تراجيديا الثقافة العربية ولغز المثقف المزيف (3 ـ3) .. حسن العاصي

حسن العاصي

 

المثقف الجوكر

إن مواقف معظم المثقفين العرب صعدت وهبطت وتبدلت يميناً ويساراً عبر العقود الماضية، فنجد بعض المثقفين من دعموا هذا الزعيم أو ذاك وساندوه ومدحوه، ثم قاموا بالهجوم عليه في فترة مختلفة، ومنهم من تبنى الأيديولوجية الدينية أو اليسارية ثم انقلب عليها، وآخرون كانوا من أشد دعاة التنوير والديمقراطية والدفاع عن حقوق البشر، فأصبحوا يدافعون عن الديكتاتوريات العربية ويبررون استبدادها.

إنهم المثقفون الذين يؤدون دور “الجوكر” المشهور في لعبة الورق، فهو يصلح لكل الأوضاع ويتكيف مع الظروف، وهذا حال بعض المثقفين العرب الزئبقيين الحربائيين، الذين يمتلكون المقدرة على لعب دور الجوكر في الحياة السياسية والثقافية، وينتقلون بين مذهب وآخر، بين أيديولوجيا وأخرى، بين فلسفة وفلسفة، بين موقف ونقيضه. تراه مرة تقدمياً ومرة أخرى رجعياً. يدافع مرة عن مصالح الناس، ومرة يجّمل وجه الأنظمة. اللافت أن تحول المثقفين غالباً يحصل من أصحاب الأفكار اليسارية الليبرالية نحو الأفكار اليمينية المحافظة، ولم نشهد إلا نادراً تحول مثقف يميني نحو اليسار. هم هكذا لا أصالة لهم ولا يقفون على أرض صلبة، يتحولون ويدورون كيفما دارت الريح.

غالباً يكون المثقف الجوكر يعاني من عقد متعددة مركبة، يعمل على اصطناع الرصانة والشرف، وحين يشعر بالعجز الذاتي وفقدان الحيلة والمبرر، أو إن فقد جدوى الأسلوب، تراه يستخرج كل عقده وينقلب على الآخرين، يرميهم بالشتائم بصورة هستيرية، تصل نوبة الغضب لديه إلى ذروتها فيكيل السباب للأشخاص والمجتمع ويتوعدهم بالويل.

ولأن المثقف الانتهازي لا مبدأ له ولا معيار، لذلك يلجأ دوماً إلى نشر الثقافة التبريرية في الوسط الذي يعمل ويتحرك فيه، حتى يتاح له تبرير وتفسير سلوكه الوصولي.

إن كان الفرد الانتهازي عبارة عن إمّعة خاوية بعقل فارغ، همه إشباع غرائزه على حساب الرأي والفكر والموقف، لا يرى في أي مشهد سوى مصالحه، ولا يرضى عن تحقيقها بديلاً. إلا أن الأمر يصبح خطراً إن كان الانتهازي سياسياً، ومأساوياً إن كان مثقفاً، وكارثة إن كان رجل دين، حيث تصبح الانتهازية تدريجياً مكوناً ليس غريباً عن ثقافة المجتمع.

المثقفون الانتهازيون كانوا دوماً السبب خلف الانتكاسات التي أصابت الثقافة والمشهد الثقافي العربي، وهم أبطال الخراب الذي طال المجتمعات العربية، وشركاء في الهزائم التي منيت بها الأمة العربية، لأنهم لم يكونوا يوماً ينتمون للشعب، بل عملوا على تفتيت مواقف الناس وتمييعها ونشر البلبلة والتبرير، وخداع الجماهير وخيانة مصالحهم وحقوقهم، وتضييع الأهداف وخلط الأصلي بالمزيف، وتزوير الواقع وممارسة الكذب والنفاق، في مجتمعات عربية ما زالت تتفشى فيها الأمية والجهل، ويختلط على عامة الناس المقياس والمعيار.

الفاجعة حين ترى الكثير من المثقفين الانتهازيين وهم يدعون الوطنية والانتماء، ويتبجحون بالشعارات القومية ومصالح الأمة، ويتظاهرون بالوقار والحصافة والرأي السديد، ويبدون الحرص على مصالح الوطن والدولة والشعب، فيما هم أصحاب قلوب خاوية وعقول بائرة، منحرفون سريعو الانزلاق، يرمون بكل شيء في مقابل تحقيق مصالحهم. والأمر المثير أن يصل العبث درجة تدفع ببعض هؤلاء المرضى إلى كيل الاتهامات للمثقف النزيه الشريف صاحب المبادئ، وذلك بغية إحداث أجواء مائعة غائمة، وتعكير نقاء الماء ليتمكنوا من التمويه والتخفي في وسط غير واضح، ومن ثم التصيد لاقتناص المنفعة.

من سمات المثقف الجوكر الكذب ثم الكذب، على نفسه وعلى المجتمع، بحيث لم يعد يعرف سواه. وكلكم تعلمون أن الكذب رأس الخطايا وبدايتها، لذلك فإن جميع المظاهر المقيتة التي يُظهرها المثقف الانتهازي بصفة عامة إنما هي بسبب كذبه ونفاقه وغدره الذي يعتبره ذكاء وفطنة ونباهة منه، فيما هو إنسان يقوم بوضع المفاهيم الأخلاقية والقيم الإنسانية رأساً على عقب، حيث يصبح الحق باطلاً والزيف فخراً، وهنا يكمن جوهر الخطر الحقيقي لهؤلاء.

 

الشرق المفجوع

هناك مثل غربي يقول “من لا يكون ليبرالياً في العشرينيات من عمره يكون بلا قلب، والذي لا يصبح محافظاً في الأربعينيات يكون بلا عقل”. إن الاستنتاج المصلحي من فحوى هذا المثال لا يحتاج إلى كثير من التفسير، فهو يشير إلى أن الإنسان يكون مقداماً مندفعاً صاحب مبادئ ومواقف كبرى وأحلام شاسعة، لكن إن ظل يتمسك بالأفكار الكبرى واندفاع الشباب، يكون عديم الحكمة.

هذا في الغرب، حيث المجتمعات حققت الكثير في طريق الديمقراطية، ماذا عن الشرق المفجوع بالقهر والاستبداد، حين يتعمد بعض المثقفين أن يلجأ لصياغة مواقفه بلغة مواربة تحتمل التأويل والتفسير على أكثر من معنى، وبذلك يتمكنون من التملص إن تم إخضاعهم لمحاسبة أو مساءلة، أو توظيف المعنى لمصلحة تحقيق مآرب محددة، ذلك لأنهم لا يستطيعون التصريح تمامًا بأفكارهم كما هي، لأن الضوابط التي حددتها السلطة السياسية أو الدينية أو المجتمعية لا تتيح للمثقفين حرية أن يقولوا ما يؤمنون به ويكتبون ما يعتقدون. الأمر السيء هنا أنه قد تنشأ نتيجة هذه الأوضاع، شريحة من الانتهازيين تقدم على هذا الخطاب غير الواضح، وبالتالي تسهم في خلق حالة من عدم احترام الفكر لذاته، وأجواء ثقافية غير صحية تعزز الرأي الواحد وتقمع الموقف المستقل.

لقد شهدت تسعينيات القرن العشرين مراجعات فكرية مهمة لعدد من المفكرين العرب، الذين أجروا مقاربات ومراجعات تناولت مفهوم المثقف ونقده وأصالة دوره، وأهم هؤلاء المفكرين “إدوارد سعيد، عبد الرحمن منيف، محمد عابد الجابري، عبد الإله بلقزيز، علي أومليل”. وبالرغم من إيماني بأن عصر المثقف الأسطورة، المثقف الخارق القائد، قد ولى بغير عودة، إلا أن الموضوعية في مقاربة الانتهازية الثقافية والأمانة المهنية، تفرض الذكر أن هناك القلة القليلة من المثقفين والمفكرين والنقّاد، الصابرين الأوفياء لأنفسهم وأوطانهم، المثقفين الملتصقين بالجماهير والمدافعين عن مصالحهم وحقوقهم، ما زالوا ملتزمين بقضايا الأمة وأهمها القضية الفلسطينية، وهم يستحقون منا كل احترام وتقدير.

ومن أبرز مهام هؤلاء المثقفين الملتزمين التصدي للمثقفين المزيفين، والتنبيه للمخاطر المترتبة عن أفعالهم التي تهدد بتفكيك البنية الثقافية والاجتماعية للأمة العربية. وبظني أن المثقف الحقيقي مطالب بالوضوح والشفافية في أفكاره ومواقفه وانحيازه، ورفض المواقف الملتبسة والتعابير الملتوية.

 

ماذا نحتاج

منذ القدم كان المثقف صوت المجتمع الصادق وضميره اليقظ، والكثيرون منهم سددوا أثماناً فادحة لمواقفهم بدءاً من سقراط الذي أعدم بسبب أفكاره، عبوراً بقتل الشاعر الشهير الضرير “بشار بن برد العقيلي” بيتين من الشعر، وسواهم المئات من المثقفين عبر العصور بسبب انشغالهم في قضايا واقعهم.

مثلما أسهم المثقفون التنويريون الغربيون في نهضة أوروبا، وكما فعل روّاد عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر بمقاربات التجديد الديني، فإن الراهن العربي بكافة أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية، يفرض تحديات جسيمة، وأسئلة مركبة كبيرة ومعقدة، تتطلب مقاربات وإجابات علمية من عقول متخصصة ومتسلحة بالمعرفة والوعي والبحث العلمي، وهذا دور ومهمة المفكرين والمثقفين العرب الأصليين.

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك.

شاهد أيضاً

حسن العاصي

الحريق الكبير.. المهمشون قادمون (2 ـ 2) .. حسن العاصي

  سوسيولوجيا الاختلاف إن الضغوط التي يلقيها المجتمع على أفراده وسياسات التهميش والإقصاء التي تمارس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية