تمثيل التأوُّل في قصيدة العصبي بوشعيب .. جعفر كمال

جعفر كمال

إضاءة:
من خلال تواصلنا المكثف مع الأداء المتمثل في شاعرية العصبي بوشعيب، الذي يستحق منا النظر في الفروق الكيفية المتباينة بين مقاييس الذكاء، وحاصلها القادر على أن يستوفي جدل النقد فيما نتقصاه من استدلال معنوي يحكم نفسية المعاصرة، ولعمري إنَّ مراتب الخيال التوليدي عنده يُؤتى بها من وحي منطوق مركزية النواحي البنائية، المعيون في انفتاح الصورة الحسيَّة المتضمنة موحى الاستجابة النفسية المنسابة من لدن حالتها المعنوية، بتأثير النمط الواقعي الذي اقتضى أن يكون سعيه مقترناً بالصياغة المعرفية المحركة لجوابات أدائه الفني، إزاء تثوير الطاقة الوجدانية المتفاعلة في الذات الشاعرة، وكأنه وضع لها نمطا يتفق وجذور الشعر الأندلسي، مع فارق اختلاف أجناس أدوات تحرك الألفاظ الناطقة في تدوير اللازمة من حيث وارد رموزها ودلالاتها، بوصفها تحقق تنوعا وتحديا كبيرا مع ما هو مطروح من شعر في المنطقة العربية، وما شاكل ذلك من تحدٍ في الكفاءة التي مَدَها الشاعر بالعرفانية المُختَبرة، على مستوى قوَّة الابتكار والخَلْق في الصورة النفسية الذكية، كما عبر عن هذا الفريد بينيه “1875 – 1911” وهو الأسلوب الذي يقوم على الربط بين “الذكاء والمثيرات الحسية*”.

وفي هذا التمثيل تبنى الشاعر أسلوبية الإيقاع والرشاقة المعنوية المتعلقة بتنوع الطرائف التي تلتزم في أصولها وغايتها من حيث تحرير المعاني من الشوائب والإبهام والتصدعات اللغوية والنحوية، فكان الخيال هو المراد الحقيقي المفضل في صورة بوشعيب الشعرية، وهذا يبدو معلوما للقارئ بعد أن سيقت حبكة شاعريته بواسطة مؤثرات تأريخية بدت لي واضحة عند شاب مثقف يسعى إلى تحقيق مكانة يسمو بها الوعي لكي تتميّز في مكانتها البديعية، ليكون المستوى الثقافي مأخوذا بالعلم على الوجه المضيء في الصورة الشعرية المركبة، وهي التقنية الكلاسيكية التي ساقت الشاعر إلى آليات تنويرية، أشاعت حاصلا خلاَّقا على مستوى المقدار العيني المؤثر في فاعلية الخيال المركب في بلورة أدواته كونهُ محاطا بالوعي التقني، إلى جانب فصاحة الصيغ المتاحة ونقائها، التي تقوم على ترتيب جناس الصورة الصوتية، ولهذا يمكن أن نجزم حقا أن شاعرية بوشعيب تجنبت التبعثر الذي أصبح السمة الغالبة في عموم شعرنا العربي المعاصر، حيث ترتفع الشكوى من تأثيرها على جمالية الحداثة، وخاصة في شعر الشباب من الجنسين.

ميزات جنوسية الشاعرية:

إذا اعتبرنا أن الشعرية بولادتها الأولى خيالٌ شَرِهٌ ميَّزه التشبيه والتمثيل، فمنه ما يُشبعُ ويروي التلقي، ومنه كلام ظمآن للفنية الحسية، وهذا يعني أنَّ المنظور الأول يكون فيه الشاعر أكثره وعياً يلامس مبدأ يتحكم بإنتاج المعلوم* عند البعض، مع أني أغمض عينيَّ ولا أحاكي المعلوم، بل أتجه دوما اتجاهاً حسياً نحو المجهول وهو: “رأي خاص بي”. حيث يقدم علم النفس المعرفي عند د. محمد طه قوله حول الاتجاهات التمثيلية للشاعر “ما كانت ولن تكون إلاّ برسم” الشاعر لحالاته الشعرية المثيرة للجدل كما نجدها في الشعر الأوروبي عند جوتيه في شبابه، كذلك الحال ينطبق على إدجار ألان بو، ولويس أراغون، حيث كان شعر هؤلاء يزخر بالعذرية وتداعيات الذات المتحولة المدمجة فنيا مع الخيال الرومانسي، بمتعة تحرك التفاعل حد الانسجام في القراءة، وهذا يعني بالتأكيد ابتعاد هؤلاء عن القصيدة النظرية، تلك التي أمعن فيها المتنبي بالعربية معتمدا على ثقافته الخاصة بتأثير المعرفة الولادة عنده، التي تميَّز بها بين أقرانه، متحديا بها خصومه بخاصة شاعر التحولات الذهنية أبا فراس الحمداني، الذي لا يقل شأنا عن المتنبي، بل نجده متفوقاً عليه في قصائد كثيرة كونه كائنا مرهف الإنسانية. كذلك اشتغل طاغور بالهندية على التوجه النظري ذاته عند المتنبي، مع أن تأويل الواقع المفعم بالخيال عند الأمة الهندية هو نفساني بامتياز، من خلال اعتقادهم في الخرافة بالجنيات أو المخلوقات الساحرة التي ترعب الفرد عند ظهورها من العالم المظلم، لذا فطاغور فهم الواقع بإحساس يمعن في التناغم والانسجام، وجعله يتحرك وفقا لمنطق قصيدته بواقعها الخيالي وتطعيمها بمعتقده المجازي النظري، حيث نجد طاغور وقد انسلخ عن مجتمعه متجها نحو الموسوعة الفكرية التي متع بها مُحَيّا شاعريته، فأصبح أكثره منظّرا في قصيدته، لأنه حاكى المجتمعية من حيث تأثير الحركة النفسانية الباطنة بأثر الطاقة النسبية، التي انعكست على الحدسي والنفسي، باعتماده على نبوغ ميزانه الخاص في تجريد الواقع من إيماناته المؤولة للمفاهيم الشاذة، بعد أن جعل من الأضداد تعد ملمحا نفسيا تلقح جماليات المزج بين الصورة الصوتية وبين الأنا العارفة، متجاوزا المفاهيم التي كانت سائدة آنذاك. كما فعل أرسطو بانقلابه على أساتذته.

لذا ومن أجل المغايرة ظهرت مجموعة من الشعراء الشباب العرب ممن متعوا شعرهم ميزات اتصفت حيويتها كما لو أنها تخط مداد خصوبة الذوق والعفاف، ووفقاً لمنح الصورة الشعرية المُحدثة طاقتها المعنوية، نجدهم وقد ضمنوا ذاكرة أعمالهم الفنية بالمجاز التصويري، المفسر السري لحالة منطقة التأوَّل العقلاني الحاصل في الإيمان الذاتي أولا، ومن ثم إقناع المتلقي فيما يطلبه من جدوى في معايشة النص ومدى تأثيره عليه، وهذ المناضلة النفسية تستفز حيوية الإرادة وإنتاج الطاقة بسخاء معرفي من أجل مسيرة المفاضلة النوعية، كما لو نظرنا إلى حقيقة مجيء الصباح بوقته، والغروب بوقته، دون أن يكون بينك وبينهما حجاب، وهذا المنظور ينسحب على العامة في ذات التلقي، لذا فنحن وبالنظر إلى تفريقنا بين النظرية كجوهر نفساني، والرومانسية كملحمة شعورية عند أمرئ القيس، وعمر بن أبي ربيعة، وقيس بن الملوح على سبيل المثال، نكون على مستوى هذا التحليل مبتعدين عن الغرائبي التحريري بصيغته الوظيفية التقويضية، ومن شعراء المعاصرة الذين تمتعوا بالموهبة الحيوية نعاين الشاعر المغربي العصبي بوشعيب الذي سدد خطاه بأن يرفد المكتبة العربية بمجموعة شعرية، سوف تحيي موسوعة القراءة نحو الشاعرية الأكثر مقبولية، وفيها تتحقق رغبات المتلقي الحاصلة في توازن الصورة الدالة بأثر ميزتها الفنية والنظمية، وأثرها في مدارج الكمال وهي تطرح نظامها المعيون بنجاح.

التراث الفكري عند بوشعيب:

شهد القرن الحادي والعشرون بالأخص العقد الحالي بدءا من عام 2017 بالحساب التقريبي انتشارا في سرعة الأفكار المتداخلة والمتدرجة في بنيتها الشعرية، بوصفها نهضة ثقافية شيدتها الحريات.. كحرية الرأي وحرية النشر، لقد كنا من قبل نميز بين المبدعين من خلال أساليبهم حين نطالع نصوصهم الإبداعية فلكل منهم أسلوبه وإن خفيت عنا أسماؤهم. إن أي نص جديد نعرف من أبدعه، وإن لم يكن هناك اسم الشاعر واضحا على النص فأصبحنا الآن لا نعرف القائلين من نصوصهم لتشابهها في الشكل والمضمون، خاصة في حالات العنصر النسوي، حيث جاءت النصوص متشابهة من حيث اللون والشكل والمضمون، إلاّ أن بعض الشعراء على بعد مسافة من تطورات المعرفة اشتغلوا باستقلالية، منحتهم المنتج الأدبي نهضة اتسمت هويتها الفكرية بخصائص أمتعت النص بخصائص عبرت عن استقلاليتها، وقد تجسدت شاعرية العصبي بوشعيب بعد أنْ وجدناه وقد اشتغل على مناطق حساسة جدا في المضمون البنيوي بحالته النظمية المجردة بمصفاة الوجدان العاطفي، موحيا للموهبة أن تجنح نحو مرئيات قصيدته الناجحة في أسلوبها بواسطة مقام شاعريته الأكثر نضجا وحساً، وبهذه الميزة المتطورة فنيا ونفسيا أثاب نصه مسيرة حققت للشعر المغربي طفرة موفقة في موازين المركب في القصيدة الرجالية، بعد أن استمرت الشاعرية النسوية متفوقة بمسافة واسعة على الشاعرية الذكورية في المغرب، ولهذا فنحن معشر النقاد لا يمكن أن نفهم الشعر إلاّ من خلال الثقافة التي تطلقها إرادة الشاعر في خلق بنية فنية يذوب فيها المستحيل، لأن الشعر لا يتحرك طبقا لرغباتنا وأمانينا، بل يمضي مؤثرا بنا عبر منطقه الخاص من حيث قوانينه الداخلية التي تؤسس لنصاب مفتتح أمل يشد القارئ إلى دائرته الذكية التي تأخذ من المتخيل النوعي حصة كبيرة، وهذا مما يزيد من التعلق اليومي تواصلاً بالنصوص التي تجذب ولا تطرد، سعيا وراء خصوبة اللغة والنحو والمجاز الخيالي الذي يُحسن من تراكيب الحواس بالمنظومة الفكرية التي تحرك الإحساس بالاتجاه الذي يؤاخي النص العجيب بالمتلقي.

بوشعيب العصبي

الخيال كما ينبغي:

تعددت المقاربات الثقافية في قصيدة العصبي بوشعيب بالممارسة المنتجة للمعنى على أكمل وجه، والتي شكلت على مدار ظهوره وحتى اليوم تفاعلا حياً مع الإنتاج الإبداعي، حيث نجده وقد وظف الذات الشاعرة بحالتها النفسية ومصدرها المؤثر بواسطة علم الأنثروبولوجي، ونسميها القيمة المثالية التي عززت من مستوى: Anthropology وجعله يعمل معاً باطنيا مع الذات المبدعة على استحضار البنى المضمنة بنسيج يرسم ويبني المعاني بمنحوت جامح في الخيال، وهو في الوقت ذاته يكون موحيا جناسيا مُبتَكرا للصورة المركبة، التي تحاكي سلطة الشفرات الفنية المعنية بالكشف عن الظواهر العلاجية في مفهوم القوة المدركة للحس الظاهر، وتعني العلاقة بين الرؤى التقنية وأسلوبية التقطيع، وبين الباطن وهو حالة قدرية تجمع الأحاسيس المتباينة تبعا بما يشير إلى معاينة الدلالة على تنوعها واختلافها، وهذه التقنية المتباينة بحداثيتها شكلت وعيا يحاكي المبتغى النقدي، خاصة في قصيدته الكلاسيكية الثقافية، على نطاق يبرز القيم الإنسانية التي تستنطق الصور الحسيّة في مستواها المعرفي وفي معناها اللفظي، بعد أن حقق النص عنده حالته القصوى، ليكون موضوعا قابلا للإدراك، والتأويل، والتحليل، والمعاينة الجدية، من مقبول القوة الموضوعية الجاذبة لسياقات تحرر وظيفة تبسط ثقافته الشعرية، بأدوات تختلف برموزها المؤهلة لقيام محاكاة ذكية تستخرج الصور المعنوية من صمتها وتبسطها أمام الذات القارئة والمؤولة من خلال مشاركة المفاهيم والأفكار بواسطة طاقتها الداخلية، دون التفريط أو المساس في اشتراطات الجمال المرتبط ارتباطا وعيويا بأداء مناخ بلاغة الألفاظ، وبهذا يكون الشاعر قد قدم لنا عبر وسائله الفنية في قصيدة التفعيلة مدخلا مجددا أساسياً في تحديث مقاييس الجملة المركزة على تكثيف البنى التعبيرية الناعمة.

ملكات الذكاء:

تعكس آراء العصبي بوشعيب مبادئية التنوير المعاصر بجنسيه:

الأول: الشعر الكلاسيكي من حيث التماسك الواضح في بنيته الأفقية من رؤية أخذت تعالق منطوقها الدلالي بواسطة الفصل والوصل والمشابهة المهتمة بالمضامين الباطنة.

والثاني: قصيدة التفعيلة التوليدية في بنيتها ذات العمود الواحد المتصلة بالمتتاليات المتأملة بإضاءات تماسك الشكل، ومذاق مكانية البوح.

وكلا السياقين تمثل برسم الصوّر الداخلية المتساوية في مقارنة تحولات الوعي، المصاغ من واقع العفوية المؤسسة لبدء منظور النسبة النفسية المتشابهة بذاتها المعنوية المعبرة عن الرؤية التوليدية الأقرب إلى الملامح الصادقة، وهي ما ينشدها الشاعر في حال رسمه للصورة المبينة للاعتقاد الذي تطلقه مساحته، من رؤية تقارب مفاهيم التأثيرات الفكرية، التي تعالج سلطة كل جنسٍ على حدة  في سياق الحبكة والابتكار، ومن جهة أخرى اختلاف الجنسين في فن بنية التقطيع، بعد أن أضاف الشاعر عزماً للأفكار الحيوية، وبهذا فهو يُحسد على تأملات قيَّمه العليا المختصة بالوعي في مجال خبرته الخاصة، تلك التي بانت لها نكهة مستنبطة من مجتمعه المحيط به، حيث جماليات تبيان الوقائع بتراكيبها البصرية التصويرية، وتلك الموضوعات وجدناها وقد اكتسبت شهرة على مستوى معاينات القارئ لنصوصه المكتنزة حيويتها بالعلوم اللغوية، وتمثيلاتها المجازية بحالاتها القصوى، المختصة بالخبرة الممكنة التي تشتمل على دلالة تؤكد بلاغة النحو الذي يقوم على أساس ترابط الصرف بجوازاته الفصيحة، وهذا شأنه في خصوصيات البديع اللفظي، المرتبط جوازا بميزان البيان الصوتي النظمي، الذي تتفاخر به الشاعرية الأكثر مقبولية بما يتحقق من مفاهيم الناظر القارئ على أساس معيون اختلاف ثقافته.

الخاتمة:

لابد من القول إن بوشعيب في مجموعته الشعرية الأولى “عبرتُ الغيمات” قد لاقح بين المجاز الدلالي، والتأوُّل الواقعي، بعد أنْ رتّب اجتهاده بخصوصيته الشعرية في كلياتها وجزئياتها، فجاء صدى الصورة الشعرية عنده يُمتع السمع صوتا شعريا صادقاً يبث النغم بصور تطرب المتلقي وهو يتلقى البوح الرشيق بعفوية هادئة تشتغل على النظر بوازع حوار يستدل به على المناظرة الباطنة المنسجمة كوحدة ذات نسيج لا ينفصل بعضه عن البعض الآخر، بعد أن جعل من الإيقاعية الحسية مفتاحا للتحريض على التفعيل التالي:

– في حالته الأولى سهل المأتَى حيث يشكل مأخذا متأملا للوصل حتى يبان التشبيه من المقصود ببديهية السماع. 
– أمّا في حالته الثانية أي التأوّل: يكون النص أشبه بالمقاد نحو استخراج مفاهيمه ومعانيه بمشقة تكشف عن المفهوم العام للمعاني.

 نأمل أن يستمر الشاعر العصبي بوشعيب على هذا المداد التنوعي بجمالية احكامه وصورته الفقهية الدالة على متانة وتناسق وتلاقح الوحدة العضوية عنده.

المصدر:

ألفريد بينيه: أنظر كتاب مقياس لمفهوم العمر العقلي.
د. محمد طه: أنظر كتاب الخروج
عن النص.

* جعفر كمال: ناقد عراقي.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية