جارات النبي .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

البرد في الخارج، الوحدة القاتلة. في الداخل أيضًا هناك برد، وهناك وحدة قاتلة. ماذا تبقى؟ أين يمكن لأقدامك أن تحملك بعد امتلاء الخارج والداخل معًا؟ سؤال وجودي، نوع من الشرارات المضيئة والحارقة التي تنقذف كشهاب في رأسك. أينما ذهبت تشعر أنك في مكانك السيء الأول. صرت تؤمن أن العالم مكان للموت وليس للحياة، فأنت تمشي بعد كل لحظة إلى حتفك، تحمل معك المعول والفأس اللذين ستحفر بهما قبرك. كل ما تفعله هو أنك تعيد تشغيل الشريط دائمًا؛ تدوس على زر الإعادة لتشاهد نفس المشهد لكن بأضواء مختلفة كل مرة، وبإضافات بسيطة كل مرة، وبأحجام جديدة كل مرة، وبتلاوين مختلفة كل مرة .. لكن المشهد هو نفسه. المشاهد جميعها التي تعيشها،أو تسهم في صناعتها، بدأت تظهر لك مشهدًا واحدًا.

قلت لنفسك وأنت تجمع تفلاً كثيرًا في فمك وترميه بعيدًا، كأنك ترميه في وجه الريح، أو في وجه متخيل للعالم المجنون الذي عرفته:

ـ لا شيء يتغير، نفس الأشجار التي تمر عليها في الطريق، نفس الأوجه التي تصادفها في المقهى، نفس أحاديث الناس، ونفس الأخبار التي تنشرها القنوات العربية المهووسة بالخراب.. لا شيء يتغير غير رائحة العمر الذي يزداد احتراقًا كل لحظة.

لكنك تعرف أن كل هذا سيظل كما هو، حتى بعد ألف سنة ستظل تلك الشجرة التي لا تعرف اسمها، والتي يرمي جنبها سكان حي لمياء الأزبال، هي نفسها الشجرة التي تقبل أن تكون مكبًا للأزبال دون أي ضجر. تكرر كلمة «دون ضجر»، وتتساءل إن كانت حقًا الشجرة لا تضجر، والطريق التي تمشي عليها لا تضجر، والكلاب التي تهش عليها حين تكون متجمعة في ما وراء فضاء الكارتينغ لا تضجر، وتلك العتبات والقضبان الحديدية التي تمر بقربها كل يوم لا تضجر.. تفكر أن عليها أن تضجر، يجب عليها أن تضجر، حتى وإن كانت مجرد جمادات أو كائنات غير عاقلة فإن عليها أن تضجر. العالم مضجر ليس للإنسان فقط، بل حتى للحشرات التي تتسلق مجاري الوادي الحار، ومضجر لطاولات المقاهي التي تقبل مؤخرات الزبائن كل يوم.

تتوقف قليلاً كي تمج نفسًا من سيجارة المارلبورو التي لا تعرف إن كان دخانها يذهب إلى الكبد أو المعدة أو يستقر في تلافيف الأمعاء المختلطة داخل بطنك. تتذكر تلك المعلومة اللعينة والعلمية التي تقول إن حجم أمعاء بطن الإنسان بطول كيلومترات؛ كيف يكون هذا؟ وما فائدة أن تكون أمعائي بطول كيلومترات وأنا أصاب بإسهال معوي يجعلني أفكر في الخراء في أي خلاء قريب؟ ليس هناك أي جمال نهائيًا في طول الأمعاء هذا، الجمال كان سيكون مبهرًا لو تركت البطن فارغة تمامًا، ينزل فيها الأكل ويصدر صوت قرقعة جميلة، لو كانت البطن مثل جيب سروال جينز ممزق ترمي فيه ما تشاء؛ ستكون أكثر فائدة للإنسان، لكنها وهي بهذا الشكل المعقد لا تساهم إلا في إبطاء مشي الإنسان.

تمج نفس سيجارة أخرى.. السجائر اختراع إنساني قاتل.. هذا ما قالته لك صديقتك .

لا لا.. ليس قاتلا أبدًا .

الجيران اختراع إنساني أكثر فتكًا بالأشخاص الذين يشبهونني. إنهم طيبون، وإنسانيون، ويمكن أن يسألوا عن أحوالي كلما مرضت أو غبت أو صدرت من شقتي كحة بسيطة.. لكن كل هذا لا يهمني، أعرف أنه يهمهم لأنهم يشعرون بأنهم يربونني في أعينهم، يريدون أن يكونوا نبراسًا يضيء العتمة التي أعيش فيها، لكني لا أريد هذا. أنا أريد أن تقتلني الوحدة في الداخل والخارج معًا، لا أريد جيران النبي جنبي، فلخوفهم الإنساني العظيم على العزاب أمثالي سيسترقون السمع لأي صوت أنثوي يخرج من شقتي، حتى وإن كان صوت مقدمة برامج على قناة الجزيرة. سيعرفون أنه صوت أنثى ولن يعرفوا أنه صوت مقدمة برامج جميلة جدًا صرت أشك في أنها ومثيلاتها صرن مقدمات برامج وأخبار لكفاءتهن العقلية، بل هنّ هنا يملأن العالم بالأخبار الكاذبة لكفاءتهن الجسدية وربما الجنسية.

جارات وجيران النبي لا يريدون أن يعرفوا شيئًا آخر غير صوت أنثى يخرج من شقتي.. عمومًا ما الذي يمكن لجارة النبي أن تهتم به حين يسكن قربها عازب؟ كل ما يمكن أن يقوم به العازب لا يحرك إنسانية جارات النبي، يمكنه أن يرقص رقصة زوربا في شقته عاريًا لوحده دون أن يخاف أن يكتشفه أحد من جيران النبي وجاراته.. يمكنه أن يعلق حبلاً استعدادًا لأن يشنق نفسه في لحظة ما تأتي على قطار المستقبل يشعر فيها أنه تحول إلى حشرة دون أن تنتبه جارات النبي وجيرانه بأن هناك شيئًا يتدلى من السقف.. هذه أمور لا تحرك الرغبة الجامحة لجارات وجيران النبي للتجمع والحديث مثلما يفعل صوت أنثوي يخرج من شقة العازب .

ـ إنه صوت أنثى خرج من شقة عازبنا .

ـ صوت رقيق؟

ـ لا.. إنه صوت خشن قليلاً .

ـ ليس خشنًا تمامًا، إنه رقيق بعض الشيء .

ـ هل هو صوت رقيق أم رقيق بعض الشيء؟

ـ هو صوت أنثى لا يشبه أصواتكن، يبدو أنه صوت ما زالت صاحبته غير حكيمة.

ـ لا.. أنتِ لم تسمعيه جيدًا، إنه صوت خشن يبدو أن صاحبته بدينة .

ـ ربما يحب البدينات .

ـ أنتِ رقيقة لكن صوتك خشن، لا علاقة للصوت بالبدن .

ـ لكني أتخيلها بدينة، يجب أن تكون بدينة .

ـ لم؟

ـ لا أعرف.. لكني نفسي أحب البدينات.

ـ ماذا؟

ـ انسي ما قلت.. سأذهب إلى السوق .

ـ خذيني معك .

ـ ماذا ستطبخين اليوم؟

ـ أاكل.. جزر.. لح… م…. ب….

انتهت سيجارة المارلبورو ولم ينته ضجري أبدًا، بل صار كأنه سحابة كثيفة تكونت من ملايين السجائر المشتعلة في نفس اللحظة. فكرت في كم سيجارة دخنتها منذ بدأت أدخن؟ هذا سؤال وجودي آخر.. لكن ما الذي يهمني في عدد السجائر التي دخنت إن كنت أعتقد أن بطني لا معدة ولا بنكرياس ولا كبد ولا أمعاء فيها، إنها تشبه برميلاً فارغًا.

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحيم

أنا وحبيبتي نسكن في المزرعة السعيدة .. محمد عبد الرحيم

  أنا وحبيبتي نسكن بالمزرعة السعيدة، نزرع طعامنا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كالإجاص والمشمش والعنب، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية