تجار الدين يبيعون الحب أيضًا .. أسماء سعد

أسماء سعد

 

أول مرة رأته، نظرت إلى تلك اللحية التي تؤطر وجهه، والنور الذي يشرق من محياه المتزين بعلامة سوداء من أثر السجود، فشعرت بأنها أمام ملاك هبط على الأرض لتوّه.. يتحدث بالعامية المختلطة باللغة العربية الفصحى حينما يستدعي الموقف ذلك، وتظهر عليه كل علامات التُقى أمام الجميع.. لا ينظر في وجه امرأة حينما يحدثها، ولا يصافح امرأة بيديه.. يعني ذلك أن المرأة الوحيدة التي مسّته كانت أمه.

ومن تلك التي تقابل شخصًا فيه كل هذه الصفات ولا تقع في غرامه، على الأقل تضمن أنه لن يخونها، ولن يهينها.. فمن الواضح أنه يخاف الله، ويمشي على تعاليم الرسول، والكثير من الفتيات يشعرن بأن هذا هو بر الأمان الحقيقي وسط هذا العالم القاسي.. حسبتها بالعقل أولًا فتدخل قلبها سريعًا ليكتمل مشهد الحب بداخلها، كل شئ حدث بالتصوير السريع، المقابلة الثانية، ولقاء العيون، ونظرته الخجولة إليها، ثم ابتسامتها التي فتحت له الباب والموسيقى التصويرية سريعة.

وبدأت قصة الحب بخطبة وترحاب الوالد، ثم خاتم وضعته أمه في يديها كي لا يمس امرأة لم تحل له بعد، وأصوات الزغاريد التي دوّت في البيت، ونظرته الغاضبة حينما حاولت إحدى قريبات العروس تشغيل الأغاني.. بضع سنوات مرت على الملاك الذي تنازل وارتبط ببشرية، تنتظر أن ينهي ملاكها الطاهر بناء الجنة التي سيُسكنها فيها، وجاء اليوم الذي كشف الحقيقة.

ولأن خطأ الشاطر بألف؛ نسي هاتفه في بيتها، وكأي بنت مصرية أصيلة لا تؤمن بمبدأ الخصوصية بالنسبة للرجل الذي تحب؛ استغلت الموقف وفتحت الهاتف، في البداية ظنت أنه ليس هاتفه.. كذبت نفسها ألف مرة.. حاولت أن تقنع نفسها بأنه حلم، لكن الحقيقة دائمًا صادمة.. وجدت العديد من مقاطع الأفلام القبيحة، ووجدت مراسلات بينه وبين عدد من الفتيات واضح من كلامهن معه أنهن بائعات هوى، أو ما شابه.. يتفق معهن على مواعيد، ويتحدث إليهن بألفاظ يصعب عليها تخيلها، وليس نطقها، ولم يكن هذا كل شئ، بل علمت أنه يتعاطى بعض أنواع المخدرات من خلال تلك المراسلات.

لم تكن صدمتها فيه وحسب، بل كانت صدمتها في نفسها أكبر.. كيف تم خداعها كل هذه السنوات، لقد حدث الكثير من المواقف التي تدل على ما رأت، لكنها كانت تكذب نفسها، وعلى ما كان ينوي لها ولأهلها الذين جعلوه واحدًا منهم.. عشر دقائق رأت فيها الوجه الذي لم تره خلال ثلاث سنوات.. رن هاتفه من رقم مُسجل باسم «أمي الغالية» فردَّت.. وجدته هو من يتحدث وليس والدته.

استجمعت قواها لتواجهه بحقيقة ما رأت، فكان رده باردًا كما لم تتوقعه.. فقد رسمت في خيالها الكثير من السيناريوهات المختلفة تمامًا عن رده.. توقعت أن يبكي، أن يندم، أن يترجاها، بأن لا تقول الحقيقة لأحد، لكنه أعطاها صفعة ثانية على قلبها، وقال لها إنه رجل ومن حقه أن يفعل ذلك، وبأنه سيتوب بعد الزواج.

استقبلت الكلام بدهشة كأنها رأت تنينًا مجنحًا ينفث نيرانه على عنقاء تجري خلف غول، وأغلقت الخط، ثم خلعت عنها ذلك الخاتم الذي قيد إصبعها لسنوات منعها من ارتداء الملابس العادية ووضع فوقها المزيد من قطع القماش بالرغم من اعتراض أهلها من مبدأ أننا أمة وسط فلم المغالاة.. علمها أن صوتها عورة بينما هو يستبيح لنفسه كل ما لم يحل له.. علمها أن كل شئ حرام وهو لا يفعل إلا الحرام، وجعلها تعيش في سجن جدرانه بوسع العالم لكنه في النهاية سجن.. باع لها الحب كأرخص ما يكون، كما باع الدين للذين يستمعون إلى خطبته المؤثرة كل يوم جمعة وهو يكاد يعتصر عينيه حتى تلمع الدموع فيهما وهو يدعو للناس بالرحمة، ويقول قوله هذا ويستغفر الله له ولهم.

«ليس كل ما يلمع ذهبًا» حكمة تداولها الناس عبر السنين، لكن قليلاً منهم من تعلم الدرس، وهي دفعت ثمن هذا الدرس غاليًا من عمرها ومشاعرها وقلبها الذي أصبح مظلمًا لا يثق في أحد.. لقد رأت أن الملاك الذي عشقته حد الجنون ما هو إلى باغٍ يليق به أن يعمل بإحدى أرخص حانات الخمر في الأزقة، أو أن يبيع الهوى مثل الفتيات الباغيات اللاتي يخرجن من بيوتهن مرتديات عباءات سوداء، وما أن يصلن مكان العمل يخلعنها عنهن مظهرات سيقانهن للمارة، فماذا عن الجميع؟ ومن هذا المغفل الذي ربط ما بين الذقن والتُقى وما بين التمثيل والورع وما بين التدين والنفاق، الكثير منهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم بينما هم يتلون الكتاب.

شعرت بأنها تريد أن تخبر الجميع عن حقيقة إمامهم الشاب الوقور، لكن صدمتها جعلت فمها مطبقًا على الكلام، تتخبط كالذي أصابه مسّ من الشيطان.. ربما ذبحتها الصدمة وهي الآن نصف ميّتة.  

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية