن بالرغم من كل المآسي التي جرتها الفضيلة على جوستين إلا أنها بقيت متيقنة من الأجر الأخروي عليها، فيما بدا الملاحدة ها هنا أنموذجًا للشر المحض لانعدام إيمانهم بقوة غيبية ستحاسبهم عن أفعالهم، فهل هذه رسالة من دو ساد بأن الإلحاد مرافق للانحلال الخلقي؟! ولكن ماذا عن الملاحدة الأخلاقيين؟’ أليست الأخلاق منفصلة عن الدين؟! وهل كل متدين هو بالضرورة خلوق؟!

ماذا يعني موت جوستين وعذاباتها؟! هل هو موت رمزي للفضيلة التي تمثلها؟ هل هو موت مشابه للتضحية بيسوع لإنقاذ باقي البشرية، وخاصة أن جوليت قد عزمت أمرها على التوبة بعد مشهد الصاعقة.. الصاعقة التي أودت بحياة جوستين؟!

هل على الفضيلة أن تعاني وتعاني.. فقد ولى عصرها؟! أم أنها لم توجد في الأصل في يوم من الأيام، وإنما هي كما قال دو ساد: تعزية الضعفاء والمنكوبين عن ضعفهم!

إن كانت مجرد وهم.. فما الحقيقة إذًا!

جوستين

* كاتبة أردنية تقيم بالمملكة العربية السعودية.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ومن العتاب ما أعجب .. فاطمة عبد الله

  من دخل القلب فهو آمن بروضٍ يتحرك بين أفنان مودته، ومُأمّنٌ على قلبٍ أسلم …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية