تفاهة الشر: مراجعة لرواية «القارئ» .. رائدة نيروخ

رائدة نيروخ

 

أثار فوز كيت وينسلت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، عن دورها في فيلم The Reader ، جدلاً واسعًا يماثل في شدته الجدل الذي صاحب ظهور رواية «القارئ» للكاتب برنهارد شلينك التي اقتبس الفيلم عنها.

تعالت صيحات الاحتجاج من بعض النقاد والصحفيين مطالبةً بحجب الجائزة، لأن الفيلم يبرر من منظورهم لجرائم النازية، بينما يرى آخرون في الفيلم والرواية طرحًا فلسفيًا يستحق المناقشة والمساءلة.

 

أنشد يا هوميروس

وظل في فم الأبد قيثارته المرنة

ونايه المطرب

أنشد يا شاعر العصر الخالي

وحلّ في الأسماع موسيقى مدوية

وفي العيون دموعًا جارية

وفي القلوب رحمة ومحبة

تغنَّ يا شاعر أولمب!

ولترسل من جنتك نعمة تنتظم الأفلاك

ورنة تجلجل في الأفق

وآهة تزلزل قلوب الجبارين!

(الأوديسة/ هوميروس)

 

يتكرر المشهد مرارًا، مايكل الفتى المراهق بسنواته الخمسة عشرة، يقرأ لهانا السيدة الثلاثينية مقاطع من الأوديسة بعد أن يفرغ من ممارسة الحب، لتشترط عليه لاحقًا، أن يقرأ عليها كتبًا في المرات المقبلة قبل الشروع في العلاقة.

تنتابنا الصدمة كمشاهدين وقارئين؛ من العلاقة التي تجمع امرأة بهذا العمر مع فتى مراهق! لكن، سرعان ما تغيب هانا عن حياة الفتى مايكل كسحابة صيف لم تترك وراءها أثرًا يذكر. أية صدمة نفسية اعترت الفتى، بعد أن ذاق معها معنى الثقة بالنفس ودرج خطواته الأولى في عالم الرجولة؟ أي أثر سيخلفه رحيلها المفاجئ؟ ألا تترك التجارب الأولى في النفس ندوبًا لا تزول؟

أمست هانا هي المرآة التي يرى من خلالها مايكل جميع النساء في حياته لاحقًا، يقارن حبيباته بهانا، بصوتها، ضحكتها، مشيتها. أضحت هانا لعنة حياته، لا يمكنه أن يتحرر من إسارها. يصف مايكل أثر هانا عليه:

«الإنكار شكل غير معتاد من أشكال الخيانة، حتى لو قلت وداعًا لذكرياتي مع هانا، فأنا لن أتغلب عليها، بعد هانا لم أُهن ولم أهن نفسي أبدًا، ولم أحمّل نفسي ذنبًا، ولم أشعر بالذنب ولم أقع ثانية في حب أحد سيؤلمني فقده أبدًا».

 

«لو كنت مكاني ماذا كنت ستفعل؟»

وما أن يستيقظ مايكل من هول الصدمة، ويتابع حياته في دراسة القانون، حتى يشهد ذات يوم محاكمة لعدد من السجّانات أبان فترة الحكم النازي متهمات بمقتل 300 امرأة يهودية، حين تركن ألسنة النار تلتهم النسوة الأسيرات في الكنسية، ولم يستجن للنداءات المستغيثة. وبقيت الأبواب موصدة. والمفاتيح بحوزة السجانات لم تغادر جيوبهن قط، ولم تعرف الرحمة إلى قلوبهن سبيلاً. في غمرة هذه المحاكمة يرفع مايكل رأسه حين يسمع صوت هانا التي كانت ضمن المتهمات، لتتهاوى آخر قلاع حبه المراهق أمامه.

تصل الرواية ذروة تأزمها الأخلاقي، حين تعترف هانا بدورها د في الإبقاء على السجينات في الكنيسة وهي تحترق. بل تنكر على القاضي اتهامه لها بانعدام إنسانيتها، وتسأله: «لو كنت مكاني ماذا كنت ستفعل؟».

 

تفاهة الشر

«الجلاد ليس خاضعًا لأي أمر. إنه يؤدي عمله، ولا يكره الناس الذين يعدمهم، ولا يأخذ ثأره منهم، إنه لا يقتلهم لإنهم عقبة في طريقه، أو لأنهم يهددونه أو يهاجمونه. إنهم مجرد أمر غير ذي بال بالنسبة له، لدرجة أن بوسعه أن يقتلهم بالسهولة نفسها التي يمكنه بها ألا يقتلهم».

إن كان من اليسير علينا محاكمة راسكولينكوف بطل رواية «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، إذ اعترف بجرمه ودوافعه النفسية والفكرية في مقتل المرأة العجوز التي وصفها بالقملة. فإننا ندخل في متاهة أخلاقية فلسفية مع رواية «القارئ».

لم تسائل هانا نفسها حول مسؤوليتها الأخلاقية ودورها في عمليات الإبادة النازية قبل المحاكمة. فالشر الصلب الذي وصفه زيجمونت باومان والذي يعتمد على مرجعية أخلاقية صلبة، من كره أو حقد، لم يكن حاضرًا في قصة هانا، فهي لم تقتل النسوة لإنها تكرههن، أو لأنها تكن لهن مشاعر العداء، كل ما في الأمر أنها كانت تنفذ تعليمات عليا دون أي تفكير، دون أن يكون لها رأي شخصي خاص فيما يحدث.

يستحضرني مشهد الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت، والسيجارة لا تفارق يدها، وهي تلقي محاضرتها حول تفاهة الشر في الفيلم الألماني الذي يتناول سيرة حياتها الفكرية في الستينات من القرن العشرين. بعد حضورها لجلسات محاكمة الضابط النازي أدولف آيخمان في القدس.  حين تقول: «أعظم الشرور هي شرور يرتكبها أشخاص نكرات، ليس لديهم أي دافع ولا قناعات وليسوا سيئين، وليس لديهم غايات شيطانية، يرتكبه أناس يرفض الواحد منهم أن يكون شخصًا».

إن كانت أرندت ترى أن أعظم المجازر قام بها أناس مثل آيخمان لا يكنون أية مشاعر عدائية أو كره للضحية. فهذا لا يعني انتفاء تهمة الفساد الأخلاقي.

تمثل هانا النموذج الأنثوي من شخصية آيخمان النازية. فهي قد تورطت في عمليات الإبادة، مدفوعة بما أسماه زيجمونت باومان بـ (غريزة إتقان الصنعة).

إذ انصاعت غريزيًا لتنفيذ الأوامر، دون مساءلة أخلاقية، حول إن كانت تلك الأوامر التي تدفعها لترك النسوة يحترقن في الكنسية، تعد أمرًا أخلاقيًا أم لا. فالشر يكمن في التفاصيل اليومية حتى يبلغ حد الاعتياد. عندها نصل إلى مرحلة العمى الأخلاقي كما أسماها باومان.

تستدعي هذه الأزمات الأخلاقية ضرورة وضع المجتمع في قفص الاتهام في محكمة الأخلاقيات. والطريق الوحيد إلى الحفاظ على الأخلاق هو العصيان، وأن نضع أوامر الأخلاق فوق جميع الأوامر الأخرى.

برنهارد شلينك

 

لكن ألم تقدم هانا على تصرفاتها في ظل دولة كانت ترى في تلك الأفعال أمورًا قانونية؟

يدفعنا هذا السؤال إلى التطرق لنظرية بول ريكور الذي تحدث عن (المسؤولية الإجرامية) التي يتحمل فيها الفرد مسؤولية الذنب، بينما في (المسؤولية السياسية) يتحمل النظام السياسي عبء العمليات الإجرامية. وفق هذا التقسيم يمكن القول إن هانا كانت مجرد موظفة إدارية في نظام مجرم، وهي تمثّل نفسها، ولا تمثل النظام النازي بمجمله. والشر الذي قامت به يدل على شخصية سطحية تخلو من العمق. فالشر ليس شيئًا جذريًا في تركيبتها النفسية. لكن هذا الأمر لا ينفي أيضا مسؤوليتها عن أفعالها، فهناك الكثيرون ممن وقفوا ضد هذا النظام، ممن خسروا وظائفهم، مثل والد مايكل، أو حتى قتلوا.

تصاب آمالنا بمقتل حين ندرك أن القانون في الدول لا يرتبط دوما بقيم العدالة أو الإنسانية، فالعبودية كانت مشروعة قانونيا، والتمييز العنصري كذلك. فما الذي يكفل لنا أن تكون القوانين عادلة؟

هذه المعضلة الأخلاقية تناولها كل من المفكرين ناعوم تشومسكي وميشيل فوكو في مناظرة تلفزيونية شهيرة في عام 1971، ناقشا فيها متى يكون عصيان القانون عملاً أخلاقيًا. ذهب فيها تشومسكي إلى القول بأن القوانين قد تتعارض مع العدالة، فقد تكون العديد من التشريعات قانونية لكنها تخلو من العدالة. نلمح في حوار مايكل مع الرجل العجوز الذي أوصله بالسيارة إلى المعتقل، والذي يبدو أنه كان جنديًا نازيًا فيما مضى. بعضا مما طرحه المفكرين السابقين في مناظرتهما.

يسأل مايكل: «ما هو القانون؟ هل ما يوجد في الكتب، أم ما يبق بالفعل، ويتبعه المجتمع؟

أم أن القانون هو ما يجب تطبيقه واتباعه، سواء كان في الكتب أو لم يكن؟

ـ آه أنت تريد أن تفهم لماذا بوسع الناس ارتكاب مثل هذه الأشياء الفظيعة؟ ما الذي تريد أن تفهمه؟ أن الناس تقتل بدافع الشغف، أو الحب، أو الكره، أو من أجل الشرف، أو الانتقام، أهذا ما تريد أن تفهمه؟

لكن الناس، الذين قُتلوا في المعسكرات لم يفعلوا شيئا للأشخاص الذين قتلوهم، أهذا ما تريد أن تقوله؟ هل تقصد أنه لم يكن هناك سبب للكره ولا للحرب؟».

 

أينفي ارتكاب جرم مهما عظم شأنه الجانب الإنساني للمجرم؟

حرصت هانا في علاقتها مع مايكل على طقوس الاغتسال، فقد كانت تلك الطقوس ملازمة لعلاقتها به، بل إن بيتها كان يعبق بروائح المنظفات.  يمكننا القول إن حرص هانا على النظافة والاغتسال يعكس رغبة خفية في التطهر الروحي يشابه التطهر الجسدي الذي تقوم به.

يقول مايكل: «في الماضي أحببت بشكل خاص رائحتها. دائما ما كانت تفوح منها رائحة طازجة، رائحة حمام منعش وملابس منعشة».

كانت هانا تشعر بأنها مسؤولة بطريقة أو بأخرى عن مايكل، كان دائمًا في نظرها (الولد) أو (الفتى) كما كانت تحب أن تناديه. كانت هي من تقود هذه العلاقة وترسم مسارها، ولا تتوانى عن استخدام القوة والعنف، إن شعرت بما يجرح كرامتها، ومع ذلك كانت تشعر بخجل لا يوصف أمام مايكل بسبب أميتها، ذاك هو سرها الذي دفعت ثمنه غاليًا فيما بعد. تصف هانا حالتها بقولها: «دائمًا ما كان ينتابني شعور بأنه ما من أحد فهمني على أي حال، ما من أحد عرف من كنت، وما الذي جعلني أفعل هذا أو ذاك، وأنت تعرف عندما لا يفهمك أحد، فلا أحد يطلب منك تفسيرا، ولا حتى هيئة المحكمة كان يمكنها محاسبتي، لكن الموتى يمكنهم ذلك… كانوا في السجن معي كثيرا، كانوا يأتون كل ليلة، سواء أردتهم أم لا. قبل المحاكمة كان لا يزال بوسعي طردهم عندما يريدون المجيء».

 

ليس هناك شيء متأخر

قد أدركت هانا لاحقًا قبح جرمها، وحاولت التكفير عنه، بالتخلص من أميتها، فتعلمت في السجن القراءة والكتابة، وعكفت على قراءة ما يسمى أدب الضحايا، إلى جانب قراءة سير الجناة، وخصصت أموالها للناجية من المحرقة بعد موتها.

فهل هناك فعلا علاقة بين الأمية والأخلاق؟

يعبر مايكل عن موقفه من الأمية قائلاً: «الأمية هي التبعية، وبعثورها على الشجاعة لتتعلم القراءة والكتابة، تقدمت هانا من التبعية إلى الاستقلال، وهي خطوة ناحية التحرر».

لكن ماذا عن مئات العلماء، والمهندسين وأصحاب الشهادات العليا الذين انخرطوا في عمليات الإبادة؟ ألم يشفع لهم علمهم بالتمتع بحس أخلاقي سام؟

قد تكون الإجابة مكنونة في طبيعة الكتب التي كانت تقرأها هانا، فقد كانت تطالع الأدب، الأدب بما يحمله بين جوانحه من قيم إنسانية، من روح، وعاطفة، من سبر لأغوار الذات الإنسانية.

فالأدب هو خلاصة رؤية الكاتب للحياة والوجود. هو تعبير عن خصوصية (الأنا) وتفردها. وذلك ما كانت تفتقده هانا حين كانت تعمل في المعتقلات النازية بأسلوب آلي يفتقر إلى إعمال العقل والعاطفة. بل أن هانا قد أصبحت قادرة على تشكيل راي نقدي أدبي خاص بها كما في قولها: «قصائد جوته أشبه بالمنمنمات في إطار جميل».

الأدب ينمي الإحساس بالذات والأخر، كما تقول جورج اليوت يجعلنا نرى في السارق أكثر من مجرد سارق، وفي القاتل أكثر من قاتل. يدفعنا لتلمس جوانبهم الإنسانية الأخرى.

الأدب هو مسيرة نحو التطهر الروحاني، معايشة لحيوات أخرى، يصفه مايكل بقوله:

«كنت مندهشا كيف يمكن للأدب القديم أن يُقرأ كما أنه كان أدبًا معاصرًا، بالنسبة لأي شخص يجهل التاريخ، من السهل رؤية الأزمنة الأولى في بساطة كأنها طرق للحياة في بلاد أجنبية».

العتبة العنوانية للرواية بلغتها الألمانية تعني القارئ الذي يقرأ بصوت عال، هذا الفعل الذي ينطوي على معنى المشاركة، ووجود متلق ينصت للآخر. يقول مايكل عن التسجيلات الصوتية للكتب التي كان يرسلها لهانا وهي في السجن: «كانت القراءة بصوت عال طريقتي للتحدث إليها ومعها». يحمل العنوان في طياته دعوة لمحاربة الأمية، ونشر ثقافة القراءة. وتأتي نهاية الرواية معززة لهذا التأويل، إذ تخصص أموال هانا بعد موتها لدعم جمعيات يهودية لمكافحة الأمية.

 

«الماضي لا يموت أبدًا، بل هو حتى ليس بماض انقضى وزال».. وليم فوكنر

يلوح في الأفق سؤال حول المغزى من توظيف علاقة امرأة ثلاثينية مع مراهق؟

تتماهى شخصية هانا مع ماضي ألمانيا النازية، فهي من جيل الاباء الذي عاصر تلك الحقبة التاريخية السوداء. بينما يمثل مايكل (الجيل الثاني بعد الحرب).

يبدو أن الكاتب قد عمد إلى استحضار الماضي لمحاكمته من خلال شخصية هانا، فيما بات يعرف في ألمانيا بأدب الأب Father Literature، وهو الأدب الذي يساءل الآباء عن دورهم في الحرب. فالرواية محاولة من الجيل الثاني للتصالح مع جيل آبائهم أبان المجازر النازية.

يقول روبرت إيغلستون: «لا تسعى الرواية المعاصرة إلى أن تكون انعكاسًا للتغيرات الاعتيادية التي تحصل على صعيد فهمنا للماضي فحسب، بل ترمي لمساءلة الكيفيات التي ننتمي بها للماضي وكذلك مساءلة تجربتنا الإنسانية بشأن ماضوية الماضي ذاتها».

تضج الرواية بتساؤلات الجيل الثاني الذي شعر بهول ما حدث. فاختلاف الماضي عن الحاضر هو تحديدا ما يجعله مدهشا، ومستعص على الفهم أحيانًا أخرى.

«كيف بوسع هؤلاء الذين، الذين ارتكبوا جرائم النازية، أو شاهدوها تحدث، أو أشاحوا بوجههم عنها عند حدوثها، أو تسامحوا مع المجرمين ممن بينهم بعد عام 1945 أو حتى قبلوها، كيف بمقدورهم أن يكون لديهم شيء ليقولوه لأبنائهم؟ لكن على الجانب الآخر كان الماضي النازي يمثل قضية حتى بالنسبة للأبناء، الذين لم يستطيعوا اتهام ابائهم بأي شيء أو لم يرغبوا في ذلك. بالنسبة لهم، الاشتباك مع الماضي النازي لم يكن مجرد شكل من أشكال صراع الأجيال، إنما كان القضية نفسها».

هل يمكن طرح التساؤلات ذاتها على الأجيال العربية التي عاصرت النكبة وسقوط فلسطين؟ والتي صمتت في وجه الدكتاتوريات الشمولية؟

 

لكن ماذا عن دور الأجيال الحاضرة؟

لم يقدم مايكل صورة مشرقة عن الأجيال الحاضرة، حين آثر الصمت، ولم يقدم شهادته حول أميّة هانا، فهي وإن اعترفت بكتابة التقرير الأمني الذي أدانها، خوفًا من اكتشاف أميتها، إلا أن مايكل كان بإمكانه تقديم شهادته التي تضمن جزاء عادلا لهانا، وأن تأخذ العدالة مجراها، وتنال باقي المتهمات نصيبهن، ليأخذ الحق العام نصابه. لكنه انصاع لنصيحة والده الفيلسوف الذي يرى ان على الانسان ألا يملي على الأخرين اختياراتهم، وبما أن هانا اختارت أن تحتفظ بسر أميتها، فعلى مايكل أن يحترم رغبتها.

يدفعنا موقف والد مايكل إلى التساؤل حول أخلاقية هذه الفكرة، حين تصبح الذات هي المرجعية الأخلاقية، هل يحق لإنسان احترام اختيارات الآخرين إن كانت ستتستر على مجرمين آخرين كما في حالة هانا حين أفلتت باقي النسوة من العقاب الذي تستحقهن؟

هل يمكن احترام خيارات الآخرين إن كانت ستجلب لهم مزيدًا من البؤس؟

ألا نحتاج إلى مرجعية أخلاقية كبرى نحتكم إليها في هذا الأمر، أم علينا أن نتقبل حالة السيولة الأخلاقية التي تجعل من الذات الفردية مرجعًا أخلاقيًا؟

هل يمكننا أن نعد تصرف مايكل نوعا من الجريمة الأخلاقية حين سكت عن تقديم شهادته؟

من المسؤول الحقيقي عن الكوارث التي لحقت بالإنسانية في عصر الحداثة؟

لعل دراسة التاريخ، وتاريخ القانون بشكل خاص، بعيدا عن النهج المدرسي، الذي لا يرى فيه سوى مادة للحفظ، يستظهرها الطلبة بشق الأنفس. تكون أحد السبل لمحاولة فهم الحاضر واستشراف المستقبل. فعندما يفقد الناس ذاكرتهم، فإنهم يعجزون عن نقد أنفسهم والعالم من حولهم. إن بعضًا مما تفتقده الشعوب في عالمنا هو (مراجعة الذات ونقدها) عبر تاريخها الحضاري والتشريعي.. لكننا نداوي جرحنا النرجسي وانهزاميتنا، بالتلفع بصفحات متوهمة عن تاريخ مشرق، لعبت به أيدي المؤرخين. فنبقى كما نحن، متسربلين بأسئلة لا تنتهي حول سبب تخلفنا.

يقول مايكل: «يبدو واضحًا تحديدًا كيف يأتي الماضي والحاضر معًا في واقع واحد، هنا، الهرب ليس انشغالا تاما بالماضي، بل تركيزًا محددًا على الحاضر والمستقبل يُغفل الطرق عن إرث الماضي، الذي يسمنا بالعار، ومعه علينا أن نعيش».

لم يكن من باب المصادفة ان يختار المؤلف ملحمة الأوديسة لهوميروس ليلقيها مايكل على مسامع هانا وهو صبي، وليعيد تسجيلها وإرسالها لهانا في سجنها، فالأوديسة في نظره “قصة العودة إلى الديار، ليظل البطل فيها، لكن لينطلق منها ثانية، الأوديسة هي قصة حركة ذات غاية وبلا غاية، ناجحة وعقيمة. ماذا يكون تاريخ القانون غير ذلك.

 

هل يمكن لمايكل أن يتنكر لهانا بعد كل تلك السنوات؟

هل يمكن لألمانيا أن تتنكر لماضيها؟

ألا يحتاج الخروج من نفق الماضي المظلم إلى مد يد العون لقاطنيه؟ تماما كما احتاجت هانا إلى من يتولى مساعدتها في تلبية احتياجاتها المعيشية بعد أن أمضت ثمانية عشر عامًا في السجن؟ يحيل هذا التساؤل إلى الحديث عن مسؤولية المجتمع تجاه السجين المفرج عنه، ودراسة سيكولوجيته، «فليس من السهل بعد ثمانية عشر عاما المضي في المدينة لأول مرة، والذهاب للتسوق، والتعامل مع السلطات، والذهاب إلى المطعم، فعل ذلك مع شخص آخر يساعد كثيرًا».

ومساءلة الماضي ضمن إطار جمعي تفيد كثيرًا، لتتخرج ألمانيا من أسر ماضيها النازي. إذ تتماهى شخصية هانا مع ذكرى الماضي النازي لألمانيا في الرواية.

قد تكون لغة الرواية في الكثير من فصولها تخلو من الزخرفة الفنية، بل تتصف أحيانًا بأنها لغة مباشرة تناسب طبيعة عمل مؤلفها رجل القانون. إلا أنها لا تحمل روحًا متأججة بلهيب عاطفة جارفة في مقاطع عدة، في العاطفة الموزعة بين حب مراهق ماض لا يمكن الانفكاك منه، وبين واقع يستهجن تلك المشاعر. كحال مايكل بعد موت هانا حين يتخيلها في كل مكان، تحمل الأكياس، تركب السيارة، تتحدث الإنجليزية التي لا تعرفها من الأساس. طيف هانا يلاحقه في كل مكان، يشكو حبا ضائعًا: «اشتياقي لهانا أصبح قويًا لدرجة مؤلمة. قاومت الاشتياق. وتجادلت ضد واقع هانا وواقعي، وواقع أعمارنا، وواقع ظروفنا».

القارئ

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية