تقبلي التحرش بكل ترحاب .. أسماء سعد

أسماء سعد

 

مشهد متكرر كلاكيت للمرة الألف، تغلق الباب خلفها وتذهب في الصباح الباكر إلى عملها متأففة بعد سهر طويل ليلة أمس بسبب التفكير الزائد، فتاة شارفت على الثلاثين من عمرها دون زواج، تتحمل التواء فم جارتها حينما تراها وكلمة “عقبالك” في جميع المناسبات السعيدة، حتى وإن كانت المناسبة احتفال بتخرج أحدهم في الجامعة، تذهب لشراء طعام الإفطار فيلمس البائع أصابعها، وينظر في قلب عينيها بكل وقاحة، ينتظر أن تقول أي شئ فيبرر ما فعل بأنه بالطبع لا يقصد، وبأنها مريضة بالتخيلات.

تتجه لحافلة تستقلها إلى حيث عملها فلا تجد مقعدًا وتظل واقفة، تحاول إشغال نفسها طوال الوقت كي لا ترى نظرة الواقف أمامها إليها طوال الطريق، وتتمنى لو أنها تستطيع التحكم في كل قطعة في جسدها وتمنعها عن الترجرج مع حركة الحافلة، تتمنى لو أنها تستطيع محو كل آثار أنوثتها في هذه اللحظة، ثم تظل مترقبة تنظر إلى اليسار وإلى اليمين عسى أن تباغتها يد أحدهم وتمتد لتنتهك حرمة جسدها في أي لحظة.

كثيرًا ما حدث ذلك واختلفت ردود أفعالها حسب الزمان والحالة النفسية.. مرات كانت تكتفي بإبعاد تلك اليد عنها، ومرات كانت تسب وتشتم وتصرخ بلا جدوى.. الغريب في الأمر أن جميع من حولها ينظرون إليها كعاهرة وقحة.. كيف لك أن ترفعي صوتك وتقولي تم التحرش بي.. تنزل من الحافلة لتواجه تحديًا آخر، وما إن تصل إلى عملها حتى تتمنى أن يغيب هذا المدير الذي تكاد نظراته تخترق ملابسها إلى الأبد، لم تنسَ ذلك اليوم الذي دخلت فيه إلى مكتبه لتسلمه بعض الأوراق فمد يديه إلى عنقها وقال “كانت هناك ذبابة أردت إبعادها عنك”.. لم تنس حالة الذعر التي تملكتها حينها، مع إحساسها بالعجز.. فماذا ستفعل وهي بحاجة إلى عمل تقتات منه.

ناهيك عن نظرات باقي الزملاء إلى أنوثتها الناضجة، وأعينهم التي طالما سألت عن سبب تأخر الزواج، وكأنها تخفي شيئًا ما ولابد أنها مسألة متعلقة بالشرف.. تنهي يومها الطويل لتعود إلى المنزل وقد غطى السواد أنحاء الأرض وابتلع الشمس بداخله، تقاوم كلمات المتسكعين بارتداء سماعات الأذن وسماع الأغاني.. لكن كيف لها أن تقاوم نظراتهم وملامح وجوههم، هل ستمشي بسلاح تقتل به كل هؤلاء.

الجميع يتحرش بها على طريقته الخاصة، هناك من يتحرش بروحها وهناك من يتحرش بعقلها، وهناك من يتحرش بجسدها.. يسألونها لماذا لم تتزوج وهي دائمًا تجيب عن هذا السؤال فقط لنفسها.. فهي خائفة جدًا أن تنجب فتاة تواجه كل ما تواجهه كل يوم، أو تنجب شابًا فتتفاجأ بأنها أنجبت ذئبًا جديدًا وأطلقته في الغابة، العالم يبدو مرعبًا وكأن الجميع لا يفكر سوى في شهوته.. كأننا فجأة ومع مرور الوقت تحولنا إلى حيوانات تأكل وتريد أن تتكاثر.

أين المفر من مجتمع أصبح يرى المرأة عورةً، آلةً جنسية تمشي على قدميها، بعد أن تحول الدين من جوهر إلى مظهر، لعل السبب في ذلك هو “المنع”، فكل ممنوع مرغوب، وكل متاح فهو طبيعي.. قاعدة بشرية راسخة وهم جعلوا الشباب ينظرون إلى جميع الفتايات بهذه النظرة الجنسية الرخيصة، إذا كانت ترتدي الكثير من قطع القماش فوق جسدها فهي غالبًا تخفي الكثير عن أعينهم، وهذا مثير للفضول، وإذا كانت ترتدي ملابس عادية فهي مخطئة ومتبرجة وسلعة رخيصة متاح العبث بها.. دائرة مغلقة يدور بها جميع أفراد المجتمع.. المجتمع الذي يشجع على التحرش.. يأمر البنت بالسكوت، وبأن تستمع لجملة واحدة في جميع حالات التحرش “سامحيه واسكتي بلاش فضايح”، وكأنهم يلقون اللوم على الطير المذبوح لماذا وقع في يد قاتله!

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية