بين السينما والرواية: علاقة ملتبسة وسؤال مؤرق (1 ـ 2) .. د. يسري عبد الغني

يسري عبد الغني

 

يقول فيلليني: «إن المخرج حين يشاهد فيلماً في قاعة السينما لن ينشغل بالصورة البصرية ولا بالكادرات ولا الموسيقى ولا المونتاج، لكنه سوف ينشغل أولاً وأخيراً بالقصة».

تقديم في مدخل:

ظلت ثنائية الرواية والسينما تشغل الروائيين والسينمائيين على حد سواء، كما ظلت علاقتهما شائكة وتثير الكثير من الجدل حول من استفاد أو استلهم أكثر من فن الآخر، هل الرواية هي التي استفادت من السينما أكثر؟ أم العكس هو الذي حدث؟ وأن السينما انتعشت وازدهرت بفضل استلهامها من الرواية، وبفضل توظيفها لأجواء وعوالم الرواية التي تقتبس منها أو تحولها إلى فيلم، وتنقل الحياة والتفاصيل التي على الورق إلى حياة وتفاصيل من أضواء وألوان ومشهديات مختلفة.

السؤال المؤرق هنا: هل الأفلام المقتبسة، أو المأخوذة عن روايات، بعيدة في الأغلب عن معاني وأجواء تلك الروايات، أم أنه مثلما للرواية خصوصيتها وجمالياتها، للسينما أيضًا خصوصيتها وجمالياتها، وأن لكل واحدة منهما نهجًا في سلوك هذا الفن أو ذاك، وأن العلاقة بينهما علاقة تأثير وتأثر؟

أيضًا، لماذا حين يفشل الفيلم يُنتقد النص الروائي أكثر ويُحاكم على أن الفشل منه؟ أي من النص وليس من السينما، ولماذا بالمقابل تتواصل مقارنة الروايات بالأفلام المأخوذة عنها، وكأن هذه المقارنة ضرورية وحالة مقدسة لا يجب التنازل عنها أو إغفالها؟

ستحاول هذه السطور المتواضعة الحديث عن جدلية العلاقة بين الرواية والسينما، وعن تحويل الأعمال الروائية إلى سيناريوهات. كما تتحدث عن مدى ومقدار ما استفادت منه السينما من الرواية، ومن جهة ما استفادت منه الرواية من هذه السينما التي حاولت أن تقارب وتقرب النص المكتوب المتخيل إلى/ من النص البصري المتحرك بالمَشَاهِد والتفاصيل والحياة اللونية على الشاشة.

(1)

ثمة درس صعب لا نستطيع أن ننساه، إذا ما أردنا مشاهدة فيلم مأخوذ عن رواية عظيمة، مفاده: «قبل أن تنسى الرواية تمامًا، لا تذهب لمشاهدة الفيلم المأخوذ عنها». ليست تلك معضلة فيلم «الحب في زمن الكوليرا» المأخوذ عن رواية جابرييل جارسيا ماركيز الأشهر بعد «مائة عام من العزلة» بل معضلة كل الأفلام التي أغوتها ندّاهات الأدب، منذ اختراع السينما.

فكلما ظهرت رواية مهمة سارعت السينما لاقتباسها، أو قاتلت لاقتباسها، وإن كان الأمر لم يخل من انتصارات مهمة حققتها السينما مع مخرجين كبار، كما حدث مع «ذهب مع الريح»، «دكتور زيفاجو»، «زوربا»، وسواها. لكن الرواية تظل مختلفة ومنتصرة بنقصانها، أي رغم كونها لا تُرى وتُسمع كما في السينما. وحتى حين حققت السينما هذه الانتصارات، فإنها انتصارات غير مكتملة، إذ أن النجاح العظيم لرواية «طيران فوق عش الوقواق» سينمائيًا، وقد قيض لها ممثل لامع هو جاك نيكلسون، ومخرج كبير هو ميلوش فورمان، إلا أن الحنين إلى الرواية يعصف بك ما أن تنتهي من مشاهدة الفيلم، وقد عبر كين كيس مؤلفها عن عدم رضاه عن الفيلم رغم تحول هذا الفيلم لواحد من العلامات الكبرى في السينما.

من هنا ربما، علينا أن نتوقف عن مقارنة الروايات بالأفلام المأخوذة عنها، وأن نقر بأن الرواية ستفوز بالضربة القاضية، حتى قبل صعودها لحلبة الصراع مع صُنّاع الفيلم. معضلة الفيلم، المقتبس عن رواية، أمام مشاهديه، أنه ليس الفيلم الذي أخرجوه في رؤوسهم أثناء قراءتهم للروايات، وأن تُخْرِج نظريًا، غير أن تتقدم لتجسد الكلمات في فن آخر لا يُبقي من الفن الأول غير هيكله العظمي الذي يُبذل الكثير من الجهد كي يُكسى لحم، ويُشبع حياة. تلك هي العلاقة الشائكة بين الرواية والسينما، لكنها ليست العلاقة الشائكة بين الفيلم والمسرحية، وهناك أعمال باهرة سينمائيًا أُخذت عن المسرح، من بينها أعمال تنسي وليامز، ثم أفلام من مثل: «أماديوس»، «إمبراطورية الشمس»، «على شاطئ البحيرة الذهبية»… وقد أضافت السينما لهذه الأعمال أبعادًا جديدة حين أخرجتها من بين الجدران لتحلِّق عاليًا في فضاء بلا حدود، لتغدو بالتالي تحفًا سينمائية لا يمل المرء مشاهدتها مرة تلو أخرى.

فكلما ضاق النص اتسعت السينما، وكلما اتسع النص غرقت السينما في ما هو متوقع منها من قبل القراء الذين يبدو إخلاصهم للنصوص الأدبية أشبه بشيء مقدس.

(2)

على الرغم من الأبعاد المعرفية التي اكتسبها مفهوم الميتا سرد، الذي ظل لفترة حداثية طويلة عصياً على النقد والنقض، فإنه في المرحلة ما بعد الحداثية، اضطلع ببنية نقدية ونقضية جوهرية داخل الخطاب السردي الذي يحتويه، متخذاً طابع اللعب والتلاعب، في محايثته الناقدة لمختلف البنى السردية العتيقة داخل النصوص ما بعد الحداثية، ذلك حينما تتم بلبلة البناء السردي التقليدي، فتتجه الرواية أكثر نحو خصوصية خطابها ومنطق سردها، أين تصبح هي المركز البؤري لأي عملية اقتباس أو تحويل أو إعادة تمثيل لوقائعها.

ولهذا تم اعتبار أي وظيفة للنص الروائي تخرج عن إطار الرواية نفسها ـ كالتمثيل والمسرحة والاقتباس، وإعادة البناء السيناريستي ـ من قبيل الوظائف التي تخرج عن إرادة الكاتب، والتي تنتهي عندها سيطرته على النص الذي فتحه صاحبه على كل إمكانات الاختراق الميتا سردي، ومن هنا اتخذت إعادة صياغته السمعية البصرية مشروعية التصرف فيه بعيداً عن صاحبه ما إن تتم عملية التعاقد الرسمية لتحويله من طبيعته السردية إلى الطبيعة السمعية البصرية، أو الطبيعة التمثيلية. حيث ينتهي دور الكاتب عند بداية اشتغال السيناريست، وفريق الهندسة والتركيب المشهدي والإخراج السينمائي، الذي من شأنه أن ينقل العمل من الرواية السينمائية إلى السينما الروائية.

فحينما يجعل الكاتب من الرواية نصاً منفتحاً على إمكانات ميتا سردية، فإن أي تمظهر للنص وفق هذه الإمكانات التي تعيد صياغته وبناءه وفق فنيات الفنون التي اقتبسته، ينهي مهمة كاتبه لتبدأ مهمة أخصائيي تلك الفنون المؤسسة على مادة النص الروائي، والمحولة لها في الوقت نفسه. وبمجرد تحقق هذا التحول من الرواية السينمائية إلى السينما الروائية. ينفتح المجال على نوع آخر من التلقي والتصرف والتقنيات التي تعبث بمسارات السرد الذي يبقى مرجعاً ونصاً علوياً ونموذجاً خطياً لكل الاختراقات الميتا سردية التي انفتح عليها وسمح بها.

ولنا في ذلك عدة أمثلة ونماذج، منها ما فاقت فيها الروائية الخطية نسختها السينمائية، ومنها ما تفوقت فيها النسخة السينمائية عن الرواية الخطية.

ولطالما تعلقت قرائح المتلقين بنماذج سينمائية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً في مخيلاتهم بنصوصها الروائية، فظن كثير من العوام وحتى طوائف من المثقفين بأن الفيلم السينمائي هو نفسه النص الروائي، على الرغم من أنهما مختلفان جذرياً بحكم نوعية وكمية الاختراقات السينماتوغرافية التي لحقت النص المكتوب، الذي يُعزى كثير من نجاحه إلى الإبداع السينمائي حققه فريق إنتاج الفيلم، ولنا في بعض الأمثلة من الأدبين العالمي والعربي خير دليل على فضل النجاح السينمائي على رواج النص الروائي بين القراء.

ففي الأدب العالمي نجد على سبيل المثال: روايات «هاري بوتر» لـجوان كاثلين رولين، «زوربا» لنيكوس كازانزاكيس، «الكونت دي مونتي كريستو» لألكسندر دوماس، «مادام بوفاري» لـجوستاف فلوبير.

أما في الأدب العربي فنجد مثلاً: روايات نجيب محفوظ «زقاق المدق، الحرافيش، اللص والكلاب»، «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، «الحريق» لمحمد ديب، «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي (مسلسل تلفزيوني).

وجميعها نماذج تفاوتت قيمتها الروائية والسينمائية من حيث النجاح، وهذا عائد لخصوصيات العمل الروائي من جهة، وخصوصيات تجسيده السينمائي من جهة ثانية، كما يمكن أن يعود نجاحه أو فشله إلى عوامل تخرج عن الروائية وعن السينما، تتحكم فيها طبيعة العقد التجاري المبرم بين الروائي وصاحب الشركة السينمائية، وهو العقد الذي يحدد مدى تدخل الأول في عمل فريق الإنجاز السينمائي، والحدود التي يلتزم بها كل منهما تجاه الآخر، وكلها عوامل تخرج عن طبيعة الفنين معاً، لكنها قد تحسم مصير العمل من حيث النجاح أو الفشل. حينما يخرج النص (بملفوظاته، وبنياته، ومشاهده السردية) من ربقة كاتبه، ويصير إلى يد الطاقم السينمائي الذي سيعيد بناءه وفق تقنياته وقوانينه الخاصة، التي تختلف جذرياً عن نظيرتها الروائية، سيتساءل الجميع طبعاً حول طبيعة هذه المدخلات التي سيضفيها السينمائي وفريقه التقني إلى النص، وما سيسقطه من عناصر كانت جوهرية في البناء الروائي فصارت سقط متاع في الطبعة السينمائية للنص. وهذا ما نسميه بالاختراقات الخارجية التي ينتظر أن تحدثها السينما على النص، حينما تنقله من طابعه المكتوب والمقروء إلى طابعه السمعي البصري المشاهد.

تحوم حول الفيلم الروائي، أو الرواية المؤفلمة جملة من الأوهام بعضها خاص بصاحب العمل نفسه وبعضها يخص المتلقي العامي، حيث نشهد في وطننا العربي ظاهرة تدخل الروائي في عمل السيناريست والمخرج، حرصاً على تثبيت منظوره ورؤاه وحماية عمله من الاختراق، كأنما يظن بأن العمل الروائي حتى بعد تحويله سينمائياً فهو ما يزال رواية جاهلاً أو متجاهلاً الحدود الفنية والأجناسية بين فني الرواية والسينما. مما يجعله يحرص بشدة على مواكبة أو مرافقة عمله أثناء الأداء والتنفيذ السينمائي، متتبعاً كل كبيرة وصغيرة.

وبما أن الروائي ليس سينمائياً أو سيناريست، فقد يؤدي تدخله في عمل غيره إلى تشويه العمل والقضاء على نجاحه سينمائياً. والمعروف بأن بعض الروائيين، قد احتج فيما سبق على محتوى أفلام مقتبسة من رواياتهم الحاملة لنفس العنوان، كونه لا يعبر عن رؤيتهم.. فإلى متى ستستمر وصاية الكاتب على نصه؟ والتوهم بأن الرواية حتى بعد أفلمتها ونقلها من خطاب الكلمة إلى خطاب الصورة ستبقى رواية؟ وما يؤسف له أن تكريس هذا الوهم يقوده الكُتاب أصحاب الأعمال الروائية، قبل أن نلفيه شائعاً لدى طبقات المتلقين من العوام والمثقفين على حد سواء. فكلاهما يعتقد بأن الرواية إن تمت أفلمتها ستبقى هي الرواية المكتوبة وهذا مستحيل. فالسينما عمل يتميز بتقنياته المختلفة عن تقنيات السرد، وإن انتقل العمل النص إلى الصورة، فيجب أن تنتهي وصاية الكاتب حالما يلقي عمله للقراء، وما السيناريست والمخرج سوى من هؤلاء القراء.. فمتى يعلم المثقف بأن الرواية رواية والسينما سينما.

فما يضير المؤلف إن كانت قراءة السينمائي وفريقه تختلف عن قراءته الشخصية وآرائه، فاختراق السينما للنص ليس خيانة بل إبداعاً وإثراءً وقراءات متجددة.. فلنترك السينمائي يقوم بعمله، وفي النهاية نجاح العمل الروائي لا يعني أبداً نجاحه سينمائياً، وفشل العمل روائياً لا يعني فشله سينمائيا. ويشهد تاريخ الفنيين، على أن السينما كانت أسبق في الاستفادة من منجزات الرواية، واستعارة بعض تقنياتها التصويرية والتشخيصية والسردية، حتى أقلعت السينما إقلاعاً جعلها تتجاوز الرواية من حيث متابعة الجمهور المتلقي.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية