جريمة الأفق .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

أتعرف يا لوسيفر ما جريمة الأفق؟ أنه خدعنا، أوهمنا أنَّ هناك امتدادًا، ولكن الحقيقة أنه كان طريق المصيدة.

مشينا في بداية الطريق/ الطرق، وكأنما الحقيقة تشبه اللوحات المرسومة، حيث يضيق الممر في نهايته توضيحًا للمسافة البعيدة، الحقيقة أن الطريق يختنق في نهايته، ربما الرسام يريد أن يقولها، ليس هناك شيء، لا تحاول.

سأخبرك أمرًا، أنت مقيد هنا في هذه الدنيا، رغم اتساعها، إلا أنك فعلت كل شيء، ولا تستطيع الخروج، أو حتى التوبة، أنت مسجون هنا. حالنا شبيه.

حينما يولد الواحد منا يصرخ، وكأنما يفهم ماذا هناك، يدرك ما هو قادم، ربما هي صرخات ندم على خطأ ارتكبه جاء به إلى هذه الأرض، هو حتى لا يذكره.

يكبر، ويشتبك مع الواقع، يحاول أن يثبت أنه حالة خاصة، وخلال تلك الرحلة، تُشيَّد الأسوار من حوله، وهو لا يدرك، حتى يكتشف أنه محاصر، حتى داخل نفسه.

كثرة الحسابات، قد تنجي من بعض المهالك الظاهرة، لكنها تزيد التعقيدات، تجعل كل مباح محرمًا، لتجد أن العالم أمامك واسع، ولكنه في الحقيقة أضيق مكان، فأنت لا تملك السبيل إلى أي شيء.

جريمة الأفق.. هو لم يقترفها، ولكنه أتاح الفرصة لهؤلاء الملعونين أن يتحكموا في الظروف، سيقول معلم تنمية بشرية إننا من نصنع الظروف، دعك منه، فغالبا ـ لا أقول دائمًا ـ لن تجني سوى محاولة تسلق الأسوار ثم السقوط.

هذه الأرض لو لم تكن مكانًا بائسًا لما عوقب آدم فيها، ولما خلدت أنت أيضًا فيها، ولما أُمرنا أن نعمرها، هي كذلك، مكان رديء، يحتاج إلى إصلاح، المحظوظون هم من يولدون بشروط مسبقة جيدة، أما السواد الأعظم فهم ضحاياها.

كنت أفكر في السجون، هل هي وحدها من تحد حياة الإنسان، يبدو أن الأمر ليس كذلك، فربما تكون بالخارج أسيرًا لأشياء لا تحصى، كأنما صممت لك خصيصًا.

ما في القلوب الحرة يبقى، ولكن ما في اليد من حيلة، وإن وجدت، قد تكون هي تحديدًا وسيلة تدميرك، وتلك سخرية الحياة، لأنك في الرحلة تختار أحد جانبين، إما جيد أو ملعون، وإذا اخترت الأول ثم قررت أن تستخدم أساليب الثاني، لن يفلح الأمر، لأنك لست موهوبًا.

لن أذكر هذا النوع المختلط ثالثهم، فلا يستحق.

يجب على الإنسان العاقل، الخبير في هذه الدنيا بحكم عيشته فيها لعدد من السنوات، أن لا ينخدع حينما تفتح له أذرعها، فهي كالشتاء، نهارها أقصر من ليلها.

جريمة الأفق، أنه أفق، يفترض أن يكون أمرًا جيدًا، مكانًا للركض، الانطلاق، ولكنه ليس كذلك، عليه أن يغير اسمه حتى يتبرأ من إثمه.

الأغنى من استغنى.

* من حكايات «نفسي ولوسيفر».

شاهد أيضاً

وائل خورشيد

29 سنة .. هكذا عشت .. وائل خورشيد

  أتكاسل حتى يكاد كل شيء ينهار، ثم أثب وثبات طويلة تسبق الجميع، ثم أقف …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية