تحت مقصلة الوهم .. رائدة نيروخ

رائدة نيروخ

 

مراجعة لرواية «أساتذة الوهم» للروائي علي بدر

 

إن كان دون كيخوته قد اختلق عالمًا من الفروسية المتوهمة؛ ليحارب طواحين الهواء، ويخوض معارك ضارية مع المردة ووحوش البراري، فكانت الحرب هي منجاته من واقعه الرتيب، وكانت سبيله لتحقيق ذاته المتخيلة؛ ليسجل انتصاراته الخيالية برفقة مساعده سانشو، ليثبت لحبيبته المتوهمة بطولاته في عصر لم يعد للفرسان فيه وجود، فإننا في رواية (أساتذة الوهم) أمام ثلاثة جنود يهربون من الحرب بأشعارهم ليؤسسوا لعالم من أشعار مترجمة واكسسوارات شعرية، في ظل الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين.

«إنهم جيل الشعراء الذين اغتربوا عن هذا العالم، واحد يقرأ الشعر، فيشعر فجأة بأنه يحلق إلى الأعلى.. إنهم الجيل الذي عاش كما لو كان روحًا شاردة أُلقي بها في عالم آخر، وهذا هو سبب خياله المظلم، الخيال الذي دفعه نحو أخطار متعددة، وعبثًا حاول أن ينقذ نفسه بالشعر».

سنمضي في روايتنا هذه برفقة ثلاثة أساتذة للوهم، عيسى ومنير والراوي. والكثير الكثير من الحديث عن الشعر والوهم في ظل الحرب.

 

ما بين الخيال والوهم 

لنا أن نسأل كيف ستكون حياتنا لو خلت من الوهم؟ أو من الخيال؟ وهل نعيش فعلاً الواقع؟ ألم يقل آينشتاين: «الواقع هو وهم، وإن كان شديد الثبات»، وأضاف بعض علماء النفس: «إن كل ما نمر به هو نسج خيالنا». فما الحد الفاصل بين الواقع والخيال والوهم؟!

حين يجد الإنسان نفسه مكرهًا على عيش حياة لم يخترها، يميل إلى تعويض شعوره بالقهر وبجبرية الواقع، إلى اختلاق عالم خاص به، وفق قوانينه الشخصية، وفلسفته للحياة، يهرب بأحلام يقظته إلى كنفه، متخففًا من ثقل الواقع، كخط دفاعي يتحصن خلفه كلما استنزفته متطلبات الحياة.

يرى بعض علماء النفس في الخيال قوة عقلية مبدعة، تتجاوز المألوف عبر تفكير يرسم صورة للممكنات في الحياة، ويمد البشرية بالثقافة الروحية الإبداعية من فنون أدبية شعرية ونثرية وبصرية.. ينطلق الخيال مدفوعًا بحب الاكتشاف دون مغادرة الواقع.

بينما في الوهم، يعيش الإنسان في ظل رغبات تقوم مقام الحقيقة، ويعتقد المرء بصحتها دون أي أساس منطقي وواقعي وعقلي وعملي يثبت ذلك.

لم يكن ميدان أبطال روايتنا الخيال بل الوهم. حالة من القطيعة مع واقعهم المعاش.

«نصف حياتي من الخيال لا من الحقيقة»

هكذا وصف عيسى أحد أساتذة الوهم حياته، لكن علينا أن نكون أكثر دقة فنقول: إن جلّ حياته كانت وهمًا!

فعيسى لم يكن سياسيًا، ولم يهتم أبدًا بالسياسة، ولا بمجريات الحياة، ولا بما يدور من حوله، يريد أن يكون شاعرًا عالميًا بلا وطن، ولا تاريخ، ولا أمة، ولا شعب، ولا فلكلور، كان يعيش حياته برمتها في داخل ذاته، لم يخرج من شرنقة الأنا التي تضخمت، وغدت نرجسيتها متعالية على من حولها، تزدري ثقافة مجتمعها، بل وصل الأمر بعيسى إلى أن يحتقر اسم أبيه، فتخلص من إلحاق اسمه باسم والده، فهو عيسى، عيسى بدون أرويد، فهذا الاسم لا يليق بشاعر!

تتجلى المفارقة في شخصية عيسى في انسلاخه التام عن هموم مجتمعه مع تقمصه الذي يصل إلى صورة كاركاتيرية مع صورة الشعراء الغربيين! فكل حلول عيسى الثقافية تبدأ بالشكل وتنتهي به! نراه يرتدي ملابس كشعراء القرن التاسع عشر في أوروبا، وكأنه خرج من أحد كتب تاريخ الأدب! ويصر في كل محفل على العناية بالإكسسوارات الشعرية! فملابسه، ونظارته، والكتب التي تأبطها كلما خرج من البيت، تعكس شاعريته!

 

المركزية الغربية

لم تكن فردانية عيسى أمرًا جوهريًا متحققًا في ذاته، بل نابعة من انبهاره المطلق بمركزية الثقافة الغربية، فهو يرى أن من المستحيل أن يجد في بغداد ما يستحق الكتابة عنه! فالشعر قد خلق لتكون باريس أو لندن مسرح أحداثه! وهل يعقل أن تحمل قصائده أسماء محلية! الغزل خلق ليناسب اسم جانيت أو كلودين!

عيسى كان يود الهروب من المحلي إلى العالمية، من الهوية الضيقة إلى التشظي الكوني.

لكنه منذ البداية، لم ينتم حتى إلى ذاته، فقد كان يكره مطالعة صورة وجهه في المرآة صباحًا، فهذه الملامح لا تناسب أبدًا ملامح شاعر عالمي!

 

حلول وثقافة مستوردة

«ربما مشكلتنا في بغداد هي التقليد الأعمى، تاريخنا الحديث هو تاريخ قراءة وإساءة قراءة أكثر مما هو تاريخ تجربة».

نمضي لنتأمل شخصية منير، الأستاذ الثاني من أساتذة الوهم في روايتنا، منير المفتون بالشعر الروسي، الذي يدعي أنه يترجم أشعارًا روسية، بينما هو لا يتقن قراءة الروسية، فمن أين جاءت تلك الأشعار التي كان يقرأها على أصدقائه؟

لم يمتلك منير شجاعة نسبة أشعاره إلى نفسه، فقد تتلاشى هالة الانبهار حين يعرف أنه هو قائلها. وهذا يحيلنا إلى مسألة في غاية الأهمية، هل يمكن محاكمة النص أدبيًا بمعزل عن قائله؟

كم مرة تغيرت نظرتنا للعمل الأدبي بمجرد معرفة أن مبدعه كاتب مشهور! فكثيرًا ما يسارع البعض إلى قراءة اسم الكاتب في المنشورات على الفيسبوك مثلاً، قبل إكمال قراءة النص، ليحددوا حكمهم على النص ويتهيأوا نفسيًا لتبرير انبهارهم ـ إن كان الكاتب ممن يهوون ـ أو أن يتجاهلوا إتمام القراءة أو في أحسن الأحوال، أن يتصيدوا عثرات النص، إن كان الكاتب مغمورًا أو لا يروق لهم.

 

عقدة الخواجة

يعكس موقف منير أيضًا (عقدة الخواجة) وهي حالة الانبهار بكل ما هو قادم من الغرب، بل حتى الانبهار بالغرب بغض النظر عن طبيعته الفكرية. فأساتذة الوهم في روايتنا كانوا يعشقون روسيا مع أنها هي ذاتها التي ضيقت الخناق على شعرائهم الروس المفضلين!

ماذا عن الراوي، الذي شهد تحطم أوهام أبناء جيله من الشعراء بعد أن قتل منير وأُعدم عيسى؟

يسترجع الراوي تلك الأحداث بالنبرة التهكمية الساخرة التي علت في صفحات الرواية، التهكم يستفز، لا لأنه يسخر أو يهاجم، بل لأنه يحرمنا من اليقينيات، كاشفًا عن العالم بوصفه التباسًا. يقول ليوناردو تشياتشيا:

«ليس ثمة ما هو أصعب على الفهم، ولا ما هو أصعب على فك رموزه، من التهكم، كما ذكر كونديرا في كتابه (فن الرواية)».

وكأن الرواي بتهكمه يرثي لحال أبناء جيله، لأحلامهم، لأوهامهم التي علقت على أعمدة المشانق، مشانق السلطة والحرب، ومشانق الواقع الذي لم يحسنوا شيئًا سوى الهروب منه. فهل كان يلوم نفسه وأبناء جيله؟ أم يلوم الحروب التي لم يعرفوا لغة سواها؟

لعل من أصعب الأمور على المرء أن يدرك أن كل انفعالات شبابه وقناعات جيله، كانت فقاعة، فقاعة من وهم يتحمل هو مسؤولية تضخمها وانفجارها، وتغالب الدموع ضحكاته الساخرة من هول أوهامه، رباه! أيعقل يوما أنني كنت حالمًا إلى هذا الحد؟!

 

هل يكفي الشعر لمقاومة ظلم الواقع؟

لا شك أن الحياة في ظل مجتمع ديكتاتوري شمولي، يفرض منظومة واحدة على الفكر والحياة، ستجد رفضًا ومقاومة كبيرة من الأشخاص الذين يشعرون بفرديتهم، وسينضون تحت لواء مجموعة تحمل أفكارهم الخاصة بهم، وهذا ما سنجده في مجموعة (بهية) ومجموعة (الساعة الخامسة) اللتين تشكلتا من مجموعة من الجنود الشعراء المناوئين للحرب، الرافعين رايات الشعر والتمرد، حتى انتهى الحال بمعظم أعضائهما بالإعدام!

«أنت تفكر بأحلام غربية بعقل شرقي، ذلك أنك تريد أن تعيش أحلامك عن طريق قوة غيبية أو سحرية».. لكننا حين نتأمل مجموعة بهية نجد أتباعها «يحبون العزلة ويحبون كل ما هو سري وتأملي، وإنهم ولدوا هكذا أشبه بالعجائز، لا يضحكون أبدًا، هم عميقون ولكنهم موتى، أو أشبه بالموتى، ويتعاطون دراسات صعبة وتجريدية، ويهتمون بالأبراج وكتب السحر، والمخطوطات القديمة».

فأي دور تغييري يمكننا أن نعول عليه لجماعة غارقة في الغيبيات! وتتخذ من الدكتور إبراهيم، الملقب بفاوست، أنموذجًا أكبر لها، وهو المولع بالماورائيات وبالموت، فهو يرى «أن الموت ليس سيئًا، هو خلاص لمن لا يريد في الكون أي شر أو فساد! فقد كان يكتب عن الموت لتفادي الموت، أي تصبح الكتابة نوعًا من التغريم، نوعًا من الرقيات والسحر».

 

لماذا الشعر؟

لم تكن كتابة الرواية أبدًا هي محط اهتمام أساتذة الوهم في روايتنا، لأن الرواية تستوجب بناء إداري لعالم من الخيال، عالم فيه مؤسسات، وشرطة، ومستشفيات، وليست مجرد حبكة وشخصيات، فهي تقدم عالمًا متكاملاً من نسيج الخيال وهذا يمثل نمطًا تفاعليًا، إذ يخرج الأنا من شرنقتها الضيقة، لتفكر بأصوات عدة، وتحاكي هموم مجتمعها.

بينما أساتذة الوهم في روايتنا غارقون في ذواتهم، ولم يجدوا في الشعر سوى نوع من التعالي على هذه الحياة العادية التي يحيونها، وفِي الشعر بالنسبة لعيسى سيحتل مكانه الصحيح. كل شيء سيسير بصورة متكاملة «والشعر بالنسبة لمنير شيء سامٍ، متعال، له طابع تجريدي. فالفن بالنسبة لأساتذة الوهم هو بحث متواصل عن صراع مستديم ببن العواطف، وهو أمر داخل الفنان لا في خارجه. وعلى الشاعر أن يغادر المركز ويعيش على الطارئ والدرامي. فالقصيدة لا تصنعها إلا حياة الوحدة. فكيف نتوقع من المشاركة الفاعلة في التغيير المجتمعي!». لكن، هل تعكس الرواية صورة لواقع الشعراء في العراق في حقبة الحرب؟

يقول ميلان كونديرا: «الروائي ليس مؤرخًا ولا نبيًا»

فالانتقائية في تسليط الضوء على ظاهرة دون أخرى في الرواية، لا تجعل من الرواية بأي حال من الأحوال وثيقة تسجيلية أو تأريخية. وعلينا ألا ننسى أن الأحداث المذكور تتأرجح ما بين الحقيقة والخيال، ويطرحها الكاتب وفق منظوره الفلسفي.

كثيرون من اعترضوا على الصورة التي رسمها علي بدر لشعراء تلك الفترة، وبدأوا يذكرون أسماء شعراء آخرين دفعوا أرواحهم ثمنا لكلمة الحق التي علت في أشعارهم حين تصدوا للطغاة، وآخرون بدأوا يستعرضون ثقافة مجايلهم من شعراء الحرب الأصيلة ومدى ارتباطهم الواقعي بهموم أمتهم. فهل كان لزامًا على الكاتب أن يورد مثالاً مشرقًا مقابل أساتذة الوهم؟!

قد تكون هذه الاتهامات مشابهة للاتهامات التي وجهها البعض لنجيب محفوظ حين سلط الضوء في بعض أعماله على قاع المدينة، على المناطق المظلمة من النفس الإنسانية.

فهل نحتاج دومًا لمن يطمئننا إلى أن الخير ما زال موجودًا؟ والأسود لابد أن يقابله الأبيض؟! ربما!

لكن العتبة العنوانية للرواية تتحدث عن مرتبة (الأساتذة) وهي مرتبة من بلغ حدًا من إتقان الصنعة مبالغ فيه، حتى بات معلمًا وعلمًا يشار إليه بالبنان.

إذ يكشف لنا العنوان منذ الوهلة الأولى إلى أننا سنصادف حالة مبالغة في أوهامها.

يعزز غلاف الرواية بلوحته الملغزة، حالة الوهم التي عبر عنها الكاتب. إذ نجد صورة لثلاثة أشخاص يمثلون أساتذة الوهم. أحدهم برأس كبيرة متضخمة بنرحسبتها وأوهامها، تعكس صورة متخيلة لنفسية عيسى. بينما تغيب الأيدي عن جسده، في رمزية لانعدام دوره الفاعل في الحياة، بينما نجد صورة لشخص بيد واحدة وبعين مبصرة يراقب عيسى الذي ينظر للأمام، وقد يمثل هذا الشخص الراوي. بينما يمضي الشخص الثالث بعيدًا عنهما ويخلو وجهه من أية ملامح، ويغطيه اللون الأحمر. قد يمثل هذا الشخص منير، الموله بالأدب الروسي. واللون الأحمر هاهنا رمز لروسيا.  ونجد بقعًا حمراء بأحجام متفاوتة أشبه بلطخة لونية على أجساد الشخصيات المرسومة. ترمز للفن، فقد ورد في الرواية «إنه يُؤْمِن باللون الأحمر الذي يولد الفن».

قد يختلف البعض مع هذا التفسير، كما قد يجد البعض أن اختيار اللوحة لم يكن موفقًا، وكانت تخلو من المعنى، وهذا ما أخالفهم فيه بالتأكيد.

فقد رد بيجوفيتش في كتابه هروبي إلى الحرية على من ينفي معنى اللوحات الفنية لعجزه عن تذوقها أو فهمها قائلاً: «عندما ترى رسما لا تفهمه، يمكنك أن تفكر بأن الأمر لا يتعلق بالفنان، وإنما بمهرج يسخر من الجمهور البريء، ويمكنك إذن: أن تفكر كما يلي: إلى أي علو عليك أن تقفز، أو إلى أية أعماق عليك أن تنزل، وكم يعاني المؤلف لكي يرى المشهد أو الحقيقة التي يحاول أن يخبرك عنها»!

وسيبقى الوهم حليفًا لمن يهربون من هول الواقع ومواجهته، ويبقى السؤال: ماذا لو عاش أساتذة الوهم في عصر مواقع التواصل الاجتماعي التي تزيد أوهام الكثيرين وتعزز نرجسيتهم، وانقطاعهم عن الواقع؟

 

أساتذة الوهم
أساتذة الوهم

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

مقام الالتباس والتجلي في «سيد بغداد» .. فاطمة عبد الله

  في رواية تعد سِفرًا لطائر سمندل يخرج من جحيم الحرب والاحتلال والاغتراب، وعبر مغامرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية