بين السينما والرواية: علاقة ملتبسة وسؤال مؤرق (2 ـ 2) .. د. يسري عبد الغني

يسري عبد الغني

 

 (3)

 يبدو أن الروائيين يشبهون الروايات، فمثلما أن جنس الرواية قادر على احتواء مختلف الأجناس الكتابية الأخرى وتوظيفها بنسب متباينة، نجد أن أغلب الروائيين لديهم محاولات توظيف تجاربهم في ميادين أخرى كالشعر والمسرح والصحافة والنقد.. وكذلك السينما منذ ظهورها. جراهام غرين، خوان رولفو، آلان روب جرييه، كاميليو خوسيه ثيلا، جابرييل جارسيا ماركيز.. وغيرهم. ومنهم من كتبَ السيناريو واشترك حتى في التمثيل والإخراج.

الرواية والسينما جنسان حيويان، أُمان لمختلف الفنون، وفيهما قدرة لا متناهية على احتضانها، لذا فهما أكثر عرضة من غيرهما للإصابة بالعدوى وللتغيرات وأسرع في تحولاتهما القادرة على مواكبة تحولات العصر، من هنا لا يتوقع لهما أهل الاختصاص عمراً طويلا وفق صيغتهما الحالية المتعارف عليها، وهذا لا يعني بأنهما سينتهيان، وإنما سيتحولان إلى صيغ فنية أخرى بعيدة عن الأصل الذي عرفناه بهما، وهذه صفة حياة وحيوية متفاعلة ولها مخاطرها أيضاً.

وإذا كانت السينما العربية، ومنذ بداياتها، اعتمدت على الرواية كمادة لسيناريوهاتها، فإن الرواية العربية، أيضا، استفادت من السينما، في تطوير التقنية والأسلوبية الروائية، وتجاوز السرد التقليدي، وتشابك عنصري الزمان والمكان، وتداخل الأزمنةـ وغيرها، وكذلك في الانتشار وسعة الاطلاع عليها، حينما تصبح الرواية مادة سينمائية مرئية.

غير أن البحث هنا، ليس في تلك العلاقة بين الرواية والسينما، ولكن بتحديد أدق، حول مدى حضور الأسطورة، كمكون إنساني في الوعي الجمعي، وثقافة المجتمع، العربي، في السينما العربية، وما حصيلة هذا الجانب، الأسطوري، الخارق، في السينما العربية، خاصة وأن هناك تراكمًا من الروايات المهمة المكتوبة، في الجانب الأسطوري، كما أن هناك إرثًا ضخمًا من الحكايات والقصص والأحداث والطقوس الأسطورية في العالم العربي، كما هو حال الشعوب الأخرى في أساطيرها وثقافتها.

ولكن نظرة باتجاه عدد الروايات وموضوعاتها، التي تم تحويلها، إلى سينما، ستعطينا مؤشرًا على قلة الروايات الأسطورية، أو قلة حضور الأسطورة، والفنتازيا، والخوارق، في السينما العربية، في مقابل كم هائل من الأفلام الاجتماعية، والرومانسية، والبوليسية، إذ أن الروائي إحسان عبد القدوس مثلاً هو من أكثر الروائيين العرب الذين حوّلت رواياتهم إلى أفلام سينمائية «43 فيلمًا عن رواياته»، ثم بعده يأتي نجيب محفوظ بـ «41 فيلما مأخوذًا عن رواياته»، توفيق الحكيم «22 فيلمًا»، يوسف السباعي «15 فيلمًا»، يوسف إدريس «12 فيلمًا»، «ثروت أباظة «6 أفلام»، وبعد ذلك تأتي أسماء روائيين تم تحويل رواياتهم إلى سينما، بأعداد متفاوتة، ولكن قليلة نسبيًا، أقل من 5 أعمال، مثل كتابات: إبراهيم أصلان، يوسف القعيد، جمال الغيطاني، خيري شلبي، وغيرهم.

ومثلما استفادت السينما من الرواية، استفادت أيضًا في كل عصورها من الأساطير القادمة من كل أنحاء العالم وظلت تنهل منها، وتحاكي الخوارق، فجاءت سلسلة «هاري بوتر»، وأفلام نهاية العالم، في محاكاة لأسطورة نهاية الكون المدونة ضمن أساطير المايا والأزيتيك.

أيضًا هناك حضور للأساطير والحكايات العربية في السينما العالمية، حيث أفادوا منها، وقدموها، ولكن في كثير من الأحيان في إظهار جوانب سلبية لصورة العربي من خلالها، وهنا تجدر الإشارة إلى كل من أفلام «لص بغداد»، «السندباد»، «علي بابا والأربعين حرامي»، «علاء الدين والمصباح السحري».

وإذا ضيقنا دائرة البحث لتركز على الرواية العربية التي تناولت الأسطورة في مضمونها، سنجد هذا النزوع كان مع التأسيس للرواية العربية، والنزوع نحو استلهام التراث والأساطير، وإسقاطه على الواقع المعاش، بكل تحدياته السياسية والاجتماعية والثقافية. ونجد ذلك في البدايات عند توفيق الحكيم في رواية «عودة الروح» عام 1933، واستحضار أسطورة الموت والانبعاث الفرعونية. كما نجده في رواية «ايزيس وأوزوريس» عام 1945، قصة من وحي الأسطورة المصرية الفرعونية، للكاتب عبد المنعم محمد عمرو، طبعت عام 1945م، وفيها إعادة صياغة للأسطورة الإيزيسية.

لقد تم استثمار المخيل الجمعي، والأساطير الإنسانية، قديمًا وحديثًا، في الرواية والسينما عالميًا، ولعل أشهر الروايات التي يمكن استحضارها ما صدر عن الروائي جون رونالد رويل تولكين صاحب «سيد الخواتم» ثلاثة مجلدات نشرت في 1954/1955. وسلسلة «هاري بوتر» التي كتبتها جوان رولينج موراي، سبعة أجزاء، وسلسلة «سجلات نارنيا» لكليف ستيبلز، ورواية «لعنة كابسترانو»، لـجونسون مكولي، حول شخصية زورو، حيث أن كثيرًا من تلك الروايات الأسطورية، وغيرها، تم تحويلها سينمائيًا.

 

(4)

يقول فيلليني: «إن المخرج حين يشاهد فيلماً في قاعة السينما لن ينشغل بالصورة البصرية ولا بالكادرات ولا الموسيقى ولا المونتاج، لكنه سوف ينشغل أولاً وأخيراً بالقصة».

ربما نجد هذا الكلام غريبًا من مخرج يجعل الممثلين يطيرون ممسكين بمظلاتهم من سطوح السيارات والقطارات، مخرج لا يأبه بما يقوله أبطاله طالما أنه سيقوم بتركيب الجُمل التي يريدها على ألسنتهم حتى لو كانت وليدة اللحظة، لحظة ما بعد التصوير بكثير، لكنه لن يكون غريباً من وجه آخر عندما يقول إن الناس يسألون عن مصير أبطاله وأين ذهبوا بعد أن انتهى التصوير، هل يكملون نهاياتهم في أفلام أخرى.

لكن ذلك كله وإن بدا أنه يمكن إظهاره في الشريط السينمائي عبر المونتاج إلا أنني ربما أذهب مع تاركوفسكي إلى أن الإيقاع، وليس المونتاج، هو العنصر المكون الرئيسي للسينما، وبأن إحدى الإمكانيات الثمينة للسينما هي إمكانية طبع فعلية الزمن على الشريط السينمائي.

أين تقف الرواية من السينما والعكس، سؤال قديم متجدد لن ينتهي، ربما قال جراهام جرين: «لسنا في حاجة لاعتبار السينما فناً جديداً فهي في شكلها الروائي لديها نفس غرض الرواية مثلما للرواية نفس غرض الدراما، ربما ذهب البعض إلى محاولة إيجاد تشابه وتطابق بين مفردات كل من السينما والأدب، فالكادر السينمائي يقابل الكلمة، واللقطة تعادل الجملة، والفقرة تُقابل المشهد، والفصل لا يختلف عن الفصل، واعتبروا المونتاج بمثابة القواعد النحوية وأدوات الربط».

لكن موريس بيجا رد بسخرية: «إذا كان هذا صحيحًا وكانت الكلمات هي المقابل للكادرات فأين القاموس الذي يستطيع أن يحدد معنى كل صورة!».

هناك آراء كثيرة جديرة بالإنصات لها حول علاقة الغرام المسلح بين الرواية والسينما، ربما منها أن كلا من الرواية والفيلم له عالمه الخاص في التعبير السردي، فكل منهما جنس مختلف من الفنون، قائم بذاته، وله أبعاد جمالية متفاوتة، مع ذلك فإن الاختلاف لا ينفي وجود بعض من التشابه، وما بينهما من جذور مشتركة، من تماثل وتباين وعلاقة تأثيرية تبادلية. إن الاختلاف لا يُنكر تجاورهما، فكل من الصورة السينمائية والأدبية صور ممتدة زمانيًا ومكانيًا، وأن أحد الفوارق الأساسية بينهما أن السينما تستمد خصوصيتها من الصورة المتحركة فعلياً، أي الصورة المرئية أو المطبوعة، بينما يرتكز الأدب على الصورة المتخيلة.

يذهب مارسيل مارتن إلى أن السينما تقترب من الرواية الحديثة، فالرواية والسينما تبحثان منهجيًا كل ما يسعها من الانصهار العاطفي بين الشخصية والجمهور، ويضيف: إن قارئ الرواية يكون سلوكه مشابهًا لسلوك مشاهد الفيلم، فالفيلم إلى حد ضئيل يبقى عرضًا مشهديًا وليس عرضًا على الإطلاق، إن السينما كالرواية ـ حكاية.

إنه يريد أن يقول لنا: عندما جمع بين الرواية والفيلم كونهما حكاية: إن الحبكة هي القاسم المشترك بين الفيلم والحكاية، والحبكة كمصطلح من العناصر المكونة للعمل الأدبي والفني، ولكن الحبكة في حد ذاتها لا تهم إلا الكاتب أو المؤلف لأنها مخطط يصبح في النهاية قطعة من الحياة كما تخيلها المبدع، والحبكة أيضًا ليست مهمة للمتلقي (القارئ أو المتفرج) وما يهم المتلقي هو البناء الدرامي.

ولئن كانت القصة هي العصب الأساسي للأدب القصصي كما للسينما، فإن العثور على الخيط الرابط لكل ذلك ـ كما يقول ماركيز ـ هو «التحدي الأشد صعوبة». ربما كل هذا وربما أشياء أخرى يطول الحديث عنها، لكنني وإن كنت لا أبحث عن حكاية مركزية في الرواية ولا في السينما، أرقب المونتاج في كليهما، أرقب الإيقاع، الصورة البصرية، الانتقال من شخصية لأخرى، رائحة اللغة، أسلحتها، لكنني حين أجلس إليهما ربما أبحث مع المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني في النهاية عن خيط رابط، ربما عن حكاية، ولو مجرد حكاية.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية