بودكما .. الحبيب اعزيزي

الحبيب اعزيزي

 

كان أصيل اليوم قد بدأ للتو. فبدت أشجار التين كما لو أنها غارقة في السراب. أما التين الشوكي فإنه يعكس الآن ضوء الشمس الحارة والمائلة في منتصف السماء.

جلس العجوز «بودكما» على الصندوق الخشبي الأصفر أمام الخيمة السوداء المنسوجة من شعر الماعز. وشرع يصنع بيدين صلدتين قبعة من الدوم. لقد وعد ولده الوحيد «شاغي» ذا الثلاثين عامًا. سيفرح كثيرًا عندما يعود من الغابة وهو يسوق قطيع الغنم. هذا بعد شهرين.

***

نبحت الكلبة السوداء نباحًا متواصلاً، وإذا بشاب غريب يسقط على رجلي العجوز متوسلاً بلغة عربية دارجة:

ـ إنهم خلفي.. يريدون قتلي. خبئني.. خبئني.

أجابه بودكما بسرعة:

ـ أدخل للخيمة، فلا أحد في الدنيا يستطيع اقتحام خيمة بودكما.. لا.. لا.. تعال، ادخل إلى هذا الصندوق فهو واسع وفيه ثقوب تستطيع التنفس من خلالها.

أدخل العجوز الشاب الغريب والخائف في الصندوق الخشبي الأصفر ثم أغلقه، وجلس يتمم قبعة الدوم. كان بين لحظة وأخرى ينهر الكلبة السوداء باللغة الأمازيغية التي لا يعرف غيرها، لتكف عن النباح، حتى لا يشك أحد في وجود الضيف الهارب من الموت في خيمته.

ـ قلت.. لا أحد يقتحم خيمتك.. أليس كذلك يا عمي؟

قال الشاب المختبئ في الصندوق الذي يجلس عليه العجوز.

ـ نعم.. لا تخف.. فمجرد ذكر اسمي ترتعد القبائل في الغرب.

رد العجوز ثم أردف:

ـ قل يا ولدي.. من يطاردك؟

جاء الصوت من داخل الصندوق:

ـ كلهم يا عمي.. كل الرعاة.

ـ لكن لماذا؟ ماذا فعلت؟

ـ قتلت شخصًا. لقد أهانني.

أجاب بودكما:

ـ أنا أيضا قتلت الكثيرين.. كان ذلك أيام السيبة.. كل من أهان قبيلتي كنت أقتله.. أجمع بعض الشبان ثم أغير عليهم بالسيف والبندقية.. أسترد قطعان القبيلة وأسرق قطعانهم.. اسمع يا ولدي إياك أن تخشى الموت.. فهو لا يدق على باب الشجعان. لقد سلبت رجال ونساء قبائل الغرب.. هم أيضًا سرقوا نساءنا ورجالنا.. ذات يوم سرقوا خمسة أطفال صغار من القبيلة فخرجت في ليلة سوداء.. كان البرق والرعد والمطر يملأ الغابة كلها.. كنت قد سمعت أنهم يحبسون الأطفال في مطامير تحت الأرض. وفعلاً عندما وقفت أمام المطمورة أدخلت يدي نحو قاعها وصحت:

ـ هيا يا أولاد.. أنا الزعيم بودكما.. هيا لنعد إلى القبيلة.. ليتعلق كل منكم في أصبع من يدي.. رفعت الأطفال الخمسة وهم معلقين في أصابع يدي ثم عدت بهم للخيام.. آه كان ذلك أيام السيبة حيث كنا نحارب من أجل أرضنا. لقد غلبناهم فطردناهم من جبال الأطلس إلى حدود النهر.. لقد ندمت كثيرًا على كل ذلك.. هم أيضًا ندموا أكثر.. لكن قل لي:

ـ من قتلت؟ ما اسمه؟

كان الشاب في الصندوق قد تغيرت نبرة صوته وأضحت أجوبته ثقيلة ومتلعثمة:

ـ لا أ.. ع.. ر.. ف اسمه.. فأنا لست من قريتكم.

انفجر نباح الكلبة السوداء من جديد. فتحرك بودكما نحو الخيمة. أخرج البندقية القديمة ذات اليد الخشبية والحزام الأبيض ووضعها بجانبه. في حين تجمد الشاب داخل الصندوق من الخوف.

ظهر من بعيد حشد كبير من الشبان يهرولون في اتجاه الخيمة. تتعقبهم كل القبيلة تقريبًا: الرجال والنساء والأطفال.. تأهب بودكما وراح يتابع المشهد في هدوء.. تقدمت الجموع.. ثم تقدمت أكثر.. ثم أكثر. فرأى العجوز أنهم يحملون شخصًا ميتًا وملفوفًا في حائك أسود.

في هذه اللحظة بالذات وضع الرجل البندقية على كتفه، وهو لا زال جالسًا على الصندوق الذي يختبئ فيه القاتل الهارب من الانتقام.

رفع الرعاة الحائك عن الجثة. فإذا العجوز قد تغيرت ملامح وجهه كلها. ارتمى يعانق الجثة ويصيح:

ـ ولدي شاغي.. ولدي.. ولدي…

ارتفعت أصوات العويل والنواح أمام خيمة العجوز. امتزجت بأصوات الكلاب في القرية كلها. لحطة ثم انبرى أحد الرعاة من داخل الجموع قائلاً:

ـ صبرًا يا بودكما.. فقد حلت بك كارثة اليوم. فأنت علمتنا أن تكون لدينا قلوب الأسود.. ابنك «شاغي» قتله أحد الرعاة من القبيلة المجاورة بعد أن هجم شبانها على أرضنا.. أرادوا أن يسوقوا قطعان القبيلة كلها.. لقد طردناهم، ونعدك بالانتقام، فالقاتل مختبئ في قريتنا ولا بد أن نجده.. ونحمله ميتًا إلى خيمتك.

***

دام المأتم يومين كاملين من أجل استكمال طقوس العزاء. وخلال ذلك كان بودكما يمد قاتل ابنه بالطعام والماء في غفلة عن أعين القبيلة. وهو في الصندوق الذي ظل يجلس عليه لمدة يومين ولا يتركه ولو للحظة قصيرة.

في الليلة  الثالثة، وحين تفرقت جموع المعزين وعاد الرعاة إلى قطعانهم، مسلحين بالبنادق والسواطير، وضع السرج على ظهر الفرس.. رمى بالبندقية فوق الخيمة ثم أخرج قاتل ابنه من الصندوق. طلب منه الركوب خلفه. ثم همز الفرس وطار مخترقًا الليل وغابة الصنوبر الكثيف.

حين وصل إلى القبيلة المجاورة طلب من الشاب النزول قائلاً:

ـ إياك أن تبتعد عن خيامكم.. أو أن تقول إنك قتلت ابن بودكما.. فقد مللنا الانتقام من بعضنا البعض في هذه الغابة السوداء.

فكر القاتل في شيء يقوله للرجل الذي أنقذه من الموت المحقق. أيقول له:

ـ اسمح لي لقد قتلت ابنك؟ لا.

لم يجد أي شيء يعادل هذه المصيبة وهذا الموقف، فطأطأ رأسه ومشى بثقل كبير كأنما أقدامه ترفض حمله نحو قبيلته.

شاهد أيضاً

سهام محمد

وأرجع أقول ما لقيتلوش ديل .. سهام محمد

  ـ «جميلٌ، يغرِّدُ منطلقًا من غصنٍ لغصنِ، وصبيٌّ بنَبْلةٍ يُوقعَه!» يقولُ متعجبًا ـ «عَيْبٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية