تدفق الحنين في “كتاب الغربة” .. فاطمة عبد الله 

فاطمة عبد الله

ذكرني غناء فيرزو لرائعة جوزيف حرب (أبواب) بأننا دوما نفتح بابًا على الذكرى يتدفق منه الحنين؛ فنحكي ويتداعى ناسُ الذاكرة واحدًا تلو الآخر، في نسق يصنع لنفسه إطارًا خاصًا، في ظل متلازمة إنسانية ترافقنا منذ تعرفنا على العالم، وخلال رحلات الاكتشاف المتوالية له، فيها يظل الحكي مقاومتنا الأولى لكل فقد وافتقاد، ولعل ذلك مبرر للجوء كثير من الكُتّاب إلى توظيف السلطة الحكائية في النص حتى تبقى معترفًا بها لدى أجيال وأجيال، فلا يستطيع أحد أن يمحو من الذاكرة الشعبية أو الفردية ثقافتها، أو أن يجتث من الشعب أو الفرد طقوسه الحكائية، وما تقدمه من سحر للحكاية، إضافة إلى أن إحدى وظائف الحكي هى سك زمن في آخر، بينما الوصف يسك مساحة في أخرى، فإن كان الحكي الروائي يعتمد صيغ الفعل المختلفة للتعبير عن الزمن من ماضٍ وحاضر ومستقبل، فإن “كتاب الغربة” في هذا النسق يقدم إجمالاً لشخصيات أغلبها قادم من رحم الماضي الذي تحكي عنه الراوية، لكن بطريقة تجعلك تنسى الزمان الأصلي الذي تنتمي إليه الشخصية أو الحدث، وتتقبله على أنه يقع الآن مباشرة في اللحظة الحالية.‏

 

و”كتاب الغربة” للكاتبة عبلة البرشومى من أولى عتباته يأخذنا لعالم الحكي:

رغم أن العنوان يتضمن “الغربة” إلا أنه وبالانسياب بالقراءة نجده يتدفق بالحنين بدءًا من لوحة للغلاف يمتزج فيها الحنين بالتذكّر، وبالدلوف إلى المدخل يجذبنا تدفق الحنين: (أعود من سفر كان مداه عمرًا، إلى حضن يعرفني وأعرفه، أعود لأسائل “حواديت الطفولة” عن جزء فاتني السؤال عنه.. وكُلٍ لم أدركه في الجزء عندما كان الوقت يبدو بلا نهاية) ومرورًا بالعمل كله حتى نخلص إلى الختام: (ها نحن نعود إلى الإسكندرية، تلك التي صحبتني في البعد. وتفكّرت وأنا أتأمل ماء البحر، الذي كان راكدًا في الميناء، ما يزال يفصل بيننا، أنه عود لا يمكنه أن يكون على بدء.. فكم تغيرنا جميعًا في كل تلك السنين) ثم عندما نستسلم لجملة الغلاف الأخير نجدنا قد غرقنا فى حنين دافق (وأما هو البحر فيظل يروح ويجئ، يعفو عن آثارنا ويوشوش الشاطئ ما بقيت الأرض).

 

ثقافة البحر فى كتاب الغربة:

أؤمن أن للبحر ثقافته التى يطبع عليها وبها أهل مدن الماء، وأنه يجعل المتعاملين معه يتلبسون بشخصيته، فيصبحون أكثر تدفقًا فى المشاعر، والحديث والحكي، وكذلك أكثر حميمية مع الأماكن، فيؤرشفونها وكأنهم يحفظونها من عوامل التعرية، ويجددون بالحكي عنها ما يتآكل منها بفعل الزمن أو التغير العمرانى.

 

و”كتاب الغربة” يحفل بالبحر ومدن الماء، فبيت الراوية مطل على البحر، وحين تتنقل فى البلاد تنتقل للعراق بجوار النهر الذى غرق فيه “سعد”، وحين تعود تمر على بيروت لتعود للإسكندرية، وكان البحر رفيقًا في كل تلك الأماكن، به تلمّست خطواتها الأولى لمدرستها، ومعه عرفت معنى الشروق، وبالبحر وحده أدركت أن الشمال أكثر أهمية من الشرق في تحديد الاتجاهات، لذلك فإن الكاتبة تجعل من البحر وطنًا (يهدهدني البحر.. وإن ظل يروح ويجئ في مواجهتي موشوشًا الشاطئ.. فالبحر لأهل البحر وطن.. حضن متسع.. سند نفسى مثل أم مخلَّدةٍ. يظل هناك شاهدًا حيًا وإن بدا ساهيًا.. أما نحن فنأتى لنرحل.. نأتى لنرحل. نأتى لنرحل، وأما هو البحر فيظل يروح ويجئ، يعفو عن آثارنا ويوشوش الشاطئ ما بقيت الحياة) وهكذا أصبح البحر وطنًا للذكرى ودفقًا للحنين.

 

تتسع القيمة الأدبية لـ «كتاب الغربة» لتشمل كل الأبعاد الدلالية والجمالية، فهو تصوير عميق للأوضاع المجتمعية وما اعتراها من تغيرات وضعف، سواء فى مصر أو بعض البلاد العربية، ومن ثم تستعرض عبلة البرشومى مشكلات تعترض النساء ليس في مصر وحدها بل في العراق وبقية الدول العربية، وخلال أجيال مختلفة، كذلك تمارس الكاتبة في هذا العمل ملاعبة حكائية مضاعَفة، وجهها الأول أن عبلة البرشومى قد لاعبت وداعبت ذاكرتها وانتقت عمدًا، بالاستدعاء، وسهوًا، بالتداعي، بعض هذه الذكريات، ووجهها الثاني أنها كحكاءة  تُلاعب بها جمهور المتلقين، كما أنها تقدم بذلك فتنة تفتن القارئ بعوالمها وتعدد شخصياتها وفضاءاتها، عبر تسلسلٍ للقراءة، وتُسحر بما يستحوذ على القارئ من سحر تخييلها للحياة الاجتماعية وتنوع أنماطها وتباين مستوياتها.

 

الشخصيات:

ترِد شخصيات هذا العمل – على كثرتها وتباينها – عبر بورتريهات محكمة تظهر فيها الشخصية بمفردها، وحينًا آخر تظهر من خلال شخصيات تشاركها اللوحة، فتصنع بهذه المفارقة حالاً دالاً على تنوع الشخصيات ومعاناة بعضها (كانت خالتي شابة مختالة بجمالها، وكانت بالفعل جميلة الخلقة، متجانسة القامة والهيئة، وكان يمكن لها في محيط وزمن آخرين، وربما في سرد حكائي آخر، أن تعتبر مرشَّحة لتمثيل الجمال، ليس فقط فى عصرها، وإنما فى أى عصر.. أما الباشمهندس فكان يمتاز بالطيبة، وبخلقة عادية، وقصر قامة، وكرش ملفت للنظر، وعضلات مصارع سابق، ونظارات قعر كباية، وشنب بطبيعة الحال يقف عليه الصقر، كان من أصول تركية ريفية، لم يكن يشبه كلارك جيبيل ولا جيمس دين أو الفريد استير، ولا حتى محمد عبد الوهاب أو أنور وجدي، ولا أيّا من نجوم السينما، الذين كانوا فتيان أحلام كثير من فتيات ذلك العصر).

 

هذا التشكيل فى طرق تقديم الشخصيات أدى لدفع الملل عن القارئ، وانجذابه لروح الحكي، غافلاً عن حِرفة الكاتبة في إحكام قبضتها على القارئ وعدم إفلاته من مدارات تحددها له، عبر تلك الطريقة البارعة في القص، والأسلوب الجميل، والعاطفة الكامنة في ثنايا “كتاب الغربة” المستعلنة أحيانًا حتى تطغى على السطح، وتلك اللمسات الفنية في رسم بعض الصور الكاملة للأشخاص، والقدرة على السخرية اللاذعة في ثوب جاد حتى تظهر وكأنها غير مقصودة (عندما عدن فى المساء أدركت والدتي أنها على وشك الولادة فأرسلوا في طلب الست زليخة قابلة العائلة.. كانت زليخة قد شاخت في تلك الأثناء، وظلت تغفو بين طلق وآخر، بعد أن أصدرت أوامرها وكانت معروفة في البيت مرهوبة الجانب:

ـ ابقوا صحونى لما الراس تظهر.

أو قدمت صورة فكاهية أخرى لمحمد زوج خالتها نوجة: (كان قليل الطلبات، يعمل كل نهاره، ويسقط سهوًا أمام التليفزيون، فيقتادونه بقدرة قادر لغرفة نومه).

 

ومع انسيابية الحكي والقص، فإن الكاتبة تمتلك أدواتها البلاغية من براعة الاستهلال، لحُسن الدخول لتنتهي بحُسن الختام، فتتنقل بقارئها عبر أماكن مختلفة، ومن خلال شخصيات متباينة، لعرض أحداث متعددة، يبدو بعضها غير مترابط زمنيًا والآخر أكثر ترابطًا.

 

تورد الكاتبة مقاطع تُنهي بها البورتريه أو التابلوه، ليس لتطل برأسها وتقول فقط رأيها، وإنما لتجعل المقطع يقوم بوظيفة جمالية تنبني على تقطيع السرد وإيقاف مجراه، سواء من خلال الوصف أو من خلال بثه عبر صفحات الكتاب.

 

ويرِد “كتاب الغربة” في شكل هذه الكتابة المراوغة التى لا تسمح لنفسها بالانصياع للقوالب الثابتة، وإنما تصنع إطارها الجاذب المكتسِب للمرونة، فيتشكّل  بين يدي الكاتبة وفق ما تطوعه هى للشخصيات والأحداث التي تنتقيها، مما يجعل هذه الكتابة لا رواية ولا سيرة ذاتية – رغم توافر كثير من الخصائص الفنية لكلتيهما – بل متتالية قص أو حكي، قد تكون الكاتبة استندت فيها لبعض مواقف أو ذكريات حقيقية، لكن بالتأكيد أضافت إليها الأكثر، وطوّقت الجميع بإطار فني مجازي، فخرج إلينا “كتاب الغربة” كفانتازيا مرتجلة.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ألاعيب دينا عبد السلام في «إعادة تدوير» .. فاطمة عبد الله

  عبر منطقة تماس بين دائرتين، تأتي مجموعة «إعادة تدوير» للكاتبة الدكتورة دينا عبد السلام.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية