جذور الشر .. محمد فايد

محمد فايد

 

ليس في ما يخرج من يد الخالق إلا الخير، ويفسد كل شيء بين أيدي البشر. وما أريد قوله هو أن مصدر الشر يكمن في المجتمع، ينطوي هذا القول على شيء من الصواب، وتزداد قيمته عندما يتم نزع طابع التعميم عن مضمونه من خلال وضعه في سياق معين.

يمكن لبنية المجتمع المنظم بشكل سيء أن تولد مشاعر الحقد والكراهية والبغضاء في النفوس، وأن تتسبب في انتشار الفساد على مختلف المستويات والأصعدة، وتؤدي آليات البنية المختلة إلى إعادة إنتاج الثقافة الفاسدة والمفسدة عبر الأجيال.

سنحاول فيما يلي بيان الآليات التي تقف خلف النوازع الشريرة والخيرة للبشر من منظور علم النفس.

تنطلق هذه الدراسة من الفرضية التالية: الشر إمكانية تنبثق عن نمط من أنماط نمو الشخصية مرتبط بالتنشئة الاجتماعية غير السليمة في الأسر المختلة. يتعرض الأفراد في المجتمع المنظم بشكل سيء لتنشئة اجتماعية غير سليمة تتسبب في بزوغ مشاعر القرف والضغينة وانتشارها على نطاق واسع. ويميل النزوع إلى الشر في ظل المناخ الأسري السلبي إلى الترسخ في النفوس ليصبح جزءًا لا يتجزأ من استعدادات الشخصية، ثم يأخذ بعد ذلك أبعادًا اجتماعية وسياسية من خلال عمليات التفاعل الاجتماعي.

ولفهم هذه الظاهرة، سوف نعتمد على نموذج نظري صاغه مايكل دانيالز؛ ينبني هذا النموذج على محورين:  التعاطف في مقابل التمركز حول الذات؛ النزوع إلى أعمال البر والإحسان في مقابل النزوع إلى الإساءة والإذاية!

ما الذي يجعل الناس قادرين على فعل الشر؟ ويرتكز على مصادرة أساسية مفادها أن وجود كل من الخير والشر يأتي كنتيجة لتشكل الضمير الأخلاقي لدى الفرد والقدرة على إصدار الأحكام الأخلاقية.

على خلاف ما ذهب إليه مفكرو ما بعد الحداثة ممن يعتقدون بنسبية الأخلاق، أن الأحكام الأخلاقية المتعلقة بقضايا الخير والشر هي أحكام ذات صلاحية كونية ما دام كل حكم يقوم على تقديرات عقلانية لما هو خير أو شر. وأما ما يبرر هذا القول فهو الإيمان بأن جودة الحياة تستلزم توفر بعض الضروريات كالمأكل والمسكن، والأمن المالي، والعيش في مجتمع عادل ومستقر، والحاجة إلى المحبة والاحترام، والقدرة على تفعيل المهارات الذاتية، وضمان الحياة الكريمة، وما إلى ذلك. وأما مفهوم الشر فهو يدل على كل ما ينغص حياة البشر ويحول دون إمكانية العيش بشكل طبيعي كالأمراض، والموت المفاجئ أو غير الطبيعي، والخوف، والاكتئاب، والفقر المدقع، والعنف، والتهميش.

وإنه لمن المهم التمييز بين تلك الخيرات أو الحاجات الكونية البسيطة وبين الخيرات النسبية المتعلقة بفرد بعينه أو بجماعة بشرية بعينها، بما في ذلك الحاجات التي تقرها أيديولوجية معينة. تشمل الحاجات النسبية الثروة المادية، والشهرة، وصفاء العرق، والامتثالية، والتقوى الدينية، الخ…

إن معظم الشرور، التي ما فتئت تعاني منها الإنسانية منذ أمد بعيد، تنشأ عن الرغبة في نشر الحاجات النسبية والأيديولوجية وفرضها في المجتمع على حساب الخيرات الكونية!

شاهد أيضاً

وائل خورشيد

جدران وأرواح .. وائل خورشيد

  نحاول أن نبقي الحكايات خلف الجدران، نمسك التي تقفز، ونسحب التي تغرس، حتى إذا …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية