جنازة أحد .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

لا يفصل الساحة التي تجانب الكارتينغ من اليمين، والملعب الذي لم يكتمل منذ تم إنشاء جزء من مدرجاته من الشمال، عن المقبرة إلا طريقين متعاكسي السير لا يتعديان معًا بضع أمتار قليلة.

الساحة عبارة عن خلاء يضم خمارتين. الخمارتان معًا غالبًا ما تكونان فارغتين من السكارى، لأن الساحة نفسها تنادي على كل سكارى المدينة كي يسكروا فيها هانئين آمنين لا تزعجهم شاردة أو واردة، الساحة المليئة بالأتربة حولت نفسها إلى بار كبير لا خدم فيه ولا حراس غير الآلهة التي رعت الخمر منذ فكر الإنسان في خلق آلهة لكل شيء.

تمتلئ الساحة في غالب الوقت بمجموعة من السيارات التي تحولها إلى باركينغ غير مدفوع الأجر، داخل كل سيارة يجلس شخص أو أكثر، يشعل موسيقاه الأثيرة ، ويبدأ بإفراغ ما شاء الله، أو ما شاء الشيطان، من قناني الخمرة في جوفه، مستمتعًا بهذا العبق المدوخ الذي تتركه هذه اللعينة التي لها من الأسماء في اللغة العربية أكثر مما لدى أشياء كثيرة.

يمكن اعتبار الساحة المكان المقدس والآمن لتجمع أكبر عدد من السكارى في نفس الوقت دون أن يكون بينهم أي اتصال فعلي أبدًا. هي ليست فقط ساحة تجمع السكارى وسياراتهم المختلفة والتي تدل على مكانة بعضهم الرفيعة، إنها أيضًا الساحة الجارة للمقبرة، إنها جارة الأموات التي تشبه أي جارة أخرى تطل على جارتها القربية من نافذة ضيقة. الطريقان المحاذيان لبعضهما، واللذان يفصلان الساحة عن المقبرة، يمكن اعتبارهما تلك الستارة التي تخفي ما بعد الموت.

لا شك أن كثيرًا من السكارى وهم يرفعون صوت أغانيهم الحزينة ويتوقفون عن الثرثرة قليلاً انتبهوا إلى هذه الستارة، أو إلى هذا الفاصل، أو على الأقل رأوا في خيالات خمرهم المقبرة وهي تشير لهم بأياديها الزكية أن أمّوا إليّ أو فكروا فيّ قليلاً قليلا. لا شك أن الكثير من السكارى حين ذهبت بهم شطحة الخمر بعيدًا صاروا فلاسفة وحكماء أمام صورة المقبرة التي يبدو أن سورها الواطئ عامل مساعد على تحفيز خيال السكارى. هذا السور الأبيض والذي لا يتعدى بضع سنتيمترات يمكنه أن يشير لك في تفانٍ عظيم إلى شواهد القبور النائمة والموزعة داخل المقبرة. كل سكير صدف واتجهت عيناه إلى السور الأبيض انتبه لا محالة إلى الترحيب به للدخول إلى المقبرة، والتجول في طرقاتها الضيقة وغير المبلطة، ولابد أنه قبل الدعوة بكل السرور، فحين يسكر المرء ـ خصوصًا من تكون نفسه شفافة وقلبه مليئًا بالأماني الملاح والجميلة ـ يبدأ بإرساء سفن خياله في أي مكان، وإطلاق أشرعتها في اللامتوقع. من مكانه هناك الذي يسيجه سياج عالٍ نسبيًا، ومن موقعه على سيارته الخاصة والتي يمكن أن تكون سيئة جدًا أو جميلة جدًا، سيقبل دعوة سور المقبرة بالمجيء إليها، وبسبب مفعول الخمر اللذيذ والسحري يمكنه أن يطير من هناك بضربة جناح واحدة ليجد نفسه يعد شواهد القبور داخل المقبرة.

حين تكون هناك جنازة، ويظهر الموكب المأتمي الذي تترأسه جثة الميت، أو الميتة، المحمولة في سيارة نقل الموتي، وتليها مجموع سيارات مختلفة الشكل والعدد حسب قيمة الميت ومعارفه وما ترك ومن ترك.. يشعر السكارى، أو هذا ما أظنه ـ خصوصًا لمن انتبهوا إلى الجنازة ـ بقرصة خفيفة من تأنيب الضمير، ففي تلك اللحظة التي تكون فيها سيارة نقل الأموات تتهادى بطيئة من باب المقبرة يكون قلب السكير الهش أصلاً في صلاة مختلفة، ويشعر أن النهاية دائمًا ما ستكون واحدة، سواء كنت هنا في ساحة يملؤها السكارى، أو كنت في ساحة أخرى يملؤها المصلون. النهاية دائمًا واحدة، لكنها في لحظة مرور الجنازة، تبدو للسكير هش القلب نهاية واحدة مسترسلة وغير متوقفة، لذا يسأل نفسه، أو يسأل الريح، أو يسأل أي شيء آخر:

ـ متى ستكون نهايتي كي لا أسكر؟

غالبًا ما يقف بعض السكارى احترامًا للميت، أو لفكرة الجنازة على العموم، أو ربما يقفون احترامًا لأنفسهم، فهم ربما يتخيلون أجسادهم الحيّة الآن هي التي تدلف من باب المقبرة. يقف بعضهم ويمكن لقنينة بيرة باردة أن تكون بيده اليسرى وسبابة يده اليمنى مرفوعة إلى السماء، ولسانه يكرر أي شيء رطب وقريب من الله. في هذا المشهد السوريالي الجميل يمكن أن يُظهر سكير هش القلب مدى إيمانه بالموت والمقابر، ومدى حيرته إزاء كل هذه الفوضى التي توجد داخل رأسه، والتي لا يستطيع مقاومتها، أو على الأقل صد هجوماتها إلا بهذه المياه السحرية.

مرور الجنازة لا ينجح إلا لدقائق في تحويل تلك الغيبة المختارة للسكير هش القلب إلى حضور صادم أمام هيبة الموت، فما إن يُدفن الميت، حتى يتلاشى كل شيء؛ كيف لن يتلاشى عند سكير يرى الجنازة من بعيد وهو يتلاشى عند واعين حضروا الجنازة؟

الموت رغم حضوره الدائم في مظاهر الحياة، ويحتل جغرافيا كبيرة من الأماكن التي نزورها، ومن الأفلام والبرامج والمشاهد التي نراها، إلا أن حضوره هذا هو حضور دافع إلى نسيانه بشكل حي؛ كيف ذلك؟ إنه حضور داع إلى نسيان حزن الموت في نفس الوقت الذي هو داع إلى تذكر فرح الحياة.. لهذا يعود كل السكارى الذين رأوا جنازة أحدٍ ما عاش في هذه الأرض مثلما عاشوا، وأحب مثلما أحبوا، وتألم مثلما تألموا، وكافح كثيرًا من أجل أشياء عديدة مثلما كافحوا.. يعود هؤلاء السكارى إلى سماع صوت الخمرة وهي تنساب في جيوفهم الناشفة، ويمكنهم أن يدخلوا في مواضيع مرتبطة بالموت حتى والجنازة اختفت، وذلك كي يقنعوا أنفسهم أنهم أعطوا نصيبًا مهمًا من أحاديثهم لهادم اللذات.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية